يحقق الروائي الأميركي ستيفن هاريغان انعطافة حادة في روايته الجديدة «تشالنجر بارك» بالمقارنة بروايته التي احتلت الصدارة طويلاً في قائمة أفضل الكتب مبيعا «بوابات ألامو»، فالرواية الجديدة تدور حول المغزى الجوهري لما يعنيه الانطلاق إلى الفضاء من منظور رواد الفضاء اليوم. تنعقد بطولة الرواية، بامتياز، لشخصية لوسي كينتشلو، وهي رائدة فضاء متزوجة من رجل فضاء وأم لطفلين وتعيش على آفاق طموح محتدم إلى التميز في إطار برنامج الفضاء.

لكنها ليست وحدها في مركز الرواية، وإنما هناك زوجها برايان، الذي يبدو لنا أن أحلامه بالمجد ليست على القدر ذاته من العنفوان الذي نجده عند زوجته، وهناك أيضاً والت وماك قائد فريق التدريب الذي يعد لوسي للانطلاق في رحلتها الأولى على متن مكوك الفضاء.

يبدو لنا واضحاً أن لوسي قد كرست سنوات من عمرها لجهد مكثف ومركز لتحصل على مكانها في رحلة فضائية، ولكن عندما يتحقق حلم حياتي في الانطلاق في مهمة فضائية، فإن عالم أسرتها يبدو كما لو كان يتداعى متناثراً من حولها، فزواجها يوشك على التحطم، وابنها المصاب بالربو تتردى صحته كل يوم، وتقترب صلتها بوالت وماك من الحميمية على نحو خطر،

وعندما تجد نفسها أخيراً في الفضاء على بعد 240 ميلاً من الأرض، وتجعل حادثة يتعرض لها المكوك العالم الذي خلفته وراءها يبدو نائياً على نحو رهيب، وينذر بأنه قد لا يكون هناك سبيل إلى الوصول إليه، فإنها تتعرض لاختبار صارم لم يكن قد خطر على بالها يوماً.

إننا نعلم أن هاريغان على امتداد صفحات «بوابات ألامو» قد أعاد إلى الحياة بمزيد من الحيوية والتدفق أجواء تكساس في القرن التاسع عشر، لكنه في «تشالنجر بارك» يحقق الانجاز نفسه، ولكن في عالم مختلف، هو عالم التحليق إلى الفضاء، بكل ما فيه من مخاطر وصداقات وتدريب وطقوس وتحديات ينغمس فيها رواد الفضاء ومن يعملون معهم.

وربما كان أقوى ما في رواية هاريغان الجديدة هو أنها تلقى الضوء على عناصر الجذب المتناقضة الصادرة عن البيت والمغامرة، الواقع والأحلام، وعن التجربة التي تستعصي على التصور والأفراح، والمخاطر والانكشافات المندرجة في صميم الارتحال إلى الفضاء. ولم يكن من الممكن أن يمر عمل ابداعي على هذا القدر من الطموح من دون التفات مفعم بالحماس من جانب الكثيرين إليه.

هكذا فإننا نجد الناقد توماس مالون، يقول في عرض مطول للرواية على صفحات «نيويورك تايمز» إن: «رواية تشالنجر بارك هي انجاز بديع يستغرق الذهن في رحلة للتأمل، وربما كانت أفضل رواية علمية عن عوالم هيوستون وكيب كانافيرال الفضائية في قرابة نصف قرن، منذ اختيار رواد الفضاء الأوائل».

وبدوره يقول رون تشارلز في صحيفة «واشنطن بوست» إن: «توصيفات هاريغان للانطلاق في الرحلات الفضائية والتدريب على هذه الرحلات توحي لنا بأن بمقدوره أن يقود المكوك بنفسه إلى الفضاء. ولكن الأكثر تأثيراً في نهاية المطاف هو معرفته بالمشاعر المتصارعة التي تدور في أعماق امرأة تكافح للبروز في المسائل التي تعنيها أكثر من غيرها».

الواقع أن هذا التركيز على شخصية لوسي لم يأت من فضاء، فها هي امرأة تختار أن تترك زوجها وطفلها للرحيل إلى مكان معتم ومجهول كالموت. ولكن لماذا القبول بخيار كهذا؟ إن رد لوسي عن علامة الاستفهام هذه ربما لن يرضي الجميع، لكنه يقدم لنا استكشافاً لعالمها.

وفي مجلة «ببلشرز ويكلي» المتخصصة نلمح خطا نقدياً آخر، لا يفتقر إلى الصرامة، ذلك أن محرريها يرون أن رواية «تشالنجر بارك» لا يمكن إلا أن تعد رواية ضعيفة اذا وضعت موضع المقارنة مع سابقتها «بوابات ألامو» فهي تحاول أن تصف الحياة اليومية لرواد الفضاء وما يموج به عالمهم من مشاعر ومخاوف، ولكنها تترك هذا كله لتنحاز إلى جانب الرومانسية الغارقة في المبالغة.

ولا يتردد محررو المجلة في المضي بخطهم الهجومي هذا على الرواية إلى حد القول إن جعل عالم الفضاء مضجراً هو انجاز مشكوك فيه، ولا شيء مما تضمه دفتا الكتاب يمكن أن يقترب من آفاق التراجيديا.

وهم يعربون عن رأيهم هذا صراحة بالاشارة إلى أن أحداث الرواية تقع قبل عامين من كارثة عام 2003 التي تعرض لها برنامج مكوك الفضاء، وشخصية معلمة الفضاء كريستا ماكوليف تهيمن على العمل كله، لكن الخيال هنا يعجز عن التحليق إلى مستوى الواقع.

