«يظهر بين الحين والآخر، كاتب من ذوي المناعة تجاه تغير لغة الحال، لأنهم تجذروا بأصالة طبيعة المباديء الإنسانية» هذا القول للأديب الأميركي إيرفينغ واشنطن الذي يعتبر في الولايات المتحدة أول أديب أميركي يحظى بشهرة في وطنه وفي أوروبا على حد سواء، إنما يعبر عن رؤيته في الحياة ودور المثل والقيم في حياة الإنسان.
هذا الأديب والشاعر وكاتب المقالات ولد في نيويورك عام 1783 وهو الابن الأصغر بين إخوته البالغ عددهم أحد عشر. وقد عاش طفولة هانئة في كنف عائلته الثرية. وجدير بالذكر أن أيرفينغ كني بلقب واشنطن بعد لقائه بالرئيس الأسبق للولايات المتحدة جورج واشنطن الذي كان من المعجبين بأعماله الأدبية. ومن أعظم أعماله التي أنتجها السيرة الذاتية لحياة جورج واشنطن في خمسة مجلدات، علما بأنه بدأ بكتابتها عام 1855.
بدأ بمزاولة مهنة الكتابة في المجلات والصحف ابتداء من عام 1802. وعلى الرغم من نجاحه على الصعيد الأدبي والاجتماعي إلا أن شبح المأساة التي مر بها ظل مهيمنا على حياته لزمن طويل جدا. كان ذلك عندما توفيت خطيبته ماتيلدا هوفمان وهي في السابعة عشرة من عمرها عام 1809.
أمضى إيرفينغ السنوات الأخيرة من حياته في مدينة تاري تاون حيث عمل رئيسا لمكتبة أستور ومن ثم المكتبة العامة لنيويورك، ومن ضمن أعماله كتابه «محمد وخلفاؤه» الذي نشره عام 1850، وتوفي في 28 نوفمبر عام 1859. وقد نشرت جميع أعماله لاحقا عام 1860 في واحد وعشرين مجلدا، كما استوحى مواضيع رواياته وقصصه من الأساطير الألمانية، ومن أشهر رواياته «أسطورة الوادي هولو الهاديء».
اختار أيرفينغ لأحداث قصته مكانه المفضل وهو منطقة نيكربوكر حيث ينحدر معظم سكانها من أصول هولندية. كما استوحى من خصوصية تلك المنطقة المعزولة وغرابة طباع أهلها مقرا لأسطورته، فالوادي هول الهاديء والمقيمين فيه يشملهم الغموض والكثير من الأقاويل عن كونهم خاضعة لهيمنة سحر ما، وبأن المكان مسكون بأرواح الأسلاف.
في تلك الأجواء الأسطورية كان يعيش الشاب المدرس الوحيد في المنطقة إيشابولد كرين. وعلى الرغم من هيئته الغريبة وجسده النحيل غير المتناسق، استطاع كسب ود الأهالي، وذلك من خلال إظهار اهتمامه الدائم بطلابه سواء في الفصول الدراسية أو خارجها، إلى جانب مساعدته للمزارعين في إنجاز الأعمال الخفيفة التي لا تتطلب منه جهدا كبيرا مع حرصه على مجاملة النسوة والأمهات ومجالسته لهن في أوقات فراغهن.
ونظرا لكونه شخصية تميل إلى سهولة الحياة والخمول، فقد رأى في ابنة المزارع الأكثر ثراء في الوادي، وهي كاترينا فان توسل التي كانت تلميذته في المدرسة، فرصته الذهبية للانتقال من الفقر إلى الثراء والجاه. والمنافس الوحيد لإيشابولد في كسب ود كاترينا هو بروب بونز الشاب الذي يتمتع بشعبية واسعة نظرا لقوته الجسدية وشجاعته إلى جانب روحه المرحة.
وحينما تلقى إيشابولد دعوة إلى الحفل الكبير الذي يقيمه والد كاترينا، عزم على مصارحة كاترينا بحبه سيما بعد استجابتها لاهتمامه الدائم بها. وهكذا استعار أحد خيول المزارع الذي يقيم عنده. وحينما دخل الدار توقف ليراقب بانبهار أصناف المأكولات الفاخرة التي تعمر بها طاولة الطعام. ابتسم لنفسه بسعادة فجميع ما يحيط به من بذخ وفخامة سيصبح عاجلا أم آجلا ملكا له.
وحينما تجمع الرجال في القاعة المخصصة لهم بعد تناول الطعام، تشعبت الأحاديث لتنتهي بسرد قصص الأشباح في الوادي وتجربة كل منهم، ولا يتردد بروب بونز في رواية مغامرته مع الشبح ذي الرأس المقطوع. وأسوة بالمحبين تحين المدرس فرصته للاختلاء بكاترينا في اللحظات الأخيرة من الحفل، وبعد حين شوهد إيشابولد يغادر الدار وهو في قمة الاضطراب والتوتر.
وفي طريق عودته سرعان ما تلاشى غضبه وخيبته حينما عادت إلى ذاكرته قصص الأشباح التي سمعها قبل حين. ونتيجة لذلك تملكه الخوف والحذر الشديد، وبعد حين استرعى انتباهه صوت حوافر خيل، وحينما التفت إلى الوراء فوجيء بالشبح ذي الرأس المقطوع على صهوة جواده يجدّ في أثره.
لكز إيشابولد خيله ليزيد من سرعته إلا أن ذلك لم يساعده في الابتعاد عن مطارده وحينما أبطأ ليدع الشبح يتجاوزه فوجيء بأنه يخفف من سرعته أيضا. ولدى يقينه بأن الشبح مصر على مرافقته عاد في الاتجاه المعاكس باتجاه الجسر آملا أن يختفي الشبح أسوة بالقصص التي سمعها.
وبعد مضي سنوات عاد أحد سكان المنطقة بعد زيارته لنيويورك بقصة جديدة يرويها، فقد علم بأن إيشابولد لا يزال على قيد الحياة ويعمل كمدرس في إحدى المناطق النائية. كان الجميع على قناعة بأن فشله في كسب ود كاترينا وخوفه من الشبح قد دفعاه إلى الهرب بعيدا. وحينما كانت تروى قصته كان عريس كاترينا بروب جونز يبتسم بما يوحي بأنه على دراية بما حدث.

