عمل رولان مينييه الذي يعرض مذكراته في هذا الكتاب لمدة ربع قرن مسؤولاً عن قسم صناعة الحلوى في البيت الأبيض بواشنطن. أما كريستيان مالا، فهو أحد الصحافيين المعروفين في القناة التلفزيونية الفرنسية الثالثة، واختصاصي في الشؤون الأميركية.

ترك رولان مينييه العمل في البيت الأبيض قبل فترة قصيرة، بعد بلوغه سن التقاعد، وكان أول عمل قام به هو كتابة مذكراته عن تلك الفترة التي أمضاها بالقرب من رؤساء أكبر قوى في العالم اليوم، ولم ينس أن يرفق هذه المذكرات بالعديد من الصور التي التقطت مع بيل كلينتون وجورج بوش الأب ثم الابن وأسرهم وضيوفهم.

ويشير المؤلف منذ البداية إلى أنه عمل مع خمسة رؤساء أميركيين هم جيمي كارتر ورونالد ريغان وجورج بوش الأب وبيل كلينتون وجورج بوش الابن. أما دوره بالقرب منهم فيصفه بالكلمات التالية:

«لقد اقتربت منهم بمقدار ما تسمح وظيفة الحلواني الرئيس المسؤول عن السهر على صحتهم، الذي يقدّم لهم ولمدعويهم التحلية بعد انتهاء الطعام، التي ينبغي أن تكون متعة للعين وللفم في وجبات عشاء الدولة، وبحيث تساهم أيضاً في إنجاح الزيارات».إن الرؤساء الأميركيين الذين يتحدث عنهم صانع الحلوى السابق في البيت الأبيض يبدون مثل أناس بسطاء، لهم أذواقهم وحلواهم المفضلة ونقاط ضعفهم، ولا يتردد في هذا السياق في الحديث عن «شراهة ريغان» و«حساسية كلينتون» من بعض المكونات الداخلة في صنع الحلوى.

وكذلك في الحديث عن زوجات الرؤوساء اللواتي كن يتدخلن في تحضير «الدوسير»، ويشير هنا إلى أن زوجتي الرئيسين الديمقراطيين الذين عمل معهما، أي السيدة كارتر وهيلاري كلينتون كانتا تلعبان دوراً نشيطاً وفعّالاً في اختيار وجبات الطعام، «على غرار الدور الذي كانتا تمارسانه في تسيير أمور البلاد». أمّا السيدات الأولى الجمهوريات نانسي ريغان وبربارة بوش ولورا بوش، فقد كن لا يمارسن أية سلطة في البيت الأبيض.

ويأسف «رولان مينييه» على أنه لن يرى بعد مغادرة البيت الأبيض كبار العالم وهم يتوافدون، حيث يذكر الرئيس ميتران وياسر عرفات والملك الأردني حسين وملك اسبانيا وملك المغرب الحسن الثاني، وكثيرين غيرهم، ولن يسمع بعد الآن الشائعات التي كانت تدور في أروقة البيت الأبيض، مثل عدم تمكن المستشار الألماني الأسبق هلموت كول الصعود بسيارة عادية.

ونسيان الرئيس جورج بوش الأب اصطحاب بزة الاحتفالات للمشاركة في حفل زواج ابنته «رورو» في كامب ديفيد، وكان لكل أسرة «رئاسية» عاداتها التي ينبغي على جميع العاملين في البيت الأبيض التأقلم معها واحترام تقاليدها وذوقها، فيما يخص الأطعمة، ويصف في المحصلة أسرة كارتر أنها كانت ودودة وأسرة ريغان أنها حازمة وحادّة بالنسبة لبوش الأب والابن.

وماذا عن السياسة؟

يجيب مينييه: «لم تكن تتم صياغتها في مطابخ البيت الأبيض. على الأقل ليس في هذه المطابخ التي كنت أعمل بها». لذلك لن يجد القارئ في الكتاب أية «أسرار دولة»، كما لعب المؤلف على اختيار العنوان الذي لعب على اللفظ ووضع كلمة «سكّر» بدلاً من كلمة «سر» دولة في الحالتين. لكن هذا لن يمنعه ـ أي القارئ ـ من الاطلاع على بعض ما جرى عند توقيع اتفاقيات كامب ديفيد أو تحرير الرهائن الأميركيين في طهران أو تفجير أوكلاهوما، و تفجيرات 11 سبتمبر 2001.

