المستعرب الفنلندي جورج أوغست فلين الملقّب بـ «عبدالولي» يعتبر من أكثر المستشرقين الاسكندنافيين شهرة، وقد ولد عام 1811م وتابع حياته ودراسته في هلسنكي، حيث درَس اللغات الشرقية واللغة العربية وحضارتها بشكل خاص، فكتب أطروحته الأولى «مقارنات في العربية بين الفصحى والعامية» التي نوقشت عام 1839م، لينتقل بعدها إلى جامعة بطرسبرج في روسيا ويقيم فيها سنتين ليتعمّق في دراسة العربية وخصوصاً الشعر العربي ومقامات الحريري وألف ليلة وليلة.
ويؤكّد مقدِّم الطبعة العربية د.فاروق أبو شقرا أستاذ الدراسات العربية بجامعة هلسنكي، أنّ حبّ الاستطلاع ومعرفة المزيد عن نمط الحياة في الجزيرة العربية والإسلام، كان من بين الأسباب التي شجّعت «فلين» على ترك بلاده فنلندا رغم مخاطر السفر آنذاك، وخاصة في الصحراء، ودون توفّر أيّ من أسباب الراحة، وتحت وطأة الشمس الحارقة، ولدغ الحشرات، حين كانت وسيلة التنقّل الوحيدة، مقتصرة على الجمل أو الحمار، وإلاّ فالسير على الأقدام.
وقد غادر «فلين» هلسنكي إلى القاهرة ووصلها عام 1844 ليغادرها بعد سنة عبر شبه جزيرة سيناء ماراً بصحراء الجوف، ليصل بعد أربعة أشهر إلى مكّة المكرمة ويؤدّي مراسم الحج، كما طاف مع الحجّاج وأقام الصلاة ولقّب نفسه ب«الحاج عبدالولي»، لتبدأ بعدها رحلاته باتجاه فلسطين والشاطئ الغربي للجزيرة العربية، ومنها إلى دمشق وبيروت، ثم العودة إلى الاسكندرية فالقاهرة فهلسنكي ليحصل على جائزة «الجمعية الملكية الجغرافية» عام 1850، كأحد أوائل الأوربيين الذين اجتازوا شمالي الجزيرة العربية.
وقد اعتبر مُراجِع الكتاب يوسف إبراهيم يزبك أنّ هذه الدراسة قيّمة ومنصفة عن شمالي جزيرة العرب، وذلك لأن الشيخ عبدالولي اتّبع في دراسته نهجاً علمياً فرجع إلى المخطوطات العربية القديمة التي تُعدّ من الينابيع في معرفة تاريخنا وجغرافيتنا، وقرأها بإمعان، وإلى ذلك فإنه أحبّ أهل الجوف وأثنى على كرمهم وسجاياهم، وكتب أكمل وصف عن منطقتهم، وكذلك قدّر قبيلة الحويطات فعني بالبحث عن أهلها، وباح بإعجابه بقبيلة عنزة.
ويشير المراجع إلى أن أُمنية الشيخ عبدالولي كانت في أن يواصل السفر إلى الرياض إلاّ أنّ المال كان ينقصه بالإضافة إلى بعض المشكلات التي صادفته، فقطع رحلته ورجع إلى وطنه، ليتم تعيينه أستاذاً للغات الشرقية وتوفي عام 1852م عن إحدى وأربعين سنة.
رحلاته:
في العام 1945 يذكر الرحّالة أنه استأجر دليلين من قبيلة «حيوي» ليرافقاه من القاهرة إلى العقبة التي قرر الانطلاق منها عبر جبال الشراة في فلسطين، نحو مدينة الجوف متّبعاً طريق التجار إلى الهند، وفي هذا الصدد سوف يشير إلى أن حركة المواصلات مع السويس كانت تشهد نشاطاً لافتاً بسبب نمو التجارة مع الهند، وأنّ المسافر كان يرى القوافل ذاهبة وآيبة ليلاً نهاراً مؤمنة اتّصالاً مستمراً وزاهراً بين أوروبا وآسيا.
وإلى ذلك فإنه في هذه الرحلة اعتمد أسلوب اليوميات لتدوين مشاهداته بدءاً من 16 أبريل ذاكراً الكثير من التفاصيل الجغرافية المهمّة بالإضافة إلى حركة التجارة والصناعة والعادات والتقاليد في المدن والقرى والبوادي التي يمرّ بها، ومن ذلك أنه عندما وصل مدينة الجوف، ذكر الكثير من هذه التفاصيل، ومنها أن بلدة الجوف يعدّها السوريون أول محلّة في نجد،
ولذلك يطلقون عليها «باب نجد»، أما النجديون فيعدوّنها في سوريا، وتتألّف البلدة من اثني عشر حيّاً تسمّى أسواقاً، وينتسب سكانها إلى قرى وقبائل مختلفة. وتسودهم العادات والطباع والملامح السورية، كما تغلب الهندسة السورية على منازلهم، وهم إلى ذلك يدفعون الزكاة لزعيم شمر، وكلّ حي (سوق) يدفع «خوّة» لشيخ، أو لعدة شيوخ من البدو، وهي في الغالب كمية معينة من التمر. والقبائل التي تستوفيها الدراسة هي الشرارات والرولة من عنزة والنايف والشعلان، وهما بطنان من الرولة عظيمان، يعيشان أغلب أيام السنة في حوران.
