مؤلفة هذا الكتاب هي الروائية والمفكرة جين داربي، وكانت قد نشرت سابقا العديد من الروايات وكتب السيرة وبخاصة سيرة الرئيس الأميركي دوايت ايزنهاور، وفي كتابها الجديد هذا تتحدث المؤلفة عن واحد من أعظم الشخصيات في تاريخ أميركا، إنه المناضل الكبير مارتن لوثر كنغ.

ومعلوم أنه هو المسؤول عن قيادة الشعب الأسود في أميركا نحو النور والحقيقة، وهو الذي أدى بنضاله الدؤوب إلى نيل السود لحقوقهم المدنية المشروعة، وكانوا مهضومي الحقوق سابقا بل ويعانون من التمييز العنصري في جميع مجالات الحياة: أي في المدرسة والباص، وحتى المطاعم والمقاهي والشوارع.

في البداية تقدم المؤلفة لمحة تاريخية عن حياة هذا القائد الفذ وتقول بما معناه: ولد مارتن لوثر كنغ في اطلنطا يوم 15 يناير من عام 1929، وكان قسيسا بروتستانتيا يناضل من أجل الحقوق المدنية للسود الأميركان الذين هم من أصل إفريقي، ومعلوم أن الاستعمار هو الذي نقلهم بالقوة من بلادهم في إفريقيا السوداء إلى العالم الجديد الذي كان بحاجة إلى من يفلحه ويزرعه ويستصلح أراضيه، وهكذا استعبدهم لمدة قرون طويلة.

ثم بعد أن استغلهم أبشع استغلال راح يذلهم ويهينهم ولا يعتبرهم مواطنين كبقية البشر. وقد ساهم مارتن لوثر كنغ في تشكيل المظاهرات الضخمة وقيادتها في العاصمة واشنطن من أجل ان تقبل الحكومة الفيدرالية بإعطاء السود حقوقهم، أي حق التصويت، ومنع التمييز العنصري ضدهم في المدارس والجامعات والأماكن العامة، وحق التوظيف وإيجاد عمل يحفظ لهم كرامتهم، وبقية الحقوق المدنية الأولية، وهذا ما تحقق بعد نضال طويل ومرير عندما أصدرت الحكومة الأميركية قانون الحقوق، والتصويت على قانون الحقوق ثم تردف المؤلفة قائلة:

وقد اشتهر مارتن لوثر كنغ بالقاء خطاب شهير عام 1963 تحت عنوان: أنا عندي حلم كبير! وهو الخطاب الذي ألقاه أمام تمثال إبراهام لنكولن في واشنطن يوم 28 أغسطس. ومعلوم أن لنكولن دفع حياته ثمناً للدفاع عن السود بسبب محاربته للتمييز العنصري الذي كان سائداً ضدهم وبخاصة في الولايات الجنوبية لأميركا. فقد اغتاله أحد المتعصبين البيض وهو يحضر حفلاً موسيقياً عندما جاءه من الخلف والأضواء مطفأة وأطلق عليه النار.

ومعلوم أن بيل كلينتون عندما سمع خطاب مارتن لوثر كنغ الشهير في واشنطن بكى دموعاً حارة وكان لا يزال شاباً مراهقاً فبعد سنوات طويلة من ذلك الحدث كتب في مذكراته يقول: في حياتي كلها لم أسمع خطاباً سياسياً وفكرياً بمثل هذه القوة، فإذا كان بيل كلينتون الذي حكم أميركا لولايتين متتاليتين يقول هذا الكلام فما بالك بالآخرين؟ حقاً لقد كان مارتن لوثر كنغ خطيباً مصقعاً ولكن ينبغي الاعتراف بان الرئيس كندي تجاوب معه وأيده في مشروعه الكبير.

ثم تردف المؤلفة قائلة: لكي نفهم شخصية هذا الزعيم الفذ يستحسن بنا ان نعود إلى سنوات طفولته ونشأته الأولى. في الواقع انه نشأ في عائلة بورجوازية ميسورة درس الفلسفة وعلم الاجتماع في كلية جامعية تابعة للكنيسة البروتستانتية، ثم تخرج من جامعة بوسطون بعدئذ كدكتور في الفلسفة عام 1955 وعمره لا يتجاوز السادسة والعشرين عاماً.

وكان قد تزوج عام 1953 من سيدة محترمة تدعى كوريتا سكوت. وفي عام 1954 أصبح مارتن لوثر كنغ قسيساً في الكنيسة المعمدانية في ولاية ألاباما، ومعنى ذلك انه كان يصلي في الناس ويلقي عليهم عظة يوم الأحد كما يفعل رجال الدين المسيحيون في العادة ولكن الفرق بينه وبين معظم رجال الدين هو انه كان منفتحاً على العلوم الحديثة وليس منغلقاً على نفسه داخل العلوم التقليدية الموروثة.

كان مارتن لوثر كنغ ذا ثقافة واسعة ومطلعاً على كبار علماء الاجتماع والفلسفة، كان يجمع بين علم الدين وعلم الدنيا، بين الدراسات العلمانية والدراسات اللاهوتية وكان يتمتع بشخصية قوية وأخلاقية عالية ونموذجية.

