مؤلفة هذا الكتاب هي الباحثة الفرنسية كريستين بيلتر الاستاذة في جامعة ستراسبورغ شمال شرق فرنسا. وهناك تشرف على إدارة معهد تاريخ الفن. وبما انها خريجة الآداب الكلاسيكية، فقد اشتغلت أولاً على رحلة الفنانين أو الرسامين الفرنسيين الذين سافروا الى اليونان في القرن التاسع عشر.

وأصدرت كتاباً بهذا الخصوص عام 1997، وكانت قد نشرت عدة كتب عن الاستشراق ولكن في مجال الفن فقط، لا الفكر ولا الدين ولا السياسة، وأصدرت بهذا الصدد كتاباً بعنوان:

«الرسامون الأوروبيون في الشرق إبان القرن التاسع عشر » 1995. ثم أصدرت كتابا آخر بعنوان: «المستشرقون «1997». وكذلك نشرت كتاباً بعنوان: «القاموس الثقافي للاستشراق 2003. وقد شاركت كريستين بيلتر في تنظيم عدة معارض فنية ضخمة في معهد العالم العربي بباريس، نذكر من بينها معرضاً بعنوان:

«ماتيس في المغرب الأقصى»، وآخر بعنوان «الأحصنة والفرسان العرب في الشرق والغرب»، وثالثاً بعنوان: «من ديلاكروا إلى رينوار: جزائر الرسامين»: أي كيف استلهم الرسامون الفرنسيون جمال الجزائر لرسم لوحات أخاذة.

وفي هذا الكتاب الجديد تستعرض المؤلفة تاريخ الفنانين الفرنسيين والأوروبيين الذين زاروا الشرق في القرن التاسع عشر والعشرين وتأثروا به واستلهموه من أجل رسم لوحاتهم الرائعة. ومنذ البداية تقول المؤلفة تحت عنوان: الأنا والآخر ما يلي :ان جاذبية الشرق بالنسبة للأوروبيين ليست حديثة العهد. فهي تعود الى زمن شارلمان وهارون الرشيد.

ولكن الاستشراق لم يبتدئ فعلاً إلا في القرن التاسع عشر حيث أصبحت الرحلات الى الشرق سهلة بفضل تطور وسائل النقل. ففي ذلك العصر ظهرت السفن التجارية وسكك الحديد أو القطارات وأصبح الفرنسي أو الألماني يصل الى الشرق في بضعة أيام بدلاً من بضعة شهور أو حتى سنوات.

وهناك يصطدم بالواقع الحي، وبالأدوات والأضواء والظلال. وعندئذ يرسم اللوحات الرائعة التي تخلد تلك اللحظة: أي لحظة لقاء الأنا الغربية بالواقع الشرقي وبالأنا الشرقية. وهذا اللقاء هو الذي ولد مئات الرسوم والصور الفوتوغرافية واللوحات الفنية التي تمتلئ بها متاحف العالم اليوم. نذكر من بينها لوحات الفنان الفرنسي الرومانطيقي الشهير ديلاكروا او لوحات الفنان المعاصر بول كلي أو غيرهما. وهناك لوحة رائعة تعود الى عام 1843 وهي بعنوان: «بازار في اسطنبول».

ثم تردف المؤلفة قائلة: معظم الكتاب والفنانين الفرنسيين سافروا الى الشرق من أجل ان يتعرفوا عليه ويمتعوا نظرهم بمشاهده الغريبة كلياً على حياة الغرب: كالصحراء، والنوق، والجمال، والأضواء الساطعة، والحياة الريفية أو الفلاحية البريئة، الخ. نذكر من بينهم الكاتب الكبير شاتوبريان، والروائي الشهير فلوبير صاحب مدام بوفاري، والشاعر الكبير جيرار دونيرفال، والشاعر الكبير الآخر لامارتين، الخ.

كلهم سافروا إلى الشرق، أي إلى أراضي الامبراطورية العثمانية في مصر، وسوريا، ولبنان، وفلسطين، وتركيا بالطبع واسطنبول عاصمة الامبراطورية. وكلهم سحروا بالشرق وأعجبوا به وانعكس كل ذلك في كتاباتهم وآدابهم.

ولكن بما ان المؤلفة تركز بشكل أساسي على الفنانين والرسامين فإن كتابها يمتلئ في كل صفحة تقريباً بالصور الرائعة أو اللوحات الأخاذة التي تصور الحياة الشرقية في دمشق، أو القاهرة أو الجزائر، أو طنجة، أو تونس، وبيروت، أو القدس، أو حيفا، أو يافا، الخ.. من أجمل اللوحات بالطبع لوحات الفنان الرومانطيقي الشهير ديلاكروا.