أما بالنسبة لصلتها بالعالم الذي حولها، فيذكر المؤلّف أن الطريق إلى الرياض من الجوف تمرّ عبر جبل شمر والقصيم، ويحتاج قطعها إلى نحو اثني عشر يوماً، وإلى الشمال الشرقي منها وعلى بعد إحدى عشرة ساعة بلدة سكاكا وفيها أربعة أحياء. وعلى هذا النمط من الكتابة سوف يتابع رحلته في الجزيرة العربية معتمداً في توثيق معلوماته على المراجع والمصادر العربية التي تطرّقت لمسمّيات بعض الأماكن وتاريخها، ومن ذلك على سبيل المثال: معجم البلدان لياقوت الحموي وبعض كتابات المستشرقين الذين ألّفوا في تاريخ العرب والإسلام.
أما رحلة 1848م فقد انطلق فيها من القاهرة إلى السويس على طول الساحل الغربي لشبه جزيرة سيناء حيث وصل إلى مرفأ الطور بعد ثمانية أيام، ولينطلق بعدها إلى الشَرْم على طول ساحل شبه الجزيرة الجنوبي فيقول: «وبعد مسيرة يومين ونصف اليوم وصلت إلى الشَرْم وعرفت من الصيادين فيها أن جميع مراكب الصيد في هذه الضفّة قد أقلعت إلى المويلح في الضفّة الأخرى، حيث وصلت قوافل الحجّ المصري العائدة، إلاّ مركباً يتوقّع وصوله من الضفّة المصرية ناقلاً مؤناً».
أما بالنسبة للتسمية «الشَرْم» فيقول: إنّ العرب هنا يطلقون اسم الشَرْم على كامل البقعة الممتدة من رأس محمّد إلى محلة غير محكمة التحديد في الشمال من وادي مُراري. ومن المُحتمل أن إطلاق هذا الاسم على البقعة سببه تضاريس الساحل العديدة لأن كلمة الشَرم تعني الشقّ.
ومنها سينتقل إلى المُوَيلح وهي بتعبيره بلدة من أعمال حكومة مصر على طريق الحج، وفيها حامية عسكرية وسكّانها تجار صغار بالإضافة إلى مجموعة من العائلات البدوية يكتفون بأكواخ مؤقتة تدعى بكاكير مصنوعة من الجريد ومسقوفة بالخوص. ليبدأ في تأريخ رحلته يوماً بيوم واصفاً ما يشاهده ومؤكّداً معلوماته من خلال المصادر العربية المشهورة،
وعلى سبيل المثال يكتب: «ويذكر صاحب (أوضح المسالك) أن مَدْيَن مدينة مندثرة في الحجاز تقع على شاطئ البحر الأحمر مقابل تبوك وعلى ستة أميال منها. وفيها بالإضافة إلى عين ماء جار البئر التي أعطاها سيدنا موسى في سالف الأزمان لقطعان شعيب لتشرب منها».
ويذكر ابن إياس في «نشق الأزهار» أن تبوك بلدة غناء فيها نخيل وحقول ذرة وقلعة منيعة. وأن الرسول، صلى الله عليه وسلم، غزا سكانها وقهرهم. ويذكر ابن الأثير في «تحفة العجائب» أن القبائل المذكورة تقيم بين تبوك ووادي القرى وأيلة. وليس هناك الآن على حد علمي قبيلة تحمل اسم «لَخْم» ولكني أعتقد أن قبيلة الشرارات المستضعفة المنتشرة في أماكن عديدة يجوز عدها من سلالة «لَخمْ».
وعلى هذا النحو من التوثيق سيواصل الرحّالة تدوين مشاهداته حتى يصل منطقة نجد حيث يذكر قبائل شمر وأنهم يخضعون لابن الرشيد زعيم شيوخهم، ويعرّفه بأنه وهّابي المذهب، يحارب باسم ابن سعود إمام نجد وحاكمه، والشمّر بتعبيره، مثل جميع الوهابيين يتبعون في حكمهم الشريعة الإسلامية أكثر من اتباعهم نظام الصحراء العرفي.
أما بالنسبة لتيماء فيذكر أن العرب جميعاً يعدّونها اليوم من نجد، ويجوز عدّها واحدة من مدن حدوده الغربية، والقسم الأكبر من بساتينها ترويه بئر غزيرة المياه أما الجنائن البعيدة فترويها الآبار المجاورة لها. والوسيلة المستعملة في رفع المياه وجرها في قنوات للريّ هي عينها المستعملة في بلاد ما بين النهرين، دلو من جلد الجمل تتدلى من طرف رافعة طويلة، أما الناعورة التي تستعمل في مصر فلا أثر لها هنا.
أما بالنسبة لأوضاع السكان فيذكر الرحالة أن أكثر البدو المقيمين في جوار تيماء من قبيلة عنزة وأعظم بطونها: الفقراء، ولد علي، ولد سليمان، والبِشر. ويقيم «الفقراء» بين الحجر وتبوك وخيبر وتيماء، وفخذهم الرئيس بنو وهاب. ويقيم ولد علي وولد سليمان في الأجزاء الجنوبية من النفوذ إلى الشرق من تيماء. أما البِشر، والعواجي فخذهم الرئيس، فمنتشرون في النفوذ شرقاً حتى القصيم في الأراضي المغطاة بالحصى التي تلي النفوذ.
وبنو شمر عادة يفضّلون الأجزاء الشرقية والبقاع القريبة من العراق حيث كانوا ينزحون في القرن الماضي بطناً بعد بطن وأسرة بعد أسرة، ومن الصعب تحديد مناطق البطون المختلفة لأنّ هذه البطون تعيش في صداقة وتخالط وتنزل أحياناً في مكان واحد. وفي ختام الرحلة يتّجه الرحّالة إلى بغداد على الطريق التي يتبعها الحجّاج في قوافل الكوفة من مشهد علي إلى مكّة، وبذلك تنتهي رحلته.
عزت عمر
* الكتاب: صور من الجزيرة العربي
* ترجمة: سمير سليم شبلي
* الصفحات: 282 صفحة من القطع المتوسط