وقد ابتدأ نضاله السياسي في مدينة مونتغمري في ولاية ألاباما عندما قاد الإضراب العام لمقاطعة الباصات التي تحتقر السود أو تذلهم وتعاملهم معاملة مهينة وقد ابتدأت القصة عندما رفضت سيدة سوداء ان تعطي مقعدها لسيدة بيضاء دخلت إلى الباص بعدها، ومعلوم ان العادة السائدة كانت تقول: ينبغي على كل اسود ان يخلي مكانه للسيد الأبيض لان الأولوية له في كل مكان.

وهكذا اندلعت المقاطعة وقبضوا على مارتن لوثر كنغ وأودعوه السجن بتهمة التحريض على العصيان وتهديد السلام المدني. ولكن المحكمة العليا للولايات المتحدة برأته أخيراً وأعطته الحق في موقفه، وأصدرت قراراً يدين التمييز العنصري في الباصات، والمطاعم والمدارس، وبقية الأماكن العامة الأخرى.

والشيء المدهش في تجربة مارتن لوثر كنغ النضالية هو انه كان من اتباع سياسة اللاعنف: أي المقاومة السلبية للاضطهاد وليس الرد عليه بالعنف أو السلاح والواقع ان المهاتما غاندي كان مثله الأعلى. وقد استطاع ان يصل عن طريق المقاومة السلبية إلى ما لم يستطع الآخرون ان يصلوا إليه عن طريق الحرب والضرب، يضاف إلى ذلك ان إيمانه بسياسة اللاعنف كان دليلاً على إنسانيته وعمق أخلاقيته.

فهو لا يريد ان يرد على الأذى بالأذى، ولا على القتل بالقتل. وضرب بذلك مثلاً أعلى على النضال الإنساني من أجل العدالة والحقيقة، فهو لم يساهم اطلاقاً في سفك دم إنسان ابيض واحد كرد على عدوان البيض الاميركان واحتقارهم للسود. وكان يوصي اتباعه دائماً باحترام الكرامة الإنسانية للآخرين، وكان يقول بان الله تعالى نهانا عن الظلم والقتل وبالتالي فلا ينبغي ان نسقط في سياسة رد الفعل التي تؤدي إلى فقدان السيطرة على النفس وارتكاب مالا تحمد عقباه.

فإذا كان الآخرون أشراراً فلا ينبغي أن نصبح أشراراً مثلهم لأن ذلك يسيء إلى قضيتنا العادلة، ويعني أننا أصبحنا، مثلهم، وهكذا طبق مارتن لوثر كنغ المبدأ الإنجيلي المشهور: من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر.. وكان بذلك وفياً للسيد المسيح.

ونظراً لنضاله وتضحياته فإن أكاديمية استوكهولم منحته عام 1964 جائزة نوبل للسلام، وقد منحته إياها لأنه تلميذ لغاندي وعضو في الفرع الأميركي للحركة الدولية للمصالحة بين البيض والسود، كما إنه يعتبر أحد كبار دعاة السلام وسياسة اللاعنف في القرن العشرين.

وقبل أن يموت راح مارتن لوثر كنغ يضيف إلى معركته من أجل السود معركة أخرى ضد الفقر ومن أجل الفقراء، لا ريب في أن غالبية السود كانوا من الفقراء ولكن ليس كلهم على عكس ما نتوقع، فقد كان فيهم أغنياء، موسرون بمن فيهم عائلة هذا المناضل الشهير. ولكن الأكثرية كانت ظروفها صعبة.

وقد انخرط الزعيم الأسود في هذه المعركة الجديدة من أجل فقراء البيض أيضاً، وليس فقط من أجل فقراء السود، وأثبت بذلك أنه قادر على تجاوز نفسه أو عصبيته والارتفاع فوق جراحاته الشخصية، وبرهن على أنه لم يحقد على البيض كبيض، وإنما حقد على التمييز العنصري فقط، فالبيض هم اخوته في الإنسانية والبشرية، وجميعنا عباد الله في نهاية المطاف لا فرق بين أبيض وأسود.

ثم تختتم المؤلفة كلامها قائلة: ولكن ويا للأسف الشديد فإن هذا الرجل العظيم تعرض للاغتيال بالرصاص يوم 4 ابريل من عام 1968 وعمره لا يتجاوز التاسعة والثلاثين، وكان يخطب في الناس على سطح البلكون أو شرفة أحد الفنادق، وفجأة تطلق عليه رصاصات الغدر فيتهاوى وهو يلفظ كلماته الأخيرة دفاعاً عن الحق والعدل، عن المظلومين والفقراء.

وقد انتشر خبر موته كالصاعقة في كل أنحاء أميركا، وحصلت اضطرابات كبيرة فيما لا يقل عن ستين مدينة أميركية، وبعد أربعة أيام من ذلك التاريخ أعلن الرئيس ليندون جونسون الحداد الوطني عليه باعتباره زعيم الحركة المطالبة بالمساواة في الحقوق المدنية بين البيض والسود.

وفي اليوم نفسه مشى في جنازته جمهور غفير لا يقل عن ثلاثمئة ألف شخص، ويبدو أن قاتله كان من أتباع التمييز العنصري: أي من اليمين الأميركي المتطرف، ويدعى جيمس ايرل راي، وقد لاحقته اللعنة الأبدية حتى اليوم.

* الكتاب: مارتن لوثر كنغ

* الناشر: مجموعة ليرنر بوبليشنغ نيويورك 2006

* الصفحات : 112 صفحة من القطع الكبير

Martin Luther King

Jean Darby

Lerner Puplishing Group

New york 2006

P.112