برواية فريدريك برونكيل وفريدريك كوديرك كتب جوزيف سعادة سيرته. وسعادة، كما هو معروف، منفذ مجزرة السبت الأسود (6 ديسمبر 1975)، التي ذهب ضحيتها عشرات الضحايا، والتي شكّلت ما يشبه التاريخ الرسمي الثاني للحرب الأهلية اللبنانية، بعد حادثة بوسطة عين الرمّانة.
بعد هجرة عائلته من قريتها الكسروانية، واستقرارها في درعا، جنوب سوريا، ولد جوزيف سعادة عام 1929 (يرد خطأ في الكتاب أن درعا هي المنطقة الدرزية من حوران، في حين أنها المنطقة السنّية، لأن السويداء هي معقل الدروز هناك).
التحق أبوه بالقوات الفرنسية في السويداء، وابتنى هناك صالة سينما، ومطعماً كبيراً ومتجراً لبيع الألبسة والأحذية، قبل أن يهرب وعائلته إلى دمشق، إبان اندلاع الثورة في جبل الدروز.بسبب مشاركته العابرة في نهب مبنى الأمن العام، أثناء قصف دمشق، وتالياً اتهامه بالعمالة، دخل الفتى جوزيف السجن.
وفي هذا الصدد نستطيع القبض على تفتح بواكير الانتقام وإلحاح الثأر لديه: عندما حلّ رمضان، فتحوّل السجناء فجأة إلى مؤمنين متمسكين بأهداب الدين، كان جوزيف المسيحي الوحيد بينهم. وبسبب من «مسيحية» معدته، التي أذاقته الأمرّين، شرع في الأكل أمامهم. إذ ذاك تقدّم منه زعيم الزنزانة راكلاً وعاء طعامه. «من ذلك اليوم بات لأيامي في السجن معنى وغاية:
أن أغسل العار الذي لحق بي، وأن أنتقم». جوزيف، الذي كتَّف زعيم الزنزانة، واستعرضه أمام المساجين، بعدما قبض عليه وهو يأكل سرّاً في الحمّام، أنهى طفولته بصفعة من أبيه إثر خروجه من السجن. ترتيب الحياة على وجبات العنف، جعل للعنف أمومة تسهر على توضيب مراحل حياته. إن لم نقل جعل منه عدّاداً يقيس المسافة التي قطعتها حياته الفتية.
سعادة، الذي تدرّجت به مراحل الحياة ورتبها، من المندوب الوحيد للاتحاد العالمي للدرّاجات في الشرق الأدنى، إلى مسؤول ألعاب القوى في اللجنة الأولمبية اللبنانية، إلى أسرة تحرير جريدة «لوريان لوجور»... كان من مناصري القضية الفلسطينية، وكان الداخل إلى مكتبه يقع على صورة لجورج حبش، رائد عمليات خطف الطائرات. لكن توالي الأحداث والاشتباكات بين الفدائيين من جهة، والجيش والأمن الداخلي من جهة أخرى، من ثم توقيع اتفاق القاهرة، نقل سعادة إلى الضفة المقابلة.
يوم 13 أبريل 1975، الذي دخل التاريخ على متن بوسطة، كان البداية الرسمية للحرب اللبنانية: احتفالان، أول كتائبيّ لتدشين كنيسة، وثانٍ فلسطيني لتأبين شهداء. اختلفوا على المسؤولية عن الحادث، واتفقوا على عدد القتلى: 31.
كان ابنا جوزيف سعادة، في تلك الأيام، عضوين في النادي اللبناني للسيارات: أثناء عبوره طريق بسكنتا ـ ترشيش ـ زحلة قُتل ابنه الأكبر إيلي ورفاقه، وتمّ تقطيع جثثهم. الحقد مؤاخياً الوجع، هذا ما كانت عليه حال جوزيف: «كان الوجع يقتلني، لكن الحقد كان يحييني».
في سبيل الانتقام لأخيه، التحق رولان بفرقة ال«بي جين» (نسبة إلى الحرفين الأولين من اسم رئيس حزب الكتائب بيار الجميل). بينما كان الأب لا يتوانى عن الترديد أثناء الجنازة: «إنه السباق الأخير، السباق ذو المراحل الثلاث، إنه الرالي الأخير». هكذا بدأ جوزيف سباق الخطف والقتل في سبيل الانتقام لولده.
لكن الحرب اعترضت «الرالي» في منتصف الطريق: خُطف رولان مع أربعة من رفاقه ال«بي جين» على طريق برمانا، من جهة تل الزعتر: المطلوب إذاً خطف ما تيسّر من أبناء الشيعة لمبادلتهم بالأولاد (كان هذا النوع من الخطف يسمّى «الخطف الأمني»، الغاية منه توفير مخطوفين برسم عمليات التبادل).
