مؤلف هذا الكتاب هو الباحث انطوني كيني أحد المختصين بتاريخ الفلسفة الغربية منذ البداية وحتى اليوم. وهو هنا يستعرض اللحظات الأساسية لهذه الفلسفة منذ سقراط وأفلاطون وأرسطو وحتى برتراند رسل وسواه من الفلاسفة المعاصرين. منذ البداية يقسم المؤلف تاريخ الفلسفة الأوروبية أو الغربية إلى عدة مراحل:
الفلسفة اليونانية والرومانية القديمة التي استمرت منذ القرن السادس قبل الميلاد حتى القرن الثالث للميلاد. ثم تلتها فلسفة القرون الوسطى التي استمرت منذ القرن الرابع بعد الميلاد وحتى القرن الرابع عشر أو الخامس عشر. ثم تلتها الفلسفة في عصر النهضة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر.
وبعدئذ تلتها الفلسفة الديكارتية في القرن السابع عشر، ثم فلسفة التنوير في القرن الثامن عشر، ثم الفلسفة الهيغلية في القرن التاسع عشر والفلسفة النيتشوية في أواخره، ثم فلسفة القرن العشرين على يد هيدغر، سارتر، فوكو، ديلوز.. فيما يخص الفلسفة القديمة يطرح المؤلف هذا السؤال: ما هي الأصول التاريخية للفلسفة؟
ويجيب عليه قائلاً بما معناه: يتفق المؤرخون على القول بأن الفلسفة ولدت في القرن السادس عشر قبل الميلاد في المدن الواقعة على بحر إيجة من كلا الطرفين. ففي ذلك الوقت استطاعت الفلسفة الإغريقية ان تنتقل بالبشرية من عهد الأسطورة والفكر الغيبي الى عهد الفكر العلمي والعقلاني.
ففي العهد السابق كان الناس يفسرون ظواهر الطبيعة عن طريق تدخل القوى الخارقة للطبيعة، ثم راحوا يفسرونها عن طريق الأسباب العقلانية بعد ظهور الفلسفة. وهكذا حصل تطابق بين الفلسفة والفكر المنطقي العقلاني. وفي البداية كانت الفلسفة إغريقية.
ثم يردف المؤلف قائلاً: لا أحد ينكر ان الفلسفة وجدت في الحضارات الشرقية كالصين والهند ولكن الفلسفة الإغريقية هي التي سيطرت على العالم القديم. نقول ذلك على الرغم من ان الفلسفة الإغريقية استفادت من سابقاتها وهضمت نظريات الفكر التي ظهرت في مصر وآسيا. ولكن الفلسفة الإغريقية هضمت هذه العناصر والنظريات وشكلت فلسفة جديدة لم تكن معروفة سابقاً.
وبالتالي فلا أحد يشك بأن الفلسفة هي بنت المدن الإغريقية. وقد وصل الأمر ببعضهم الى حد التحدث عن المعجزة الإغريقية سبب الأزدهار الكبير الذي حققه الإغريق في مجال العلم والفلسفة. فقد سبقوا جميع الأمم القديمة في هذا المجال.
ثم يردف المؤلف قائلاً: والواقع ان الفلسفة اليونانية استمرت منذ القرن السادس قبل الميلاد وحتى القرن الثالث بعد الميلاد: أي حوالي العشرة قرون. وقد انتهت بالفلسفة الأفلاطونية الجديدة لمفكر يدعى أفلوطين. بعدئذ قضت المسيحية على الفكر الفلسفي طيلة العصور الوسطى المظلمة بعد ان اتهمته بالوثنية والإلحاد،
وقد عبر هيغل عن إعجابه بالإغريق عندما قال في كتابه: «دروس عن فلسفة التاريخ» ما يلي: اتركوا للكنيسة المسيحية والتشريع القانوني انتماءهما للحضارة الرومانية الناطقة باللاتينية. أما الفلسفة فهي للإغريق. فهناك ظهر علم أكثر علواً ونبلاً هو العلم الفلسفي. وهو يضرب بجذوره عميقاً في الحياة الإغريقية لا في غيرها.. انتهى كلام هيغل.
ما الشيء الذي قدمته الفلسفة الإغريقية للعالم؟ العقل والعقلانية. ولكن ينبغي الاعتراف بأن الفكر الإغريقي لم يستطع التخلص من المناخ الأسطوري والغيبي إلا بعد جهد جهيد. فالأسطورة كانت تسيطر على وعي البشر آنذاك. وكانوا يفسرون كل شيء عن طريق تدخل الأبطال الأسطوريين في التاريخ.
ومن أوائل الفلاسفة يمكن أن نذكر فيثاغورث، وهيراقليطس، وديمقريطس، والسوفسطائيين، وذلك قبل أن يظهر مؤسس الفكر العقلاني المنطقي في التراث الأوروبي: سقراط. وعلى الرغم من انه لم يكتب حرفاً واحداً إلا أنه أسس الفلسفة بالمعنى العقلاني الذي نعرفه حالياً. وقد سجل تلميذه أفلاطون من جملة تلامذة آخرين بعض أفكاره كتابة. وبالتالي فنحن لا نعرف نظرياته إلا من خلال تلامذته لأنه لم يترك أثراً مكتوباً بعده.
