هذه المقابلة أجراها غابرييل بروكس من موقع «بورزوي ريدر» الثقافي الالكتروني المتخصص مع الروائي الأميركي ستيفن هاريغان بمناسبة صدور روايته الجديدة «تشالنجر بارك»، حيث ألقى الضوء على ملامح هذه الرواية التي تشكل انتقالاً كبيراً يجعلها مختلفة تمام الاختلاف عن رواياته السابقة،
وعلى رأسها روايته الشهيرة «بوابات ألامو»، وناقش المؤثرات المختلفة التي شاركت في نسج هذه الرواية التي تدور حول عالم ارتياد الفضاء ودور الخيال الإبداعي والمعلومات واللقاءات مع الرواد في صياغة نسيج الرواية. وفيما يلي نص المقابلة:
* متى راودتك لأول مرة فكرة «تشالنجر بارك» وكتابة رواية تدور أحداثها في وكالة الفضاء الوطنية الأميركية «ناسا»؟
ـ يعيش كثير من أقاربي في مدينة كلير ليك في ولاية تكساس، حيث مقر مركز جونسون الفضائي، وحيث توجد بيوت عدد من رواد الفضاء.
وحسبما أتذكر فإن أول إطلالة لفكرة هذا الكتاب جاءت عندما كنت في زيارة لهذه المدينة ومضيت لمشاهدة ابنة أختي وهي تلعب كرة القدم. وقد أشارت أختي إلى امرأة تجلس خارج الملعب مباشرة كانت تشجع ابنتها وهمست لي قائلة: «لقد عادت لتوها من الفضاء».
وأذكر أنني نظرت إلى رائدة الفضاء تلك التي كانت غارقة في تفاصيل حياتها العادية علي الأرض. وأحسب أنني كنت أظن أن رواد الفضاء هم أبطال فائقون لا سبيل إلى الاقتراب منهم، ولكن تلك الأم بددت هذا المفهوم تماماً، وكلما أمعنت التفكير فيها وفي التوترات الغريبة بين العائلة والعمل التي لابد أنها تحكم حياتها، كلما أدركت أنه ها هنا توجد قصة تستحق أن تروى.
* بما أنك لم تنطلق إلى الفضاء يوماً، فكيف استطعت أن تجعل تجربة الانطلاق إليه تبدو شديدة الواقعية على نحو ما تبدو في الرواية؟ بتعبير آخر ما هي نوعية الأبحاث التي أجريتها قبل كتابة الرواية؟
ـ قمت بحوالي أربع وعشرين رحلة إلى مدينة كلير ليك ومركز جونسون الفضائي لإجراء مقابلات مع رواد الفضاء والمدربين والفنيين، وأمضيت بعض الوقت في غرف المشبهات والمختبر تحت المائي، حيث يتدرب رواد الفضاء على السير في الفضاء، وزرت كل ركن أتيح لي زيارته في المركز الفضائي، متحدثاً مع من يعملون هناك،
وكانت هناك سيدة رائعة تدعى ليزا ريد، هي قائدة مجموعة فضائية سابقة، وهي الوظيفة التي يشغلها «والت» في الرواية، كان صبرها معي ومع أسئلتي الفضولية بلا حدود. وقرأت أعمالاً لا حصر لها عن عالم «ناسا» وصفحات لا نهاية لها من مواقع «ناسا» على الانترنت.
وبعد كل هذه الأبحاث فإن الأداة الأكثر أهمية لجعل القارئ يحس بما يعنيه الانطلاق إلى الفضاء هي خيالي، فأنت تصل إلى نقطة في الكتاب تتعرض عندها لخطر أن تكون لديك معلومات أكثر مما ينبغي، وكل تلك الحقائق التي جمعتها بعناية يمكن أن تبدأ في الظهور بمظهر خانق، وعندئذ عليك بالتراجع واللجوء إلى أحلام اليقظة قليلاً.
* روايتك الجديدة هي رواية حب تثير الشجن وتستكشف آفاق الفكرة القائلة بأن الحب يمكن أن يكون رحلة خطرة وتستعصي على التنبؤ بمنعطفاتها تماماً كرحلة إلى الفضاء الخارجي، فكيف بدا لك أمر استكشاف اللمحات الحميمة في الزواج وقصة حب خارج إطار ذلك الزواج؟
ـ الزواج يعد أرضاً مألوفة بالنسبة لي، حيث أنني أنا وزوجتي نوشك على الاحتفال بالعيد الثلاثين لزواجنا، وأنا أعرف أسرار تربية الأبناء وكيفية التمزق بين كل من الحاجة إلى المغامرة والواجب والبقاء في البيت. وبعد قول هذا، فإنني ينبغي أن أضيف إن الزواج في الرواية وقصة الحب بين والت ولوسي هما جزء من عملية التخيل نفسها التي تشمل الرحلة إلى الفضاء الخارجي.
لقد ابتكرت هذه الشخصيات، وفكرت فيها بعمق كل يوم على امتداد سنوات، والأمور التي تحدث لها منفصلة عن تجربتي، ولكن الكاتب عليه أن يؤمن بأن هناك شمولية للتفكير والشعور، وعليه أن يثق بأن من الممكن تخيل طريقه إلى قلوب وأذهان الآخرين بعمق بالغ إلى حد أن القارئ سيشعر بأن الاستجابات التي أعطيتها للشخصيات هي استجابات أصيلة.
