يرصد الأكاديمي والناقد الجزائري الدكتور عبدالقار شرشار، أستاذ التعليم العالي بجامعة وهران ـ الجزائر، الذي نشر العديد من الدراسات حول صورة الآخر في الرواية العربية، والرواية البوليسية والنقد الأدبي في كتابه «خصائص الخطاب الأدبي في رواية الصراع العربي ـ الصهيوني دراسة تحليلية» الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية سنة 2005، الصور والتخيلات التي تحكم الروائي العربي عند تناوله لمسألة الصراع العربي - الصهيوني، محاولا الإجابة عن أسئلة تتعلق بالأفكار المسبقة التي تتحكم في شكل التمثلات.
جعل الناقد لدراسته مدخلا عالج فيه إشكالية تحديد «النوع الأدبي» في الدراسات النقدية الحديثة، من خلال إمكانية البحث عن تأسيس نوع أدبي يُدعى رواية الصراع العربي الصهيوني، معتمدا على مفهوم المدونة في النصوص الروائية التي يفترض أن تحقق مبادئ الشمولية والتمثيلية والانسجام.
وعليه فقد اجتمع في خطاب رواية الصراع العربي ـ الصهيوني مجموعة من العلامات والقرائن مما يستوجب النظر إليها باعتبارها نوعا أدبيا قائما بذاته.حصر الناقد عبدالقادر شرشار نصوص مدونته في كل من روايتي غسان كنفاني: رجال في الشمس (1963)، وعائد إلى حيفا (1969)، و رواية إميل حبيبي الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل (1974)، وأسطورة ليلة الميلاد، (1977) لتوفيق المبيض، و«الحرب في بر مصر» (1978) ليوسف القعيد و«كنت جاسوسا في إسرائيل: رأفت الهجان» (1990) لصالح مرسي، و«سلام على الغائبين» (الطبعة 3-1981) ثم رواية «المرصد» (1980) للروائي حنا مينة.
وهو يصرح بأن النصوص الروائية التي تناولت قضية الصراع العربي ـ الصهيوني قليلة كميا، غير أنه يعتمد في فرضيته النقدية على التركيز على المادة الروائية التي تبنت موضوع الصراع بضخامة مأساته الإنسانية، وأبعاده السياسية والعسكرية والحضارية.
من أجل ذلك، يبحث في الفصل الأول عن خصائص الخطاب الروائي في نص «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» لإميل حبيبي من خلال التعرض للبنيات السردية التي شخصت قضية الصراع العربي ـ الصهيوني، عبر تفكيك العناصر والأشياء والعلاقات قصد إبراز منطقها الداخلي. مما يتيح أمام الروائي إمكانية النفاذ إلى أعماق القضية، غير مهتم بالدعم الإيديولوجي أو الديني للصراع. إذ يحسم الصراع في النهاية حسب إميل حبيبي بحل ميتافيزيقي خيالي يحيل على قراءات مستقبلية لموضوع الصراع.
يضيء الناقد عبدالقادر شرشار قضية الصراع في الفصل الثاني من كتابه من خلال الشخصية في رواية الصراع العربي الصهيوني، منطلقا من قطبين: شخصية الأنا ثم شخصية الآخر.
وهما عنصران يرى فيهما الباحث محورا أساسيا في قضية الصراع. فشخصية الآخر «اليهودي» تبقى صورة مسطحة، لأنها لا تخرج عن القوالب المتكررة مثل المحتال، والطماع والدموي والمصرفي.
أما شخصية الأنا فإنها تمثل في المدونة اتساع الحياة، بحيث، لا يمكن التنبؤ بمستقبل علاقاتها، وأطوار حياتها وهي عكس شخصية الآخر، فإنها تحضر من خلال تجليات متعددة ومتطورة روائيا. وذلك ـ حسب الناقد ـ لأن التركيز على الشخصية العربية وفق ما ينسب إليها من صفات ووظائف يمثل إيديولوجيا الكاتب التي تدعم موقفه من الصراع، وهذا ما أدى إلى بناء شخصية مكررة ومستهلكة لشخصية الآخر.
يبحث الناقد أهم العناصر الموضوعاتية التي تبرز في رواية الصراع العربي ـ الصهيوني، مثل السجن» المعتقل، والحرب وموضوعه النزوح والتهجير الجماعي، بالإضافة إلى عناصر موضوعاتية أخرى، كعنصر الأرض والأسطورة. ويأتي اختيار هذه الموضوعات باعتبارها تحدد ملامح رواية الصراع، من كونها تتميز بالتكرار داخل نصوص المدونة، كما تؤدي وظيفة دلالية فيما يخص التعبير عن الموقف من قضية الصراع.
