مؤلف كتاب «الأسماء والأفعال والحروف» أبنية كتاب سيبويه هو «أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي» الذي ولد في «اشبيلية» بالأندلس سنة 316 هجرية، وتوفي فيها سنة 379 هجرية.

تلقى «الزبيدي» تعليمه الأولي في «اشبيلية» حتى سن البلوغ، على عادة الأندلسيين، ثم اخذ في طلب العلم، في سائر أنحاء الأندلس وبخاصة في «قرطبة» حتى أصبح إماماً في الأدب، وقد اتصل ب«القالي» وعرف فضله واختص به، وقد اشتهر أمر «الزبيدي» فاستدعاه «الحكم المستنصر» للاستفادة من علمه، وأمره بتأليف بعض الكتب له، وألزمه تعليم ولي العهد «هشام» والإقامة في «قرطبة».

ولما توفي «الحكم» عاد «الزبيدي» إلى «اشبيلية» وتوّلى قضاءها، وصار صاحب شرطتها واستقر بها، حتى توفي فيها.

وتجمع المصادر على أن «الزبيدي» كان شاعراً كثير الشعر، وله شعر جميل، ونظم بديع جيد، ما دعا صاحب «تاريخ الفكر الأندلسي» أن يعده في طليعة شعراء عصره مع ميله إلى الجد، وميله إلى الحكمة والزهد، ولم يكن «الزبيدي» متفرغاً للشعر، يوطن نفسه على التحليق فيه، لأن له من اهتماماته العلمية الأخرى ما يصرفه عن ذلك،

ولكنه ذو نفس شاعرية ملهمة تفيض إحساساتها بالشعر، تلبي به داعي القول بما يتلاءم ومناسبته، جزالة أو رقة، فيصوغ في رثاء شيخه «القالي» قصيدة جزلة الألفاظ، كثيرة الغريب، صاغها صوغ فحول العرب، في حين نراه طوراً آخر، في شعر لطيف رقيق، حين يصور آلام بعد الحبيب.

يتناول الكتاب الأبنية وهي كما عرفها «الشيخ احمد الحملاوي» بقوله: «الأبنية: جمع بناء، وهي الكلمة المخلوطة من حركة وسكون، وعدد حروف وترتيب، والكلمة لفظ مفرد وضعه الواضع ليدل على معنى، بحيث متى ذكر اللفظ فهم من ذلك المعنى الموضوع هو له».

أما شرح الشافية، فيعرفها بقوله: المراد من بناء الكلمة وزنها وصيغتها، هيئتها التي يمكن أن يشاركها فيها غيرها، وهي عدد حروفها المرتبة، وحركاتها المعينة وسكونها، مع اعتبار الحروف الزائدة والأصلية كل في موضعه، فأبنية الاسم الأصول: ثلاثية ورباعية وخماسية، وأبنية الفعل ثلاثية ورباعية.

ومن الملاحظ أن النحاة لم يتعرضوا لأبنية الحروف، لندور تصدقها، وكذا الأسماء العريقة البناء كمن وما، أما الزبيدي فقد صنع مقدمة لكتابه، ذكر فيها أقل أصول الأسماء والأفعال، وأكثر أصولها، كما افرد باباً خاصاً موجزاً ذكر فيه حروف المعاني وكيف تجيء على حرف واحد أو أكثر، ثم ألحقه بذكر حروف الزوائد وحروف البدل، كما كان لديه بابان كبيران لأبنية الأسماء والأفعال.

وكان «الزبيدي» قد شرع في جمع معلومات هذا الكتاب، حين مطالعته لكتاب «سيبويه»، كما أشار في مقدمته إذ يقول: وقد كنت أيام مطالعتي هذا الكتاب، كلفاً بما تضمنه من أبنية الأسماء والأفعال، التي هي في زمام الكلام، والسور المضروب دونه، والحد المنتهي به إليه، فاستخرجتها يومئذ مختصرة منه، ليقرب حفظها لمن أكثر أن يقف على البناء العربي من الدخيل، إما من مصنوع غولط به، أو أعجمي أقحم فيه.

ولم يكن من غرضه يومئذ إصدارها في كتاب، ولكن لما حانت الفرصة ووجد تشجيعاً من «الحكم» على ذلك، أصدرها في كتاب وكان يوم إصداره للكتاب من العلماء المرموقين في بلاط «الحكم».

وقد نحا «الزبيدي» في كتابه هذا، منحى العالم المحقق، فلم يكتف بما روي عن جلة مشايخ الأندلس، أنهم لم يروا لسيبويه نقصاً فيما ذكره من الأبنية سوى ثلاثة أبنية وإنما تابع البحث في الأبنية رغم ما يكنّه لسيبويه من التقدير والاحترام، فوجدها موزعة في ثلاثة أنواع: أولها: المستدركات على الأبنية وقد بلغت عنده 91 بناء، كان منها 85 اسماً و6 أفعال.

ثانيها: المستدركات على الأمثلة وأحصى منها 27 مثالاً، منها مثال واحد للأفعال، وما تبقى من الأمثلة للأسماء والصفات، التي ذكر لها سيبويه أبنية، ولكنه حظر منها الاسم أو الصفة، فأتى الزبيدي بأمثلة تثبت وجود المحظور.

ثالثها: المستدركات المتنوعة، وقد كان له منها 13 بناء ومثالاً خالفه فيها، إما برنتها أو نوعها أو روايتها. وهو في ذلك كله، يورد النصوص عن أصحابها بأمانة، ثم يعترض عليهم بعلم، ليقدم لنا مادة لغوية رائعة وعلماً وفيراً نحتاج إليه دائماً.