لكن مجلة «لايبرري جورنال» المتخصصة أيضاً لها رأي آخر، حيث لا يتردد محرروها في الإعراب عن اعتقادهم بأن الروائي أفلح في رسم صورة ديناميكية وحميمية للصعوبات والتضحيات التي يقتضيها استكشاف الفضاء. وهم يرون أن «تشالنجر بارك» رواية حميمة وقريبة من قلب القارئ، يفلح هاريغان في اطارها في التوصل إلى توازن دقيق بين الحب والعائلة والرغبة في الوصول إلى تصور تحت تأثير فقدان الجاذبية يوازي عشق أميركا للرحيل إلى الفضاء.

وفي مجلة «كيركوس» نلمح إشارة إلى أن كل ما يتعلق بهذه الرواية لا يمكن إلا أن يكون جيداً، لكن ايقاعها في بعض المواضع يكاد يقترب من الحركة البطيئة، وأن العمل يفتقر إلى الكثافة والزخم اللذين ميزا تقليديا الروايات التي تدور حول الرحيل إلى الفضاء.

هكذا فإننا، في واقع الأمر، نرصد ردود أفعال متباينة حول رواية هاريغان، وربما كان ذلك يرجع في أحد أبعاده إلى أن الرواية هي وليدة ذلك اللقاء الصعب والمراوغ بين المواد البحثية والمعلومات الدقيقة الضرورية في حالة كتابة رواية عن الرحيل إلى الفضاء وبين الخيال المحلق الذي يرصد أناساً عاديين في مواجهتهم لعالم الفضاء المعقد هذا، فعلى الرغم من أن طموحهم يدفعهم إلى المجهول والمخاطرة، إلا أنهم ـ في نهاية المطاف ـ أناس عاديون ولهم حياتهم واهتماماتهم، وهم يرغبون في أن يعيشوا هذه الحياة كأفضل ما يمكنهم.

ربما لهذا، بالضبط، فإن هاريغان نفسه لن يتردد في أن يقول عن روايته إنها كتاب كان عليه أن يجعله متركزاً على الجاذبية بأكثر مما هو متركز على انعدامها، ومنصباً على المسؤوليات العادية وغير المميزة بأكثر مما هو منصب على الأحلام المحلقة.

ولا يتردد باتريك بيتش في عرضه الكتاب في مطبوعة «أميركان ستيتسمان» في القول إن هذه الرواية تعد عملاً رائعاً حتى بمعايير هاريغان نفسه، حيث تعكس تعاطفاً واضحاً مع شخصياتها واقترابا ذكيا من عالمهم، الأمر الذي يجعل الرواية أفضل عمل ابداعي يدور حول «ناسا» منذ رواية «أحلم بجيني».

وأياً كان المنظور الذي يتبناه القارئ في التعامل مع هذه الرواية، فإنها في أحد أبعادها تظل في نهاية المطاف عملاً يركز على الحب، الحب الاستحواذى المتعلق بمهنة ارتياد الفضاء، وحب الأم لأبنائها الذي يظل فائقاً أيا كان موقعها ومكانها وظروفها، والحب الرومانسي أيا كانت ضراوة الظروف التي تعترض مسيرته.

هكذا نجد أنفسنا في النهاية أمام عمل مفعم بالصور البارعة، القادرة على استقطابنا وبالعلاقات الإنسانية التي تستدرجنا إلى التعمق في تشابكاتها ودهاليزها وأيضاً بمنعطفات الطموح التي تجسد لحظات التمزق بين ما يتطلع إليه الإنسان وبين ما هو أقرب إلى طبيعته.

على الرغم من الإشارة إلى البطء في بعض مواضع الرواية إلا أن القارئ، في نهاية المطاف، أمام رواية تروي على نحو جيد، وبإيقاع يدخل الشعور بالرضا في النفس، وتستند إلى حبكة ذات انعطافات شديدة الجاذبية، تجعل القارئ يتابعها بالاهتمام نفسه حتى سطورها الأخيرة.

لحظة تأمل

«ظنت أن أمامها فرصة لعبور الإشارة الضوئية عند تقاطع طريق ناسا رقم واحد وجادة مركز الفضاء، لكن سائق السيارة المنطلق أمامها تمهل في سيره على نحو يدفع للجنون، فيما كان يرد على هاتفه النقال، والآن هو ذا قد توقف تماماً بينما كان السهم الذي يشير إلى الانعطاف لا يزال أصفر اللون.

كانت تدرك تمام الإدراك إمكانية تعرضها للإحباط المفعم بالذعر. وكانت لوسي كينتشيلو تحرص على أن تذكر نفسها بأنه ليس هناك ما يدعو للعجلة، فضوء الإشارة يتغير بعد دقيقتين على أقصى تقدير، وقد كان الصوت المألوف الذي تناهى عبر الهاتف هادئاً، وقد قامت لوسي نفسها بهذه الرحلة أربع مرات هذا العام.

وتدربت على ما يكفي من حالات الطوارئ لكي تعرف أنه تحت كل نوع من أنواع القلق المحتدم تقريباً يكمن جيب من الهدوء، فراغ صغير كامل تستقر فيه الخواطر والأفعال صافية وناعمة، وكان بمقدورها أن تجد ذلك الموضع إذا احتاجت إلى ذلك، ولكنها في الوقت الراهن أحكمت قبضتها على مقود السيارة فحسب، ثم حدقت في تأمل في شعار سيارة الكرايسلر المتوقفة أمامها كما لو كانت نوعاً من الرمز الطقوسي».

مقتطف من رواية تشالنجر بار

* الكتاب: تشالنجر بارك

* الناشر: نوف ـ نيويورك 2006

* الصفحات: 416 صفحة

Challenger park

Stephen harrigan

A.knpf - n.y 2006

p. 416