مؤلف هذا الكتاب هو الباحث الألماني الأصل ولفغانغ سبيرليتش. وهو مختص بعلم الألسنيات الحديثة وبفكر نعوم تشومسكي على وجه الخصوص. ويقدم المؤلف هنا لمحة تاريخية عامة عن نشأة تشومسكي والتأثيرات الفكرية التي تعرض لها والانجازات التي حققها ليس فقط في مجال علم الالسنيات وانما أيضاً في مجال علم النفس والسياسة وميادين أخرى عديدة. يقول المؤلف بما معناه: ولد أفرام نعوم تشومسكي يوم 7 ديسمبر من عام 1928، وهذا يعني انه يبلغ الآن ثمانية وسبعين عاماً.
وقد ولد في مدينة فيلاديلفيا بولاية بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأميركية. هو الآن استاذ شرف متقاعد في أشهر مركز للبحوث العلمية الأميركية: أي معهد ماساتشوسيتس للتكنولوجيا. ولكنه في ذات الوقت مناضل سياسي عنيد ومعارض كبير لليمين الأميركي وبخاصة للرئيس الحالي جورج دبليو بوش. كما انه مؤسس لعلم جديد داخل الالسنيات العامة ولم يكن معروفاً سابقاً هو: علم النحو التوليدي والتحويلي.
وهو علم عويص جداً كبقية فروع الالسنيات. وهذا العلم يبحث عن البنى الفطرية أو الأساسية للغة الطبيعية: أي كيف يكتسب الطفل قواعد اللغة التي يولد فيها منذ الصغر ثم يستبطنها بشكل لا شعوري تقريباً. وتعتبر اكتشافات تشومسكي في هذا المجال من أهم الانجازات التي حققها علم الالسنيات في القرن العشرين.
والواقع ان نظريته تتجاوز حدود علم اللغة لكي تتداخل مع حدود علم النفس لأن الطفل يكتسب اللغة بكل قواعدها وتركيباتها ونحوها وصرفها بواسطة آليات سيكولوجية عميقة. وقد تأثر تشومسكي بأفكار علم الاستمولوجيا الأميركي الشهير: توماس كهن ومعلوم ان هذا العالم الكبير قال بأن النظريات العلمية تتوالى وراء بعضها البعض دون ان تكون هناك علاقة بينهما.
فالنظرية الجديدة تطيح بالنظرية القديمة وتلغيها، ثم تسود لفترة طويلة أو قصيرة قبل ان تظهر نظرية جديدة لكي تحل محلها، وهكذا دواليك. ثم يردف المؤلف قائلاً عن البنية التي ولد فيها تشومسكي: كان والده ويليام تشومسكي مختصاً باللغة العبرية القديمة لانه يهودي الأصل. ومعلوم ان والده كان في أوكرانيا ثم هاجر إلى اميركا لاحقا. وقد درس اللغة العبرية السائدة في المدينة الاوكرانية التي عاش فيها.
وأما أمه فكانت من روسيا البيضاء. ولكنها على عكس والده وصلت الى أميركا صغيرة ولهذا السبب فقد كانت تتكلم اللغة الانجليزية بطلاقة، بل بلهجة مدينة نيويورك ذاتها.
وكانت لغتهم الأولى هي «اليديش»: أي لغة يهود أوروبا الشرقية، ولكن تشومسكي صرح لاحقاً قائلاً: كان من المحرم علينا ان نتكلم هذه اللغة في البيت.. والواقع ان عائلته كانت تعيش آنذاك في نوع من الغيتو اليهودي.. وهو غيتو مقسوم الى قسمين: قسم يتكلم اليديش، وقسم يتكلم العبرية.. وبما ان ان عائلته كانت تعيش في القسم الثاني فقد كان يحرم عليهم ان يتكلموا إلا بالعبرية.
ولهذا السبب نشأ الصغير تشومسكي في جو مغموس بالآداب العبرانية. والغريب العجيب هو ان ذلك لم يمنعه لاحقاً من ان يكون أحد كبار منتقدي الصهيونية ودولة إسرائيل وسياسة الولايات المتحدة في المنطقة. والواقع انه كان يمضي مساء كل جمعة في قراءة التراث العبراني اليهودي وذلك أثناء طفولته. ولكن على الرغم من ذلك فإنه يعترف بأن اللغة الوحيدة التي يتكلمها بطلاقة حقاً هي: اللغة الانجليزية.
ثم ابتدأ نعوم تشومسكي بدراسة الفلسفة والعلوم اللغوية بدءاً من عام 1945، أي بعد البكالوريا. وفي عام 1949 تزوج من عالمة لغوية هي كارول شاتز وانجبت له ثلاثة أطفال: أفيفا 1957، وديانا 1960، وهاري 1967. ثم ناقش أطروحته في جامعة بنسلفانيا عام 1955 واصبح بعدئذ استاذاً في معهد ماساتشوسيتس للتكنولوجيا وذلك في قسم اللغات الحديثة والألسنيات.
ولكنه أصبح الآن يدعى: قسم الألسنيات والفلسفة. والواقع ان تشومسكي ليس عالماً باللغات فقط، وانما هو فيلسوف بالدرجة الأولى ومفكر سياسي كبير، ولولا ذلك لما نال كل هذه الشهرة العريضة. والبعض يعتبره أهم مفكر معاصر، بالإضافة الى الألماني هابرماس، وذلك لأن جميع الكبار في الغرب ماتوا من سارتر الى فوكو، الى ديلوز الى دريدا الى بورديو.