* تعد شخصية والت إحدى الشخصيات الفاتنة بحق في الرواية، فهو الرجل الجالس على الأرض الذي يعد الآخرين ويؤهلهم للرحلة إلى الفضاء الخارجي ويتابعهم خلال أي أزمات يتعرضون لها ويعيدهم إلى الوطن سالمين، ومع ذلك فإنه هو نفسه لا يشارك في رحلة للفضاء أبداً. ما الذي ألهمك إبداع هذه الشخصية؟
ـ لقد عرفت أنني بحاجة إلى شخصية من هذا النوع، ولم أرد أن يكون جميع من في الرواية من رواد الفضاء، فقد بدا لي أنني في غمار الكتابة عن «ناسا» يقع على كاهلي واجب تعريف القارئ بحشود من الناس الذين يظلون قابعين في الظل .
وكنت مهتماً بالكتابة عن شخصية لا تؤدي عملاً متألقاً، وليس صاحبها وسيماً، ولا يرتدي ملابس على أحدث طراز، ولا يقود سيارة بالغة الحداثة، وإنما هو شخص لا تقع عليه العين ولا تتركز عليه ما لم نعرف أنه في قلب الأحداث وأنه لا سبيل إلى الاستغناء عنه، وأن الناس يثقون به إلى حد ائتمانه على حياتهم، فنحن نعيش في ظل ثقافة تميل إلى الاحتفاء بالمشاهير والمظهر المتألق، وقد أحببت فكرة أن يكون في قلب الرواية شخص لا يتأثر بهذا كله.
* ما الذي جعلك ترغب في استكشاف آفاق فكرة الإيمان واليقين في روايتك على خلفية من سبر أغوار أناس يعيشون وسط ألوان من التقدم في العلوم والتكنولوجيا يبدو أنها تمتد بلا انتهاء؟
ـ لست أدري، فأنا لا أنطلق بصفة عامة لـ «استكشاف أفكار» عندما أستهل كتابة رواية، وإنما يكون لدي مفهوم، فأبدأ الكتابة، وأرى ما الذي سأصل إليه.
ولكن فكرة الإيمان أو اليقين بكاملها أو على وجه الدقة فكرة ما يكمن فيما وراء مدارك الإنسان، هي بالنسبة لي فكرة لا سبيل إلى تجنبها، وهي كامنة هناك على الدوام. وينبغي أن تضعها في الاعتبار وإلا فإن هناك ما هو ناقص أو غائب أو مفتقد.
* تدور رواية «تشالنجر بارك» إلى حد كبير حول القوى ـ قوى الجاذبية، العاطفة، الروح ـ التي تجذب المرء إلى بيته. ولكنها تدور بالقدر نفسه حول الاحتياج الإنساني إلى الحلم وإلى الانطلاق في اتجاهات جديدة مفعمة بالمخاطرة. هل تشعر بأن شخصياتك تحسن صنعاً في مجال موازنة هذه القوى المتعارضة؟
ـ إنها تبذل قصارى ما في وسعها في هذا الشأن، ونحن جميعاً نواجه تلك المعضلة الأساسية في حياتنا، أي التوتر القائم بين الأحلام والمسؤوليات.
وفي حالة لوسي، بطلة الرواية، فإن هذا التوتر يرتفع إلى أقصى ذروة يمكن أن يصل إليها، فكيف يمكنك أبداً أن تبرر بصورة حقيقية توديع أطفالك ثم ترتقي درجاً من الوقود المتفجر وتغادر الكوكب وسط عمود من اللهب؟ ولكن إذا أتيحت لك الفرصة، إذا كان ذلك تحققاً لشيء عملت من أجله وحلمت به طوال حياتك، فكيف يمكن ألا تفعل ذلك؟ ليست لدي الإجابات وكذلك الحال بالنسبة لشخصيتي لوسي ووالت. ولكنني كنت على الدوام أكثر اهتماماً بالكتب التي لا تحسم فيها القضايا والتي تظل فيها الإجابات بعيدة عن المطال.
مسيرة هاريغان
* ولد الروائي الأميركي ستيفن هاريجان في 5 أكتوبر 1948 في مدينة أوكلاهوما وتخرج من جامعة تكساس في أوستن في 1971، والتحق بالدراسات العليا فيها لفترة وجيزة، وعمل بالصحافة، وكتب لعدد من المجلات منها «رولينج ستونز» و«أتلانتك مونثلي» و«اسكواير» و«تكساس أوبزرفر» وعمل سنوات طويلة في مجلة «تكساس مونثلي».
* تلقى هاريغان في 1977 زمالة دوبي ـ بيزانو، مما سمح له باتمام روايته الأولى في 1980 بعنوان «أرانساس»
* صدرت روايته الثانية «بئر جيكوب» في 1984، واختارتها صحيفتا «واشنطن بوست» و«دالاس مورنينج نيوز» رواية العام.
* صدرت روايته الثالثة «بوابات ألامو» في عام 2005، وبلغت من النجاح لدى القراء حداً أدخلها قائمة الروايات الأفضل مبيعاً في أميركا، وتلقى عنها جوائز عدة، بما فيها جائزة كتاب تكساس، وجائزة التراث الغربي وجائزة متحف تراث الغرب وجائزة أفضل رواية عن الغرب.
* لهاريغان كتاب يندرج في تصنيف الأعمال غير الروائية، وهو بعنوان «الماء والضوء: رحلة غواص إلى الحيد المرجاني» صدر في عام 1992.
*كتب هاريغان العديد من السيناريوهات للأفلام والمسلسلات التلفزيونية ومن بينها «الرجل الأخير في قبيلته» و«ملك تكساس» والمهر».
*يشغل هاريغان عضوية مجالس عدد من المؤسسات الأميركية الثقافية المهمة، ومنها مهرجان كتب تكساس ومؤسسة تماثيل منطقة العاصمة.
