مؤلفة هذا الكتاب هي رفيف صيداوي، أستاذة النقد الأدبي الحديث في الجامعة اللبنانية. عُرفت كناقدة من خلال كتابها «النظرة الروائية إلى الحرب اللبنانية»، الذي أثار حوله العديد من النقاشات، نظراً لتناولها بالدرس رواية الحرب، وتركيزها على سيكولوجية الروائي ـ الإنسان المحاصر بالعنف، ومعرفة مدى انعكاس إحساسه بالقهر والألم على أسلوبه وزمنه ومخيلته الأدبية، وتوصلت إلى نتائج يمكن اعتبارها مقدمة هامة للبناء النقدي عليها.

وفي كتابها الجديد، «الكاتبة وخطاب الذات»، تبحث المؤلفة عن إمكانية وجود بنى روائية ذكورية وأنثوية، وعن خصوصية نظرة الرواية النسوية إلى المرأة والعالم، محاولة الإفادة من المقابلات أو الحوارات التي أجرتها مع عدد من الكاتبات العربيات اللاتي أسهمن في الكتابة والخلق في حيّز الكتابة الروائية والقصصية، والهدف العام هو التعرّف عن قرب إلى خبراتهن الحياتية، وتحديد سمات الكتابة النسوية العربية، إن صح التعبير، استناداً إلى العالم الشخصي والحياتي الخاص بكل كاتبة، وإلى فضاء الكتابة الذي يطاول فضاء الأسرة والمجتمع والعالم.

واختارت المؤلفة كاتبات من بلاد الشام ومصر، ممن تجاوزن الخمسين من العمر، اعتقاداً منها أنهّن عانيّن من وطأة المجتمع البطريركي الذكوري أكثر من الأجيال الشابة.

واستندت إلى التقسيم الذي يضع ثلاث مراحل للرواية النسوية العربية، حيث تحفل المرحلة الأولى بالروائيات اللاتي ساهمن في مرحلة التأسيس للكتابة الروائية التي تمتد بين بدايات القرن العشرين المنصرم حتى أواسطه، والمرحلة الثانية، مرحلة ما بعد التأسيس، وتمتد من خمسينات حتى سبعينات القرن العشرين، ومنها اختارت محاورات مع كل من روز غريب وكوليت خوري وإملي نصرالله.

أم المرحلة الثالثة، فتمتد زمنياً من سبعينات القرن العشرين حتى ثمانيناته، واختارات منها محاورات مع كل من حنان الشيخ وسحر خليفة ورضوى عاشور وسلوى بكر.

ومعظم الكاتبات المختارات ينتمين إلى الطبقة الوسطى أو العليا، نظراً لأن بنات هذه الطبقات كّن الوحيدات تقريباً المتاح لهن التوجه نحو التعليم واكتساب لغات أجنبية، في زمن لم تكن الفرصة متاحة، بالقدر نفسه، لغيرهن من النساء العربيات. وتعترف المؤلفة أن الحوارات التي أجرتها أسهمت في تعديل انطباعها الأول الذي يفيد بأن معاناة هؤلاء الكاتبات أكبر من معاناة كاتبات المرحلة الثالثة، من دون أن تنفي أن الكاتبة عموماً لا بد لها من عيش قلق الأنثى الخلاّقة.

والملاحظ أن المؤلفة تحاول في كتابها هذا رصد مرحلة ما بعد «البدايات»، التي تزامنت مع خروج المرأة من عالم الحكي إلى عالم الكتابة مع انتشار الصحافة عموماً، وفي مرحلة احتلت فيها الصحافة النسائية مكانة مميزة فيها. لكن التجارب الشخصية لروائيات تظهر الكيفية التي تمّ بواسطتها كسر الأطواق التي أحاطت بهن عبر الكتابة، والكيفية التي عالجن ـ بالكتابة ذاتها ـ نفوسهن المقهورة.