فالسجن يرد داخل النص من أجل محاورة الآخر في «الوقائع الغريبة» لإميل حبيبي، وفي «المرصد» لحنا مينة. كما كان مجالا للتعرف على وجهات نظر أطراف الصراع العربي ـ الصهيوني. كما أن الحرب تعد من أكثر الموضوعات إنتاجا للدلالة لقضية الصراع. وترد وفق عينة من المفردات المعجمية التي تبلور تجلياتها مثل الثورة والمعركة والقتيل والموت والهزيمة إلخ. وحضور الحرب متفاوت جدا بين نصوص المدونة كما يرى الناقد شرشار.
فبينما يمتد حضورها بنسبة كبيرة في نصوص «أسطورة ليلة الميلاد»، لتوفيق المبيض، و«سلام على الغائبين» لأديب نحوي، و«المرصد» لحنا مينة، و«الحرب في بر مصر» ليوسف القعيد» نجدها تأتي مختزلة في «الوقائع الغريبة» وهي موضوعة يفرض حضورها روائياً طبيعة الصراع ـ الإسرائيلي.
أما عن حقل النزوح والتهجير الجماعي، فهو أكثر الموضوعات تفجيرا لمأساة الإنسان الفلسطيني. وقد تجلى هذا الحقل عبر مستويات عدة، مثل الطفل الذي تقدمه النصوص الروائية خائفا مذعورا، والمرأة الفلسطينية التي تقاوم الوضع الاجتماعي بالتحدي، ومشاهد الدمار التي ترافق الطرد من هدم للقرى ونسف للمنازل.
أما الأرض فإنها تظل تمثل القيمة المركزية في معادلة الصراع العربي ـ الصهيوني، إذ أصبحت موضوعا للرؤية، عبر تفجير دلالة تبحث في لا شرعية الاستيطان الصهيوني. وهذا ما جعل موضوعة الأرض تتماهى مع الدين والتاريخ، والإنسان في نصوص الصراع العربي ـ الصهيوني.
ويركز الناقد الجزائري عبدالقادر شرشار في هذا الفصل أيضا على موضوعة الأسطورة، معتبرا أهميتها في كونها شكل توظيفها في رواية الصراع شكلا من أشكال الهروب من وضع تاريخي متأزم، بفعل العجز عن تفسير الهزائم العربية إلى عالم خيالي يعتمد الطريقة الخرافية في فهم الصهيونية.
انعكس هذا الفهم على إنتاج خرافة التفوق على الآخر «الصهيوني، كما عمت الرغبة في الاحتجاب عن العالم المعاصر، ولعل رواية «رأفت الهجان» : كنت جاسوسا في إسرائيل، لصالح مرسي، تعبر عن أسطورة اختراق «الموساد» المخابرات السرية الإسرائيلية من خلال قدرة شاب مصري تمكن من اختراق شبكة الموساد.
وإنتاج صورة العربي المتفوق على الإسرائيلي. كما أن رحلة الشيخ مرجان في رؤية «أسطورة ليلة الميلاد» قبل الوصول إلى بيت المقدس عبر غزة ما هي إلى صورة من رحلة البطل في الأساطير والحكايات الخرافية. وتنتج رؤية «سلام على الغائبين» لأديب نحوي، أسطورة الفدائي الذي تسند إليه وظيفة خلاص الأمة في قضية الصراع العربي ـ الصهيوني.
بهذا التجلي لهذه الموضوعات، يصل الناقد شرشار في دراسته إلى الدعائم التي تحكم مسألة الصراع العربي الصهيوني في التخيل الروائي العربي وكذا في المتخيل الشعبي، والتي تتحكم فيها تمثلات وصور تضفي صبغة شيطانية على اليهودي «الصهيوني صبغة مثالية على العربي» المسلم. وإقامة تصور ثنائي في التخيل الروائي حيث تحل الصهيونية محل القدر، ويصبح استعمار القدس (فلسطين) هو الخطيئة الأولى.
يصل الكاتب عبدالقادر شرشار في دراسته إلى خاتمة تؤكد الفرضية التي انطلق منها والتي تجعل لرواية الصراع العربي ـ الصهيوني قرائن وعلامات تميزها عن الرواية العربية ككل، كما تعطيها شرعية النوع الأدبي.
د. زهور كرام
* الكتاب: خصائص الخطاب الأدبي في رواية الصراع العربي ـ الصهيوني دراسة تحليلية
* الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت 2006
* الصفحات: 268 صفحة من القطع الكبير
