علي أبو شادي ناقد ومؤرخ سينمائي مصري شغل عدة مناصب ثقافية كرئيس هيئة الرقابة على المصنفات الفنية كما رأس عدة مهرجانات سينمائية في مصر. في هذا الكتاب يتصدى أبو شادي لرصد خمسين فيلماً اختارها ليشكل من خلالها ـ حسب رأيه ـ طليعة فن السينما وتجربتها في مصر، واعتبرها كلاسيكيات، لا كمذهب فني أو اتجاه، إنما أخذها مجازاً في المعنى العام.

علي أبو شادي تناول هذه المجموعة من الأفلام ليزيل عنها غبار الزمن، ويعيد التأمل بها، ويحاول أن يعيد تقييمها فنياً في إطار بعدها التاريخي، وداخل زمنها وليس خارجه، وهو لا يقتصر على التجربة الإخراجية في هذا التقييم إنما يتعدى ذلك إلى بقية عناصر الفيلم من ممثلين وفنيين خاصة وأن بعضهم يعتبر الآن من بين أفضل الفنيين في العالم.

أن هذا الكتاب مراجعة دقيقة لتجربة طويلة، لاكتشاف القيم والمحطات التي انطلقت منها هذه الصناعة التي تجمع ما بين الفن والفكر والأدب في إطار صناعي مع ما أفرزته من خبرة فنية وتشكل التجربة بمجموعها تجربة أثرت في الحياة العامة العربية والمصرية، ولعبت هذه الأفلام أدواراً في حياة المجتمع العربي.

يقول في مقدمته للكتاب «إن ريادة لا شين لفريتز كرامب، وجرأته على اقتحام منطقة ملغومة بتبنيه لثورة الجماهير ضد الظلم والفساد، وما أنتجه كمال سليم في (العزيمة) بتصويره للحارة المصرية لأول مرة في تاريخ هذه السينما، وتطوير كامل التلمساني بواقعية كمال سليم (في السوق السوداء) لنجد في أعمال صلاح أبو سيف ترسيخاً لمفهوم الواقعية الذي يحاول شباب االسينما في مصر تجاوزه من خلال بعض أعمال:

محمد خان وعلي بدرخان، وعاطف الطيب، وخيري بشارة، ورأفت الميهي، وداود عبد السيد، ويسري نصر الله، ورضوان الكاشف مستفيدين من لغة يوسف شاهين المتجددة، مستلهمين رصانة واتزان بركات، واعتدال ودقة ورهافة كمال الشيخ، وعذوبة ورقة عز الدين ذو الفقار، ونفاذ بصيرة توفيق صالح وجديته وجلاء رؤيته».

حاول أبو شادي تقديم قراءات جديدة من زوايا مختلفة لكل فيلم محكوماً بزمنه وظروفه وطبيعة تطور الحياة السينمائية، مقدماً لها في صفحة معلومات تفصيلية لكل فيلم ابتداء من سنة الإنتاج، ومكانه، والمخرج، والمؤلف والمصورين، ومهندسي الصوت والإضاءة والديكور، والموسيقيين الذين كتبوا الموسيقى التصويرية لكل فيلم إضافة إلى تفاصيل دقيقة أخرى وصولاً إلى الممثلين الذين أدوا أدوار هذه الأفلام، مما يعطينا معلومات وافية يستفاد منها الباحث مثلما يتمتع بها القارئ حتى العادي الذي تمتعه مثل هذه المعلومات.

خمسون فيلماً موزعة على الخارطة الزمنية، تمثل معظم المخرجين المبدعين، اختار فيلماً واحداً لكل مخرج، ولكنه يتجاوز هذا العدد عند مخرجين آخرين لأنه يجد أنهم تركوا بصماتهم في أكثر من تجربة، لذا نراه يتناول فيلما لمخرج أو فيلمين لآخر، وقد يصل إلى ثمانية أفلام لمخرج كيوسف شاهين، أو أقل مثل توفيق صالح.

