يشعر العرب بالخوف من الحداثة لأنهم يعتقدون أنها تتضارب مع عقائد وموروثات تقدست مع مرور الزمن، وأصبحت قواعد لحياة مستمرة تتناقلها الأجيال. مصطلح الحداثة، فضفاض وتنضوي تحته آلاف الأفكار الغامضة ويميل هؤلاء الذين لا يستسيغون سلوكاً أو أسلوباً، أو لا يستطيعون التواصل مع منتج فني إلى إطلاق صفة الحداثة علية .

فعندما يضع شخصاً ساقاً على ساق بثياب الجينز، ويحتسي شراباً على مقهى رصيفي، وعندما تصر عجلات سيارة حمراء رياضية مكشوفة يقودها شاب حليق الشعر، وعندما تعبر الشارع فتاة بملابس ضيقة تكشف عن سرتها المزينة بقرط ملون، يجري الاعتقاد أن تلك السلوكيات نتاج الحداثة وينطبق الحكم ذاته على قصيدة لا يفهمها المتلقي أو على لوحة اشتبكت ألوانها فاستعصت في توصيل معناها إلى المشاهد.

لا يفرق الكثير منا بين الحداثة والعصرنة، فالحداثة مثلما جاءت في بيانات أدبية هي القدرة على العيش في الزمن المستقبلي وينطبق هذا المعنى على شاعر كالمتنبي أو مغنية كأم كلثوم كأبرز مثالين من حلقة الفن والأدب لقدرة إبداعهما على العيش في المستقبل، كما ينطبق المعنى أيضاً على (صقر قريش) عبدالرحمن الداخل مؤسس الدولة الأموية في الأندلس، حيث تعتبر تجربته في تأسيس دولة حديثة بإسبانيا مثالاً على الإبداع السياسي.

وتكثر الأسماء في هذا الميدان عربياً، ولكن يخف بريقها مع حالة الاستلاب التي نعيشها أمام الغرب، حيث الاعتقاد الأكيد أن الغرب متفوق لأنه حداثي ومعاصر. في حين تعد العصرنة هي أسلوب العيش حالياً أو ما يتفق عليه البشر اليوم فيقلدون بعضهم ويجارون الجوار وتنتقل أصناف الطعام وأشكال الثياب، وطرق المشي وغيرها من شعب إلى آخر كنوع من المعاصرة وليس الحداثة، وجاء في التراجم دوماً أن فلاناً كان معاصراً لفلان، مما يعني اتفاقهما على طبيعة واحدة في أسلوب العيش.

وإذ يجري الخلط بين الحداثة والعصرنة فإن السبب يعود إلى غياب مفهوم الحداثة عن الذهنية العربية بشكل صحيح، لأنه ارتبط بأوهام تناقلتها أجيال بعد أجيال، ولأنه يترك إحساساً لدى البعض أن الحداثة ضد قيم المجتمع. وليس من السهولة التفريق بين الحداثة والمعاصرة، لأن الأمثلة تتقاطع بصرياً، ولكنها متباينة فلسفياً.

ولأن الفلسفة ليست حاضرة في حياتنا بشكل صحيح، تختلط آلاف الأفكار الصحيحة والإيجابية بآلاف غيرها من الأفكار المغلوطة والسلبية، لذلك يجري الاعتقاد أن شاعراً لا نفهم نصه جيداً، هو ذاته يقود سيارة حمراء مكشوفة تصر عجلاتها صريراً معاصراً!