قام بتأليف هذا الكتاب الضخم الصحافي الأميركي المعروف لو كانون. ومعلوم انه تابع شخصية رونالد ريغان وغطى أخباره على مدار ستة وثلاثين عاماً. فقد كان مراسلاً لعدة جرائد أميركية من بينها الواشنطن بوست حيث تابع أخبار البيت الأبيض من خلالها. والواقع انه رافق مختلف مراحل حياة الرئيس ريغان منذ أن كان حاكماً لولاية كاليفورنيا وحتى أصبح رئيساً للولايات المتحدة لمدة ولايتين متعاقبتين.
فمن هو رونالد ريغان هذا؟ ولماذا انحرف بالسياسة الأميركية انحرافة يمينية واضحة؟ من المعلوم أن أفكاره المحافظة ان لم نقل الرجعية هي التي تسود البيت الأبيض حالياً. ومعلوم أيضاً أن جورج دبليو بوش يستلهمه ويقتدي به أكثر مما يستلهم والده. وبالتالي فلفهم ما يجري حالياً يستحسن بنا أن نعود إلى عهد ريغان. ولد رونالد ريغان في مدينة صغيرة بولاية ايلينوي عام 1911. ومعلوم أن عائلته من أصل أيرلندي وقد هاجر والد جده إلى أميركا عام 1860 وكان يحمل نفس الأسم: رونالد ريغان.
وينتمي الرئيس الأميركي الاسبق إلى فرع في المسيحية البروستانتية يدعى: أتباع المسيح. وعددهم كبير في أميركا. وبعد ان أنهى دراساته الأولى دخل إلى جامعة ايلينوي حيث نال شهادة في الاقتصاد وعلم الاجتماع عام 1932. ويبدو انه كان تلميذاً نجيباً ودودا تجاه زملائه الذين أصبحوا اصدقاء مخلصين له لاحقا وفي أثناء الصيف كان يشتغل على الشواطئ كمنقذ للسباحين . ويبدو انه انقذ سبعة وسبعين شخصا من الغرق! ويبدو أن العائلة كانت تعاني من المشاكل لأن والده كان سكيراً يشرب الخمرة بكثرة.
وبالتالي فالشاب ريغان كان بحاجة إلى العمل لكي يطعم عائلته أو يساعدها مادياً. ثم ظهرت لديه مواهب فنية فدخل معترك السينما حيث اصبح ممثلاً من الدرجة الثانية لا الأولى. ولكنه كان بارعاً في أدواره إلى درجة ان هوليوود كانت تبحث عنه باستمرار. ثم اشتغل في التلفزيون بعدئذ. وأحياناً كان يلعب أدواراً في المسلسلات التلفزيونية مع زوجته نانسي. وقد ظلت أثيرة لديه حتى اواخر حياته. معلوم انه كان يحبها حباً جماً.
ثم يردف المؤلف قائلاً: وبعدئذ انخرط ريغان في معترك السياسة وأصبح حاكماً لولاية كاليفورنيا عام 1964. والواقع انه بدا سياسياً محافظاً جداً وكارهاً للشيوعية إلى درجة أنه انخرط في الحملة الشهيرة بمكارثي ضدهم. ثم حاول أن يرشح نفسه عام 1968 بمنصب الرئاسة. ولكن الحزب الجمهوري فضل عليه ريتشارد نيكسون الزعيم القديم للحزب.
وفي عام 1976 حاول ترشيح نفسه مرة أخرى ولكنه فشل. ثم كانت الثالثة فالتة كما يقال: فقد رشح نفسه عام 1980 ونجح هذه المرة وأصبح رئيساً للولايات المتحدة الأميركية. وكان عمره سبعين سنة عندما وصل إلى سدة الرئاسة العليا. ثم أعيد انتخابه بسهولة مرة ثانية عام 1984 وهكذا حكم أميركا لمدة ثماني سنوات متتالية.
ولكن بعد وصوله إلى البيت الأبيض بسبعين يوماً فقط حاول احد المختلين العقليين اغتياله فأصابه في الصدر برصاصة ولكنها أخطأت القلب فلم تقتله. وعندما انتزعوها من صدره في المستشفى راح يمزح مع الأطباء ويقول لهم: آمل أن تكونوا جميعاً جمهوريين! ثم تلفت إلى زوجته وقال لها: يا حبيبتي، لقد نسيت أن أموت! وبالتالي فالرجل كان يتمتع بحس الفكاهة والمزاح إلى أبعد الحدود..
والواقع ان رئاسته تميزت بعدة أشياء اولها: معاداته القاطعة للشيوعية والاتحاد السوفييتي الذي دعاه بإمبراطورية الشر وتأييده للنظام الرأسمالي إلى أقصى حد ممكن وزيادته بميزانية وزارة الدفاع من أجل إنهاك الاتحاد السوفييتي عن طريق اجباره على الانخراط في سباق التسلح، وزرعه لصواريخ بيرشنغ في ألمانيا كرد فعل على زرع الروس لصواريخ س س 20 على حدود أوروبا الغربية، وانخراطه في حرب النجوم وبيعه للأسلحة بكميات كبيرة إلى حلفاء الولايات المتحدة: أي تايوان، إسرائيل، العراق، السعودية..