ثم اختار فيلمين لكل من خيري بشارة هما العوامة، والطريق الأسود ورأفت الميهي هما سيداتي آنساتي، وقليل من الحب كثير من العنف وأختار ثلاثة أفلام لكل من عاطف الطيب، صلاح أبو سيف، كمال الشيخ، وداوود السيد.

علي بدر خان وتوفيق صالح اختار أربعة أفلام لكل واحد منهما، أما يوسف شاهين فقد اختار له ثمانية أفلام تشكل طليعة الأفلام التي أخرجها شاهين ابتداء من عام 1950 وتحديداً إلى عام 1997، والأفلام هي «بابا أمين، صراع في الوادي، جميلة، العصفور، عودة الابن الضال، حدوتة مصرية، المهاجر، المصير والغريب»، لكنه لم يرصد باب الحديد ضمن هذه التجربة الرائدة على الرغم من كون هذا الفيلم شكل محطة وانعطافا لا في تجربة شاهين بل في تجربة السينما العربية.

والناقد علي أبو شادي كتب عن كل فيلم من زاوية مغايرة للآخر ومكملة لمنهج واسع بدأ به الرواد وتأثرت به أجيال لاحقة لنصل إلى تجربة جديدة لا تتقاطع إنما تكمل المسيرة، ويمكننا تمييز الزوايا التي ينطلق منها مؤلف الكتاب من خلال العناوين التي ميزت كل فيلم عن غيره مثل: لا شين درس ثمين في السياسة والفن.

النائب العام نموذجا لسينما الأفكار الكبيرة. السوق السوداء البداية الحقيقية للسينما الواقعية. درب المهابيل نموذج رفيع للسينما الواقعية. رنة الخلخال.. قليل من الأخلاق.. كثير من الغواية. بين السماء والأرض كوميديا سبقت عصرها.

أم العروسة كوميديا اجتماعية شديدة العذوبة. ميرامار.. الخطوة الأولى نحو السينما المضادة.

يعطينا المؤلف صورة مجتمع من خلال الفيلم السينمائي، وكذلك يقدم لنا الفروق بين رؤى مخرج وآخر كما قدم لنا الأساليب التي انتهجها المخرجون، هي دراسة شاملة جاءت في وقت تحتاج لها السينما العربية لتعرف كيف تكون الخطوة التالية في إطار عالم متغير، سريع الإيقاع، وفي مجتمعات عربية مختلفة بين الانفتاح التام والانغلاق، وأمام مؤثرات لا يستطيع أي مجتمع أن يغلق أبوابه أمامها لأنه سيظل منعزلاً، معادلات كثيرة نتلمسها في هذه القراءة الكبيرة لهذا العدد من الأفلام السينمائية.

ولعلنا هنا نختار مقطعاً مما كتبه عن فيلم البريء إخراج عاطف الطيب يقول علي أبو شادي: لم يسبق في تاريخ السينما العربية أنه احتشد ثلاثة وزراء ليمارسوا مهمة الرقابة على أحد الأفلام، كان الوزراء الثلاثة وهم جميعاً خارج السلطة الآن، المشير أبو غزالة وزير الدفاع، واللواء أحمد رشدي وزير الداخلية، والدكتور أحمد هيكل وزير الثقافة، وكان الفيلم هو البريء، إخراج عاطف الطيب وكان الحصاد أن ذهب الوزراء وبقي الفيلم، فالخلود من سمات الفن الصادق القادر على التعبير عن اللحظة بل أن فيلم البريء تجاوز اللحظة محذراً من مستقبل استشعرته حساسية الفنان ما لبث أن تحقق في الواقع».

عبد الإله عبد القادر

*الكتاب: خمسون عاماً من كلاسيكيات السينما المصرية

*الناشر:وزارة الثقافة ـ دمشق 2005

*الصفحات: 504 صفحات من القطع الكبير