مؤلف هذا الكتاب هو المؤرخ دوغلاس بورش المختص بتاريخ المغرب والعلاقات الفرنسية المغاربية. وفي هذا الكتاب يقدم الباحث لمحة تاريخية عامة عن كيفية استعمار المغرب الأقصى من قبل فرنسا في بدايات القرن العشرين. ومنذ البداية يقول بما معناه: لقد دخل المغرب في نوع من الانحطاط والتدهور إبان النصف الثاني من القرن التاسع عشر ولم تعد السلطة المركزية أي ما يدعى هناك بالمخزن، قادرة على التحكم بكل أراضي البلاد وبخاصة تخومها البعيدة.

ولكن في عام 1900 صعد إلى سدة العرش السلطان مولاي عبد العزيز وكان أمياً جاهلاً بالثقافة والتربية لأنهم أهملوا تعليمه عندما كان صغيراً. ويبدو أنه كان مسحوراً بالمخترعات الأوروبية ولذلك اشترى كل أنواع الدراجات والسيارات والبيانو وأجهزة التصوير والألعاب الميكانيكية.

وهذا ما صدم شعبه كثيراً لأنه كان متديناً جداً ويعتبر هذه المخترعات بمثابة كفر من عمل الشيطان، وهكذا لم يعد شعبه يحبه كما في السابق وأخذت الهوة السحيقة تتسع بينه وبين رعيته، وهذا ما ساهم لاحقاً في إضعاف البلاد واستعمارها.

ثم يردف المؤلف قائلاً: هذا وقد انزعج المغاربة كثيراً من تحرش الفرنسيين بهم على الحدود الجزائرية بل واقتطاعهم لبعض أراضيهم هناك، وطالبوا باسترجاعها لأنهم لا يريدون أن يحصل للمغرب ما حصل للجزائر التي كانت قد احتلت منذ عام 1830 كما هو معروف، وقد فكر علي الدين في مدينة فاس بإعلان الجهاد على الفرنسيين ولكن السلطان تردد في قبول ذلك.

والواقع انه كان ضعيف الشخصية ومحاطاً بالمستشارين الأوروبيين الفاسدين أو المفسدين، فقد استطاعوا أن يرشوا كل حاشيته ويدخلوهم في اللعبة الفرنسية، يضاف إلى ذلك أن البنوك الفرنسية قدمت مبالغ ضخمة للسلطان عبد العزيز لأن المخزن كان خاوياً، وهكذا تراكمت عليهم الديون دون أن يدري بسبب سوء إدارته، وكان ذلك بمثابة مقدمة أو ذريعة لاحتلال البلاد لأنها عاجزة عن سد ديونها.

في تلك اللحظة سوف يدخل شخص في اللعبة، شخص ستكون له أهمية قصوى بالنسبة لتاريخ المغرب الحديث: إنه الجنرال ليوتي، ولكنه لم يكن قد أصبح جنرالاً مشهوراً بعد، كان لا يزال كولونيلاً في الجيش الفرنسي، ولكن كولونيلا من العيار الثقيل، وقد أحب افريقيا الشمالية بكل مناظرها وأضوائها وعطورها.

ومن كثرة حبه لتلك البلاد راح يتعلم العربية، وقد كتب مقالات رائعة وسابقة لأدائها بالنسبة لتلك الفترة، يقول مثلاً: هناك غضب عارم ولكن صامت في المغرب ضد فرنسا، وكيف يمكن ألا يكون العربي غاضباً وهو يرى الصحافة الفرنسية في الجزائر تتهمه بأبشع الاتهامات وتنعته بأسوأ النعوت؟

إنه لشيء عجيب أن يكون الفرنسيون متعجرفين إلى مثل هذا الحد، نقول ذلك وبخاصة انهم يزعمون المزاعم وينصبون أنفسهم حراساً على القيم العليا، ألم يقوموا بالثورة الفرنسية؟ ألم يكونوا أول من أصدر ذلك الإعلان الشهير عن حقوق الإنسان؟ ألم يرفعوا الشعار التالي: حرية، مساواة، إخاء؟

وعندما كان ليوتي يحتل منطقة ما وتخضع له القبائل فإنه كان يعاملها بكل أريحية وكرم، ولم يكن ينتقم من الذين حاربوه أو قاوموا جيشه وتصدوا له، على العكس كان يعاملهم بالحسنى ويستميلهم إليه، وهكذا استطاع أن يمرر مخططه الهادف ليس فقط إلى قمع التمرد على الحدود وإنما إلى استعمار البلد الآخر المجاور للجزائر: أي المغرب الأقصى.