تقول إملي نصر الله: «كان مقدراً لي أن لا أبلغ مرحلة أستطيع فيها التعبير كتابة.. كان (فكّ الحرف) يكفي وزيادة، لكني خرجت على تلك الأعراف المقبولة وحطمت القيود، وتجاوزت التقاليد». وتظهر إجابات الروائيات عن سؤال «ماذا عنت لك الكتابة» أو «لماذا تكتبين» أن بعضهن يكتبن كرد فعل على ثقل المعاناة التي تراكمت عبر تفاصيل حياتهن، أي أن الكتابة بالنسبة إليهن تعتبر جزءاً من عملية المقاومة، وكأن التحدي شكّل لهن مكوناً من مكونات فعل الكتابة.

لكن الرواية ليست كتابة المغامرة بل مغامرة الكتابة، على حد تعبير الباحثَين الفرنسيين برونوف وأولييه في كتابهما المشترك «عالم الرواية»، وبالتالي تغدو الكتابة لدى المرأة مغامرة مزدوجة، بحسب المؤلفة، «لأن مغامرة الكاتبة لا تفترض فقط، شأنها شأن الرجل، إثبات ارتباط التجربة الفردية بالوجود العقلاني، حسب الكوجيتو الديكارتي (أنا أفكّر، فأنا موجود)، وإنما على المرأة الكاتبة، قبل ذلك، إثبات ذاتها كإنسان لا يقل عن الرجل: أنا امرأة، فأنا موجودة».

غير أن كتابة المرأة تتميز بنكهة خاصة تعود إلى اختلاف تجربتها الاجتماعية، لذا لا تنهض خصوصية الخلق لدى المرأة في الأدب عموماً، وفي الرواية تحديداً، من ذات مبدعة مخلوقة من عدم، وإنما من حقل اجتماعي معين، مع أخذنا بالحسبان أن اللغة «امتداد لحواسنا»، حسب تعبير جان بول سارتر.

فيما تعتبرها المؤلفة «وسيلة من وسائل الاعتراف بنا، ذلك أن احترام الذات، وحبّ الذات، هما المصدران الحيّان لكل تصرف بشري والاعتراف بالذات البشرية يرسّخ معنى الحياة لديها». ومع ذلك ترفض المؤلفة مصطلح «الأدب النسوي» الذي شاع عوضاً عن مصطلح «الأدب النسائي»، من منطلق نظري يفيد بأن لا هوية جنسية لبنية النص الروائي، بوصفه بنية لا هوية جنسية لها.

وترى أن النص الروائي كبنية مستقلة يتشكل من عناصر، أهمها اللغة، الزمان، المكان، عالم الشخصيات، الرؤية.. إلخ، وهي عناصر محايدة، لا تمتلك طبيعة جنسية. وتعزو المصطلح إلى نزعة نقدية سيطرت على بعض الكتابات، وأفضت إلى ثنائية ضدية بين كتابة الرجال وكتابة النساء. وكأن لكل من هاتين الكتابتين بنيته الخاصة.

لكن الكتاب يتناول موضوع كتابة النساء وملابساته، متخذاً من الحوار متناً له، ويمتدّ موضوعه ليشمل الكتابة النسوية والكيفية التي تجلت بها، وملابسات كتابة النساء والإشكاليات المرتبة بها. وينهض مفهوم النسوية على اعتبار أن التفاوت في الجنس هو أساس اللا مساواة بين الرجال والنساء، وتعاني النساء بسببها ظلماً اجتماعياً منهجياً، وذلك ليس لأنها نتيجة للضرورة البيولوجية، بل أوجدتها جملة من البنى الثقافية للاختلاف في الجنس.

وينطوي النقد النسوي على تفكير النساء بأنفسهن كناقدات يقاربن الأدب من منظور سياسي في إطار حركة تحرر النساء.

وعلى خلفية هذا نشأت أسئلة حول علاقة النساء بالدراسة الأدبية، وعن سرّ غياب النساء عن التاريخ الأدبي، وعن الكيفية التي جرى فيها تصوير النساء في نصوص الرجال الأدبية، وعلاقة انتهاك النص للنساء باضطهادهن في المجتمع وما يزيد أو يقل عن ذلك.