يتألف هذا الكتاب من 19 فصلاً قصيراً يتحدث رولان مينييه في الثمانية الأولى منها عن تجربته الحياتية والمهنية قبل وصوله إلى البيت الأبيض، انه يعود إلى طفولته العذبة في فرنسا، حيث اكتشف ميله إلى «صناعة الحلويات» وهو في سن الثانية عشرة في قرية لم يكن عدد سكانها يزيد على 150 نسمة.

كان أحد أبناء أسرة فقيرة تسكن في منزل دون تدفئة، ولا صنابير للمياه وإنما مجرد بئر مجاور، ولا كهرباء، إنما مصباح يعمل بواسطة البترول، كان والده عاملاً في شركة الخطوط الحديدية ووالدته أيضاً، حيث كانت مهمتها هي فتح وإغلاق الحواجز عند مرور القطارات.

عمل رولان مينييه دوراً في مخزن لصناعة الحلويات بصفة غاسل للصحون وماسح للزجاج وجلب المشتريات من السوق ومرافقة أبناء صاحب المحل إلى المدرسة صباحاً، كان مرتبه الشهري هو خمسة فرنكات بالإقامة إلى ما قد يجود به «الأكارم». ويصف تجربته تلك بجملة تلخص مشاعره آنذاك حيث تقرأ: «كانت حياتي قاسية. قاسية جداً مليئة بالتعب دون أية تسلية. من السرير إلى العمل، ومن العمل إلى السرير، تلك كانت هي حقيقة نظام حياتي».

لكن ذلك لم يكن سوى مجرد خطوة للحصول على عمل في أحد مطاعم العاصمة باريس كان يؤمه فنانون مشاهير من أمثال جوني هوليداي وسيلفي فارثان وغيرهما من أهل الفن. ومن باريس إلى هانوفر حيث تعلم صناعة «الحلويات الألمانية».

ومن ألمانيا إلى انجلترا حيث لم يكن يتحدث كلمة «انجليزية واحدة. كان ذلك في شهر مارس 1964، وقد توجه منذ وصوله إلى لندن لفندق «سافوي» الذي قال عنه معلمه السابق انه أفضل فندق في العالم وانه يوظف مجموعة من كبار صانعي الحلويات والعمل فيه يفتح لمن يحالفه الحظ في ذلك أبواب أعلى المؤسسات.

لقد قدم نفسه للمدير مع وثائق مؤهلاته ورسائل التوصيات.. وهكذا أصبح أحد صانعي الحلوى السبعة عشر في فندق سافوي ومن لندن إلى برمودا ثم إلى فندق «هومستيد» حيث كان يتردد الكثير من العاملين ومن مستشاري وزارة الدفاع والبيت الأبيض الذين كانوا يساهمون في بعض الندوات. وذات يوم أسر له بعضهم أن السيدة الأولى زوجة الرئيس الأميركي آنذاك جيمي كارتر تبحث عن مسؤول لصناعة الحلوى.

وفي شهر أكتوبر 1979 حددوا له موعداً في البيت الأبيض للقاء بعض المسؤولين حيث طالب براتب سنوي مقداره 28000 دولار.. وبعد عدة لقاءات مع شخصيات عديدة في مقر الرئاسة الأميركية وجد رولان مينييه نفسه ذات يوم أمام السيدة كارتر التي سألته: «السيد رولان إذا أصبحت مسؤولاً عن صناعة الحلوى في البيت الأبيض، فأي نوع من التحليات ستقترح علينا؟» فأجاب: «سيدتي، سوف أصنع حلويات بسيطة قليلة القيمة الحرورية مع كمية كبيرة من الفواكه الطازجة». هكذا أصبح رولان مينييه صانع حلوى البيت الأبيض.