ثم جاء بعده تلميذه أفلاطون، وجاء بعد هذا الأخير تلميذه أرسطو. وهؤلاء هم كبار الفلاسفة في العصور القديمة. وقد سيطروا على الفكر البشري عند العرب المسلمين، والأوروبيين المسيحيين طيلة قرون وقرون. ولم يحصل الانقلاب الفلسفي الكبير عليهم إلا في القرن السابع عشر عندما ظهر رينيه ديكارت. فهذا الرجل أحدث ثورة في تاريخ الفكر، ودشن الفلسفة الحديثة باعتراف الجميع. وأما قبله فكانت الفلسفة السكولائية، أي المدرسانية التكرارية والاجترارية هي السائدة.
وهي عبارة عن تركيبة توفيقية بين الديانة المسيحية وفلسفة أرسطو. ثم جاء ديكارت لكي يقوم بأكبر انقلاب على المعلم الأول أرسطو ويقدم للغرب كتابه المنهجي الجديد: مقال في المنهج. ثم يردف المؤلف قائلاً: وبعد ديكارت ظهر ثلاثة فلاسفة مهمون في القرن السابع عشر هم: مالبرانش، لايبنتز، سبينوزا. وهذا الأخير استخدم منهجية الشك الديكارتي من أجل نقد الأصولية اليهودية والمسيحية. ولذلك حاولوا اغتياله فعاش حياة السرية والعزلة طيلة حياته.
ثم ظهرت فلسفة الأنوار في القرن الثامن عشر. وكان أهم روادها فولتير، ديدرو، جان جاك روسو، البارون دولباك ... الخ، وكلهم اشتبكوا في معارك حامية مع الكنيسة المسيحية التي كانت مسيطرة على العقول آنذاك. وقد تحررت الفلسفة عندئذ من هيمنة اللاهوت المسيحي عليها وأصبحت مستقلة بذاتها. ومعروف أن الفلسفة كانت خادمة لعلم اللاهوت المسيحي طيلة العصور الوسطى، ولم تستطع التحرر من قيوده واصفاده إلا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر.
هذا وقد هيمن الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط على فلسفة التنوير وقدم للفكر الغربي أهم كتاب فلسفي في العصور الحديثة: نقد العقل الخالص. ويمكن القول بأن كانط هو أستاذ الغرب بعد ديكارت من الناحية العقلانية والمنهجية. فهذا الفيلسوف تحدث في كل شيء تقريباً: أي في العلم، والدين، والأخلاق، والسياسة. والبعض يقول بأنه أرهص بالعصور الحديثة واستبق عليها.
بل ويرى الكثيرون أن كل التقدم الحاصل في العالم سياسياً وقانونياً وأخلاقياً يعود إلى هذا الفيلسوف الفذ. ومعلوم أن الرئيس الأميركي ودرو ويلسون كان من تلامذته. وقد أسس عصبة الأمم التي أصبحت الأمم المتحدة لاحقاً بناء على قراءة أفكاره. فكتاب كانط الداعي إلى السلام الدائم بين الأمم هو الذي أسس العقلانية السياسية والدبلوماسية الدولية القائمة على مبادئ الحق والقانون لا على شريعة الغاب والذئاب.
ولكن للأسف فإن إدارة بوش بقيادة المحافظين الجدد خرجت على هذه المبادئ المثالية التي كانت تتبعها أميركا في عهد الرئيس الكبير ويلسون. ثم يردف المؤلف قائلاً: أما الفيلسوف الكبير الآخر الذي ظهر بعد كانط مباشرة فهو هيغل. فقد قدم للغرب المنهج الجدلي في التفكير. ولخص هيغل في شخصه كل معارف عصره إلى درجة أن المؤرخين شبهوه بأرسطو، بل وقالوا عنه بأنه أرسطو العصور الحديثة.
ويمكن القول بأن العقل الغربي بلغ ذروة اكتماله على يد كانط وهيغل وبقية مفكري الفلسفة المثالية الألمانية. وهي أعظم فلسفة ظهرت في العصور الحديثة. وذلك أنها استطاعت التوفيق بين العلم والإيمان، أو الفلسفة والدين. ثم لأنها قدمت تفسيراً عقلانياً مستنيراً للدين ،وفرقت بين جوهره وقشوره. هذا هو ملخص سريع لتاريخ الفلسفة الغربية منذ الإغريق وحتى هيغل.
ولكن الكتاب لا يتوقف عند هذا الأخير وإنما يتعرض أيضاً لكبار فلاسفة القرن العشرين في انجلترا وفرنسا وألمانيا.
* الكتاب: تاريخ مختصر ومزين بالصور التوضيحية للفلسفة الغربية
* الناشر: بلاك ويل بوبلشنغ
لندن، نيويورك 2006
* الصفحات: 400 صفحة من القطع الكبير
AN ILLUSTRATED BRIEF HSSTORY
OF WESTERN PHILOSOPHY
ANTHONY KENNY
BLACKWELL PUBLISHING - LONDON , NEW YORK 2006
P. 400