يقول سعادة :«جاءني أحد الشبان بقميص رولان المضرج بالدم. حملته ورقصت بي رجلاي رقصة موت. وكان ما كان من أمر المخطوفين المحتجزين لدينا، وكان السبت الأسود». بهذه الكلمات القليلة يصف جوزيف سعادة، الذي ذاع صيته في بيروت تحت اسم السفّاح، المجزرة التي حيّر عدد ضحاياها المراسلين الصحافيين، فقال بعضهم مئة قتيل و350 مخطوفاً، بينما أحصى آخرون مئتي قتيل و500 مخطوف.
ما إن سرى خبر المقتلة حتى تحوّلت بيروت إلى ملحمة عملاقة: ذبح على الهوية، حواجز خطف وخطف مضاد... كانت روائح البارود والدخان أضعف من أن تغطي على رائحة الجثث المتجيّفة بالعشرات. وحين لم يتسع خيال مراسلي الصحافة الأجنبية لمسّ الجنون هذا، انكبّوا يحاولون إيجاد أسباب تفسّره، من مثل التقارب السوري ـ الكتائبي. لكن سعادة يردّ بالآتي: «السبت سبتي وانتقامي ـ انتقامي الناقص». ولكي يتم انتقامه لا بدّ من معرفة من هم قتلة رولان.
في تلك الأثناء تولى جوزيف الشعبة الرابعة المسؤولة عن التموين في الجهاز العسكري ل«القوات اللبنانية»، وإلى أن يتوصل إلى معرفة قتلة ابنه، يأخذنا إلى أحداث مجزرة الكرنتينا، ونهب المرفأ، شارحاً «الآلية» التي كان يتبعها في سبيل «تعتيق» حقده: «حدّقت بالجثث، ملأت عينيّ منها لئلا أنسى».
مخيم تل الزعتر، الذي كان يبعد كيلومترين عن بيته، أو بلغة الحرب: على مرمى رشاش، هو معقل قتلة رولان، الذين كانوا أعضاء في «الجبهة الشعبية» و«فتح». كان لا بد لجوزيف إذاً من انتظار النسر السوري ذي الرأسين كي يطلّ بمنقاره المعقوف، حتى تبدأ حرب المخيمات، والهجوم على تل الزعتر.
يروي سعادة بالتفصيل ظروف سقوط هذا المخيم، وعدد القذائف التي سقطت، وعدد الجرحى والقتلى، والمجزرة التي أعقبت سقوطه في 13 اغسطس 1976، والتي كتب عنها مراسل صحيفة «ستامبا» الإيطالية: «قتل أحد رجال الميليشيات رضيعاً بين ذراعَي والده صارخاً: أريد أن أتذوق الدم الفلسطيني. رأيت أطفالاً يضربون رؤوسهم بالحيطان صارخين بأنهم فقدوا أهلهم جميعاً».
عندما استطاع جوزيف القبض على قتلة ابنه الثلاثة كان هاجسه الأوحد يدور حول الطريقة الأنجع لشكل قتلهم وتبريد ثأره: من المستشفى استحصل على صور فوتوغرافية تبيّن تفاصيل التشوهات التي لحقت بابنه رولان: «كل مساء كنت أبسط هذه الصور أمامي وأتملّى منها. كل مساء كان رعبي بين يدَي هذه الصور يزيد غضبي عماء يصفّيه ويعتّقه».
ولأن الانتقام في الخفاء هو ما حرص عليه، أمّن سعادة سجوناً وزنازين بعيدة عن الأنظار نقّل سجناءه بينها، منتخباً موعد الانتقام النهائي عشية الذكرى الأولى لمقتل رولان.
أثناء التحقيق ـ الانتقام استعمل سعادة كل ما خطر على بال أحقاده من وسائل تعذيب وتنكيل: اقتلاع أسنانهم بالكمّاشة، وإرغامهم على ابتلاع تلك الأسنان، الضرب حتى تهشيم الأضلاع، الجَلْد... وبسبب سوء حال مساجينه ومشارفتهم الموت، اضطر جوزيف إلى تقديم موعد «الوليمة»، فأخذهم إلى الطريق نفسها التي قتلوا عليها ابنه رولان، تاركاً لأصدقاء ابنه أن يقتلوهم. «لم أطلق النار يومها.
كنت فخوراً بنفسي (...) لعلّي الأب الوحيد في تاريخ الحرب اللبنانية الذي عثر على قاتل ابنه».
ماهر شرف الدين
* الكتاب: أنا الضحية والجلاد أنا
* الناشر: دار الجديد ـ بيروت 2006
* الصفحات:303 صفحات من القطع المتوسط