ومعلوم انه كان معاصراً لبودلير وفيكتور هيغو، نذكر من بينها لوحة بعنوان: القائد، أو الزعيم المغربي، حيث نراه ممتطياً حصانه وحوله جنوده وأتباعه وهم يرفعون العلم فوق رأسه. وقد رسمت اللوحة عام 1837: أي في النصف الأول من القرن التاسع عشر.

ثم تتحدث المؤلفة عن الاستشراق في مجالات أخرى غير الرسم والتصوير وتقول: بالطبع لا نستطيع أن نتحدث عن الشرق والاستشراق بدون ان نذكر الكتاب الشهير لادوارد سعيد. ومعلوم انه صدر لأول مرة بالانجليزية في أواخر السبعينات، وأثار ضجة واسعة في كافة الأوساط الثقافية من عربية وأوروبية وأميركية واشتعلت حول المناقشات الحامية بين مؤيد ومعارض.

ولكنه لم يتعرض لاستشراق الفنانين وانما فقط لاستشراق المفكرين والمختصين بالتراث العربي الاسلامي. ولا ريب في انه استطاع أن يربط بكل ذكاء وعبقرية بين الاستشراق السياسي والفتوحات الكولونيالية. او الاستعمارية. فقسم كبير من المستشرقين أو المختصين بالدراسات العربية والإسلامية كانوا اما موظفين مباشرة لدى الإدارة الاستعمارية واما مستشارون بشكل غير مباشر لديها.

ولكن هذا لا يعني أن جميع المستشرقين كانوا عملاء للاستعمار!

فالواقع أن الكثيرين منهم كانوا من نوعين بحب الفضول المعرفي إلى الاهتمام بالشرق وليس لأي سبب آخر. وقد اعترف أدوارد سعيد نفسه بذلك. ولكنه لام المستشرقين أكثر من اللزوم على تقديم صورة غير صحيحة عن الشرق إلى الجمهور الغربي. وهي صورة سلبية في معظم الأحيان. وقال انه شرق مصطنع: أي من صنع الغرب وليس شرقاً حقيقياً.

ولكن لحسن الحظ فإن المستشرقين من الرسامين لم يفعلوا ذلك بسبب بسيط: هو انهم صوروا ما شاهدوه بأم أعينهم ولم يخترعوا شرقاً آخر غير الذي رأوه. وعلى أية حال فإنه من المفيد ان يرى العربي أو الشرقي صورة بلاده في أعين الرسامين الفرنسيين أو الأوروبيين. فالنظرة الخارجية للأجانب قد تكشف لنا عن أشياء ما كنا نراها بسبب قربنا من أنفسنا.

وعلى أية حال فإن نظرة الآخر لنا نحن العرب أو المسلمين كلها سلبية. على العكس فقد تجعلنا نفهم أنفسنا بشكل أفضل مما كنا عليه قبلها. فالأنا لا تفهم جيداً الا من خلال نظرة الآخر، والعكس صحيح أيضاً. وبالتالي فلكي تفهم الشرق ينبغي أن تراه من خلال عين الغرب. ولكي تفهم الغرب جيداً ينبغي أن تراه من خلال عين الشرق أو الشرقيين الذين سافروا إليه كرفاعة الطهطاوي أو طه حسين وحتى نحن اليوم..

ونلاحظ أن هذا الكتاب الممتع المليء بالصور والرسوم واللوحات الأخاذة ينقسم إلى أقسام عدة. القسم الأول يتحدث عن جغرافيات الشرق: أي عن القسطنطينية والإمبراطورية العثمانية، وعن مصر، وإسبانيا أو الأندلس، وعن المغرب العربي من طنجة إلى تونس، بها وحتى عن الشرق البعيد أو الأقصى: أي الهند.

وكل بلد من هذه البلدان انعكست صورته في لوحات أو رسوم الفنانين الأوروبيين الذين زاروه على مدار القرون السابقة وبخاصة القرن التاسع عشر. أما القسم الثاني من الكتاب فيتحدث عن الشرق في مرآة تاريخ الفن. هذا في حين أن القسم الثالث مكرس للقراءات الغربية للشرق: أي كيف فهم الفنانون والمثقفون الأوروبيون الشرق. وأما القسم الثالث والأخير فيتحدث عن الحداثة في الشرق، وعن حوار الشرق والغرب، وعن أشياء أخرى عديدة ممتعة وتشغل العالم كله حالياً.

* الكتاب: استشراق في الفن

* الناشر: تيرايل ـ باريس 2006

* الصفحات: 253 صفحة من القطع الكبير

ORIENTALISME IN ART

CHRISTINE PELTRE

TERRAIL - PARIS 2006

P. 253