ثم يردف المؤلف قائلاً: ومنذ أواسط الستينات انخرط تشومسكي في العمل السياسي ولم يعد محصوراً في أبحاثه الأكاديمية أو الجامعية وأصبح أحد كبار المعارضين لحرب فيتنام. ونشر عندئذ كتاباً بعنوان: مسؤولية المثقفين. فالمثقف لا ينبغي ان يظل معزولاً في برجه العاجي، وانما ينبغي ان ينخرط في هموم عصره وقضاياه.
ومنذ ذلك الوقت ما انفك تشومسكي يدافع عن أفكاره السياسية اليسارية من خلال محاضراته العامة داخل أميركا وخارجها أو من خلال كتبه المتتالية. وقد اشتهر بنقده اللاذع للسياسة الخارجية الأميركية التي يعتبرها امبريالية ومعادية لحقوق الشعوب الفقيرة ولهذا السبب فإن أفكاره تجد لها صدى واسعاً في أوساط اليسار المتطرف، ولكنها مدانة في بقية الأوساط وتحاول الحكومة الأميركية عموماً تجاهلها أو تهميش صاحبها الى أقصى حد ممكن.
ثم يردف المؤلف قائلاً: في الواقع ان تشومسكي مثقف مشهور كفيلسوف وعالم كبير من جهة، وكمناضل سياسي عنيد من جهة أخرى. وبالتالي فقد جمع المجد من طرفيه ويمكن اعتباره بمثابة الرمز الأكبر على التيار الراديكالي اليساري في الولايات المتحدة.
وكان يقدم نفسه أحياناً كممثل للفلسفة الفوضوية التي تكره كل شكل من أشكال السلطة. ولكنه على عكس الفوضويين لا يرفض الانتخابات الديمقراطية. وهو يدعو الناخبين الأميركان للتصويت الى مرشحي الحزب الديمقراطي ضد مرشحي الحزب الجمهوري اليميني. ولكنه يفضل المرشحين الأكثر يسارية كمرشحي حزب الخضر الذين يدافعون عن البيئة وعن حقوق العمال والطبقات الشعبية الأكثر فقراً.
وقد حصل مؤخراً استطلاع للرأي العام عن أفضل الشخصيات السياسية في العالم فجاءاسم تشومسكي في المرتبة الرابعة بعد «الدالاي لاما» زعيم البوذيين، وبيل كلينتون الذي احتل المرتبة الثانية، ونيلسون مانديلا الذي احتل المرتبة الثالثة. وهذا دليل على شعبيته الواسعة ليس فقط في الغرب وإنما في العالم كله وبخاصة في العالم الثالث.
ويعتبر تشومسكي أحد الأصوات السياسية الكبرى الأكثر انتقاداً للسياسة الخارجية الأميركية وبخاصة سياسة الرئيس الحالي جورج دبليو بوش. ولكنه كان ضد ريغان أيضاً وبنفس القوة. وفيما يخص الإرهاب يعتبر تشومسكي أن أسبابه تعود إلى السياسة الظالمة للقوى العظمى وبخاصة سياسة الولايات المتحدة الأميركية.
وهو يبرر نقده لأميركا عن طريق القول بأن ذلك يخلع المشروعية على كلامه لانه ينتقد حكومته قبل أن ينتقد الآخرين.
وهنا تكمن وظيفة المثقفين الأحرار. فمن السهل أن تنتقد الآخرين البعيدين عنك ولكن من الصعب أن تنتقد نفسك أو حكومتك لأنها تستطيع أن تؤذيك أو تعاقبك إذا أرادت.
ولكنه ينتقد الحركات الأصولية المتطرفة بالطبع ويعتبرها لا أخلاقية بالمرة بل وخارجة على جوهر الدين أو مفهومه الصحيح.
يضاف إلى ذلك ان أميركا تستحق النقد لأنها القوة العظمى الوحيدة على سطح الأرض. ولكن تشومسكي لم يتردد في الماضي عن نقد الاتحاد السوفييتي أيضاً. وبالتالي فهو ينتقد الظلم أو الخطأ حيث يراه. يضاف إلى ذلك ان تشومسكي ينتقد بحدة ما يدعى بالعولمة.
فهو يرى انها عبارة عن رأسمالية متفاقمة ليس إلا. إنها تعني ان الشركات العابرة للقارات هي التي تتحكم بمصير العالم. فقد أصبحت هذه الشركات العملاقة التي تمتلك لها فروعاً في كل مناطق الأرض أكثر قوة وجبروتاً من الدول بما فيها الدول المهمة كفرنسا مثلاً وإيطاليا وليس فقط دول العالم الثالث. هكذا نلاحظ ان للرجل مواقف نقدية راديكالية من هيمنة الغرب على العالم.
وهو لا يتردد في إدانة السياسة الظالمة لإسرائيل ضد الفلسطينيين على الرغم من انه يهودي الأصل. وبالتالي فهو مثقف حر يقول كلمته ويمضي.
* الكتاب: نعوم تشومسكي
* الناشر: ريكيتون بوكس - نيويورك، لندن 2006
* الصفحات : 160 صفحة من القطع الكبير
NOAM CHOMSKY
WOLFGANG SPERLICH
REAKTION BOOK LONDON - NEW YORK 2006
P. 160