ومعلوم ان أميركا دعمت صدام حسين كثيراً آنذاك من أجل سحق إيران التي تمردت عليها بعد اسقاط الشاه. ويرى البعض ان ريغان هو الذي ربح الحرب الباردة ضد السوفييت، فعندما انخرط في مشروع حرب النجوم المكلف جداً لم يستطيعوا مجاراته بسبب فقرهم وغنى أميركا، والواقع ان الشيوعية انهارت بعد سنة واحدة من تركه للرئاسة عام 1988.
ولكن البعض الآخر يرى ان انهيار النظام الشيوعي لمجمله يعود إلى الأزمة الاقتصادية الرهيبة التي وقع فيها والواقع ان الإصلاحات التي انخرط فيها الرئيس غوربا تشوف لم تستطع منع الانهيار لأنها جاءت متأخرة أو لان المرض كان قد استفحل ونخر في أعماق النظام الشيوعي المتحجر. ويعترف الاميركان للرئيس ريغان بأنه كان رئيساً قوياً وذا شخصية جذابة وصوت قوي ومؤثر وكان طويلاً، جميلاً، عريض المنكبين وقادراً على اقناع الاميركان بخططه ومشاريعه السياسية.
وكان يقول لهم: لا سلام دون قوة. عن طريق القوة والمنعة نستطيع ان نفرض السلام على أعدائنا وليس عن طريق الضعف والنوايا الطيبة ولذلك زاد ميزانية الدفاع وقدم للجيش الأميركي كل ما يلزمه من عتاد وأسلحة تكنولوجية متطورة ودعم مادي ومعنوي.
ثم انخرط في مبادرة الدفاع الاستراتيجي. أو ما يدعى بحرب النجوم لحماية أميركا من الصواريخ السوفييتية المحملة برؤوس ذرية، فقد كانت قادرة إذا ما تحققت على رصد أي صاروخ سوفييتي وتدميره في الجو قبل ان يسقط على الأرض الأميركية ويدمرها.. وإذا ما تحقق ذلك فهذا يعني ان كل الترسانة النووية السوفييتية أصبحت لاغية ولا معنى لها.
ثم يردف المؤلف قائلاً: ان السياسة المحافظة لريغان دفعته إلى محاربة كل الأنظمة الشيوعية في العالم وحماية كل الأنظمة المضادة للشيوعية حتى ولو كانت ديكتاتورية لا تحترم حقوق الإنسان بأي شكل من الاشكال وهذا ما عيب عليه كثيراً من قبل الجهات التقدمية داخل أميركا وخارجها والواقع هو ان العداء للشيوعية أعماه عن كل شيء آخر ولذلك ارتبط بعلاقات صداقة وثيقة مع كل القادة المحافظين في العالم وبخاصة رئيسة وزراء بريطانيا: مارغريت تاتشر.
فما كانت تقل عنه تزمتاً وتعصباً للنظام الرأسمالي المتطرف. ولذلك لقبوها بالمرأة الحديدية. وقد شهد عهد ريغان بعض الفضائح السياسية والعسكرية، فقد تورطت إدارته في بيع الأسلحة بشكل سري إلى إيران اثناء نزاعها مع العراق ومعلوم ان الولايات المتحدة كانت آنذاك تقف بقوة إلى جانب صدام حسين من أجل اسقاط نظام الثورة الإسلامية أو الخمينية في طهران، فلماذا إذن باعت الأسلحة إلى عدوها الذي أهانها أمام العالم كله عندما أسقط الشاه وحجز الدبلوماسيين في السفارة الأميركية في طهران لعدة شهور متتالية؟
لقد شعر ريغان عندئذ بالحرج وقال لمواطنيه بأنه كان يجهل الموضوع وانه تم على غير علم منه أو من وراء ظهره كما يقال. واتهم بالفضيحة مستشار الأمن القومي جون بواندكستر والكولونيل اوليفر نورث. ثم برر العملية عن طريق القول بأنه كان يأمل من وراء ذلك الإسراع في تحرير الرهائن الأميركيين المحتجزين في بيروت من قبل حزب الله المقرب جداً من الحكومة الإيرانية.
* الكتاب:رونالد ريغان حياة في السياسة
* الناشر: بوبليك أفيرز نيويورك 2006
* الصفحات: 1502 صفحة من القطع الكبير
RONALD REAGAN
ALIFE IN POLITICS THE ROLE OF ALIFETIME
LOU CANNON
PUBLIC AFFAIRS NEWYORK 2006
P. 1502