وفي شهر ابريل من عام 1980 كان ضوعندما وصل ريغان إلى البيت الأبيض بدا بوضوح أن ذوق المآكل قد تغير كثيراً وكان لابد من مرور بعض الوقت لمعرفة ما يفضله الرئيس وزوجته مثل ولعهم بنوع من الحساء هو «حساء الهامبرغر» المصنوع من الفاصولياء والمعجنات وبعض قطع «الهامبرغر» الصغيرة..

وقد حدث وجلبت الأسرة الرئاسية كمية محفوظة في أكياس بلاستيكية مجمدة. ويروي مينييه كيف أن الرئيس ريغان قد فاجأه ذات يوم بدخوله إلى المطبخ وهو بسروال «الجينز» وقميص قطني بسيط.. ونظر إلى «الدوسير» ثم قال بحماس: «هذا جميل جداً، وأرغب تذوقه». لم تكن هناك ملعقة متوفرة في الجوار فما كان من الرئيس سوى أن أخذ ملعقة عملاقة كان مينييه يستخدمها من أجل الفواكه المكرسة لتزيين الحلويات، وقطع كمية من الحلوى المعدة وقربها من فمه لكنها سقطت على قميصه..

أعربت السيدة ريغان عن انزعاجها، لكن الرئيس أعاد الكرة قائلاً: هذا رائع، إنه لذيذ جداً، يقول مينييه: «فهمت منذ تلك اللحظة ان الرئيس كان شديد الشراهة. وكان ذلك يبدو على محياه وهو يلتهم الأطعمة الحلوة». وصل جورج بوش الأب إلى البيت الأبيض في مطلع عام 1989. كانت أسرته مؤلفة من عدد كبير من الأبناء والأحفاد.

كان الأمر الأول الذي أصدرته السيدة بربارة بوش هو تفريغ البرادات من كل محتوياتها كي لا يجد الأطفال «ما يتسلون بأكله» بين الوجبات. وكان الرئيس يميل بالأحرى نحو المآكل المكونة من الأسماك وكان يقدر كثيراً المطبخ الصيني. ولم يكن بعيداً عن الشراهة أيضاً. وذات يوم صادفه في أحد الأروقة وكان بصحبة حراسه الشخصيين. فصافحه قائلاً: «شكراً لما تحضره من حلوى. ما تفعله رائع».

ثم التفت نحو حراسه وأضاف: «انظروا جيداً إلى هذا الشخص. إنه يحاول اغتيالي بالحريرات. فأرجوكم إذن أن لا تدعوه يغيب عن أنظاركم». وتحت عنوان «الميني جوب في البيت الأبيض» يتحدث مينييه عن بيل وهيلاري كلينتون في القصر الرئاسي. وبدا منذ اللحظات الأولى ان هيلاري لا تريد أن تلعب دور مجرد زوجة الرئيس.

وكان لابد من الفاصولياء وجميع مشتقات الحليب. ويحكي مينييه انه أثناء زيارة للمستشار الألماني الأسبق «الطويل جداً والضخم جداً والأكول جداً» هلموت كول كاد أن ينقص «الدوسير» بسببه. الفصلان الأخيران من الكتاب مكرسان لفترة رئاسة جورج دبليو بوش.. وبدا واضحاً أن الثنائي الرئاسي يحبان كثيراً استقبال رؤساء الدول في البيت الأبيض أوكامب دافيد أو في مزرعتهم الخاصة في تكساس.. ويشير مينييه إلى ان الرئيس جورج دبليو بوش قد استقبل عدداً أكبر بكثير مما استقبل الرؤساء الآخرين الذين عمل معهم.

* الكتاب: مذكرات صانع الحلوى الفرنسي للبيت الأبيض

* الناشر:فلاماريون ـ باريس 2006

* الصفحات: 390 صفحة من القطع المتوسط

SUCRE' D' ETAT

MEMOIRES DU PATISSIER

FRANCAIS DE LA MAISON - BLANCHE

ROLAND MESNIER CHRISTIAN MALARD

FLAMMARION - PARIS 2006

P. 390