وكان يستغل المنافسات الكائنة بين القبائل لضربها ببعضها البعض وإخضاعها كلها لسيطرته، وهكذا اتبع سياسة المبدأ الاستعماري الشهير: فرق تسد، ونجح فيها. وعندما كانت بعض القبائل تتصدى له وتقاومه كان يخضعها عن طريق القوة المسلحة، فماذا تستطيع السيوف أن تفعل أمام التكنولوجيا العسكرية الحديثة للجيش الفرنسي؟

ثم يردف المؤلف قائلاً: وهكذا راح ليوتي يحقق النجاحات تلو النجاحات، والانتصارات تلو الانتصارات في المغرب، وتحمس له الرأي العام الفرنسي آنذاك لأنه كان فخوراً بجيشه الذي يهزم الأعداء في تلك الأراضي البعيدة. وفي ذات الوقت اتفقت فرنسا وإيطاليا على اقتسام الشاطئ الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط، فلإيطاليا ليبيا وخزان، ولفرنسا المغرب الأقصى.

وفي ذات الوقت راحت ديون المغرب تتراكم أكثر فأكثر وراحت أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية تتدهور، فقد بلغت ديونه عام 1906 أكثر من مئتي مليون فرنك فرنسي، وهو مبلغ ضخم جداً بالنسبة لذلك الزمان ولا يستطيع بلد كالمغرب أن يتحمله.

ضمن هذه الظروف حصل احتلال مدينة وجدة القريبة من الحدود الجزائرية ثم مدينة الدار البيضاء، وأصبح الشعب المغربي يغلي غلياناً ضد سلطانه وحكامه الذين يتأخرون في إعلان الجهاد.

ولهذا السبب فإن الأخ الأكبر للسلطان عبد العزيز واسمه مولاي حفيظ راح يخطط لإسقاط أخيه واحتلال العرش محله، وهكذا أعلن عن نفسه كسلطان في مراكش عام 1907، ثم توجه إلى مكناس وفاس حيث استقبله السكان استقبالاً حافلاً لأنه كان تقياً ورعاً على عكس أخيه.

كما واحتفل به علماء فاس الذين يمثلون المشروعية الدينية العليا في البلاد. وقد تم خلع عبد العزيز عن العرش عن طريق إصدار علماء الدين لفتوى ضده. وهذه الفتوى تتهمه بأنه أصبح عميلاً لأعداء الله والدين وبالتالي فلا مشروعية له.

ولكن على الرغم من ذكاء السلطان الجديد مولاي حفيظ إلا أن الحالة المغربية كانت قد تدهورت كثيراً ولم يعد بالإمكان إيقاف تدهورها.

ولهذا السبب فإن الجيش الفرنسي راح يتقدم تدريجياً في الأراضي المغربية ويقضمها قطعة وراء قطعة حتى احتل البلاد كلها وعندئذ اضطر مولاي حفيظ إلى التخلي عن العرش عام 1912 والقبول بالاحتلال الفرنسي للبلاد. وهكذا اضطر إلى التوقيع على معاهدة الحماية الشهيرة التي جعلت من المغرب محمية فرنسية.

* الكتاب: استعمار المغرب

* الناشر: فرار ستروس جيرو - لندن، نيويورك 2006

* الصفحات: 335 صفحة من القطع الكبير

THE CONQUEST OF MOROCCO

DOUGLAS PORCH

FARRAR STRAUS GIROUX-LONDON,

NEW YORk 2006

P.335