وقد تحول النقد النسوي مؤخراً من التركيز على تبعية النساء الأدبية واستبعادهن إلى المقاربة النسوية للأدب، ودراسة كتابة النساء، وتحليل بنية الجنس وتجسيدها في الخطاب الأدبي. وهنا ينبغي عدم الخلط ما بين مفهوم «كتابة النساء» الذي يعني ما تكتبه النساء، من وجهة نظر النساء، سواء كانت كتابة عن النساء أو عن الرجال أو عن أي موضوع آخر، وبين مفهوم «الكتابة النسوية» الذي يعني الكتابة من وجهة نظر نسوية، سواء كانت من إبداع امرأة أو من إبداع رجل.

وتقرّ المؤلفة بوجود حساسية مختلفة في كتابة المرأة منذ بداية كتابتها الرواية، بما هي أنثى عانت بسبب جنسها تحديداً من سجن القمع والإقصاء. وتعزوها إلى غايتها في تغيير منظومة المفاهيم الثقافية وإجلاء مواطن الإجحاف وجذور الظلم الواقعة على الإنسان بعامة والمرأة بخاصة.

ويظهر الكتاب مدى ارتباط إجابات الكاتبات عن أسئلة الكتابة بين الأنا وبطلة الرواية، كأنهن رفعن قناع الراويات، ليتكلمن عن خصوصيات تمسهن مباشرة كإناث. وعليه، تصف إملي نصرالله الكتابة بأنها «نَفَس الحياة»، وأنها تشعر بالتصاق عضوي بالحرف والقلم، منذ ذلك اليوم الذي تساءلت فيه: لماذا يخصص العلم للذكر و«فك الحرف» للأنثى؟ غير أنها لا تنطلق من أرضية كيانها الأنثوي في ما تكتب، بل من وعي اجتماعي لمجتمعها وبيئتها، أي من تلك البيئة «الطهرانية» التي تروّض الجسد كي تكون الغلبة للفكر والروح.

وهي البيئة نفسها التي دفعت نصرالله إلى ذكر التحديات الإضافية التي كانت تواجهها بسبب الإصرار على الخروج عن المسار التقليدي المرسوم للفتاة، وقد تكون البيئة التي حثّت بعض الكاتبات للخروج عن الخط الفني المقبول في كتابة الجنس العاري. والسؤال المطروح بقوة هو:

أية كتابة؟ وهل تشمل مرحلة البدء والتمارين الأولى أم تذهب إلى أبعد من ذلك بكثير؟ تقول روز غريب ان الكتابة هي «مكافحة عادة أو تقليد مضر تألمت منه، وخصوصاً أن النقد الاجتماعي، ليس لمجرد النقد بل للإصلاح والتطوير وسد الحاجة، بات متأصلاً فيّ». لكن، هل الكتابة الروائية تحقق الذات وتمدّ الطموح إلى أبعاده المتخيلة؟

يبدو أن طموح الكتابة مقطوع بالسؤال عن إمكانية زوال الغربة لدى مواجهة كل اختبار عن المفقود والمجهول في الكتابة النسوية. ولن يغير الأمر في شيء رفض رضوى عاشور الاستعمار الداخلي والخارجي، وكل ما يطاول إنسانية الإنسان، وحقه في حياة كريمة وعادلة.

كما لن يجدي نفعاً في هذا المجال التوحيد ما بين العام والخاص، لأن تأجيل قضية المرأة، الذي طبع الأعمال الأولى لسحر خليفة «بسبب كابوس الاحتلال»، لم يمنعها من التساؤل عن خصوصية المرأة في ظل مجمل الأطروحات القومية والوطنية والطبقية، ولا أعتقد أن العامل النفسي هو السبب الوحيد الذي دفع سلوى بكر للكتابة مع أنه أعطاها نوعاً من التوازن النفسي، وجعل حنان الشيخ أيضاً تشعر براحة نفسية لدى كتابة الرواية، لأن عالم الكتابة النسوية ممتدّ وواسع الفضاءات.

* الكتاب: الكاتبة وخطاب الذات

* الناشر: المركز الثقافي العربي بيروت 2005

* الصفحات: 128 صفحة من القطع المتوسط