من جديد يعود الروائي الاسترالي بيتر كاري ليطل في روايته الجديدة ذات العنوان المزدوج »سرقة ـ قصة حب«، ولكن الإطلالة هذه المرة هي عبر قصة أخوين لدودين، حيث تطل امرأة من النوع الفاتن إلى حد القتل لتقلب عالمهما الهادئ حد الضجر رأساً على عقب. ويلفت نظرنا، على الفور تقريباً، أن الرواية تروى على لسان الأخوين بصورة متداخلة.
نحن في البداية مع مايكل بوتشر بون الرسام الاسترالي الذي يتمتع بموهبة وشهرة هائلتين. والآن وقد خاض معركة الطلاق مع زوجته التي فقد فيها ابنه وداره ومرسمه ومعظم ماله ولوحاته، وجد نفسه مضطراً للذهاب إلى دار يملكها أكبر جامعي لوحاته حيث يرعى هناك أخاه هيو، الذي كان يرعاه منذ موت والديهما، على الرغم من علاقة هيو مع الحياة التي تقوم أساساً على تبادل الكلمات.
ولكي تكتمل دائرة هذا المشهد، فإنه ذات ليلة تدفقت فيها الأمطار سيولاً تطرق بابهما شابة فاتنة، أنيقة، بعد أن ضلت طريقها في ريف نيو ساوث ويلز الممتد بلا انتهاء.هذه الحسناء التي تطل منتعلة حذاء ارتفاع كعبه ثلاث بوصات في قلب المطر ليست إلا مارلين، زوجة أوليفر ليبوفيتز، نجل الرسام الكبير ليبوفيتز الذي كان أحد كبار الرسامين في أوائل القرن العشرين الذين تأثر بهم مايكل في مستهل مسيرة حياته الإبداعية.
لا تتردد مارلين في القول إن الدار تضم إحدى لوحات ليبوفيتز الرائعة المنسية، وسرعان ما يجد الأخوان ما يكل وهيو نفسيهما غارقين حتى الآذان في تحقيق جنائي دولي يتضمن تزوير لوحات ومبالغ طائلة وجريمة قتل.
غير أن هذا كله لا يبعد مايكل عن حبه الجارف لمارلين، وهو الحب الذي يهدد بترك هيو ضائعاً في عالم لا يعرف السماح ولا الغفران.وبدوره يجد القارئ نفسه مع حشد من المشاهد المذهلة في استراليا واليابان ونيويورك، حيث تجرى الأحداث المحتدمة التي شجعت الناشر على أن يجعل الطبعة الأولى ذات الغلاف السميك من هذه الرواية تتألف من 75 ألف نسخة، وهو رقم ليس بالهين في ضوء ارتفاع ثمن هذه النسخ تقليدياً وإقبال النخبة عليها وحدها في حين تنتظر الجموع الحاشدة من القراء عادة صدور الطبعة ذات الغلاف الورقي.
فور صدور الرواية تعددت الأصداء التي خلفتها على صفحات أبرز الصحف والمجلات والمطبوعات والمواقع المعنية بالأدب الجاد.في صحيفة »واشنطن بوست«، على سبيل المثال، نقرأ رأياً حماسياً للناقد رون تشارلز، يصل إلى قمته في قوله: »رواية رائعة تدور حول الفن الحديث، وتبدو قدراً محتماً بالنسبة لكاري. هل يمكن أن تكون هناك دار مرايا لا تقاوم أكثر من هذا بالنسبة لمؤلف مفتون بالخداع والمراوغة؟ إنها رواية متألقة تبدو كما لو كانت تنوم القراء مغناطيسياً، وأصيلة تماماً».
وفي موقع »صالون« الالكتروني تشير الناقدة لورا ميللر إلى أن رواية كاري الجديدة لا تقل قدرة على استقطاب القراء عن رواياته السابقة، وهي ترى أنها رواية تحر بشكل ما بكل عناصر المؤامرة والمرأة القادرة على أن تفتن الرجال وتتقن التلاعب بهم، وهي تقدم لنا إطلالة نادرة على عالم سوق الفن التشكيلي الدولي بكل ما يموج به من تناقضات. وهناك ـ بالطبع ـ العديد من الروايات التي تدور حول اللوحات ومبدعيها، ولكن هذه الرواية تتميز بأنها تنبض بالحياة، وكاري ينجح على صفحاتها في القيام بهذا الشيء الصعب، وهو نقل عبقرية فن عبر فن آخر.
وفي مجلة »كيركوس« المتخصصة نقرأ إشادة بحبكة رواية كاري وبتمكنه من التفاصيل الدقيقة لعالم الفن التشكيلي وحياة الفنانين، حيث يصلنا هذا كله على جناحي نثر لاهث يضج بالحياة وبالحركة وبالطاقة المتوهجة. ونقرأ أيضاً إشارة إلى أن هذه الرواية الجديدة تعد بمثابة متابعة من نوع ما لرواية كاري »إيليوكر« المفعمة بأجواء التشرد والمغامرة. ويختتم هذا كله بالتساؤل عما إذا كاري مدرجاً في القائمة القصيرة للمرشحين للفوز بجائزة نوبل في الأدب، والتأكيد على أنه ينبغي أن يدرج فيها على وجه السرعة.
أما مجلة »ببلشرز ويكلي« المتخصصة في عروض الكتب فترى في تناولها للرواية أن الكثير من القراء سيتوقفون مطولاً حيال المشاهد التي يقدمها كاري في ريف استراليا امتداداً إلى اليابان ووصولاً إلى نيويورك.
وتعرب مجلة »بوكلست« عن اعتقادها بأن كاري يقدم عالماً كاملاً وجديداً بأسره في كل رواية يصافح بها القراء، وأن روايته الجديدة تعكس جدة بالغة وجاذبية شديدة وبصفة خاصة في صوتي الراويين اللذين نقرأ الرواية عبرهما، وأن كاري يطل في أفضل حالاته من حيث قدرته على توظيف عناصر ومؤثرات السخرية من سوق الفن التشكيلي الدولي، وأنه يصل إلى ذروة رفيعة في تصوير شخصيات اللامنتمين الهاربين من قيود وضوابط حياتهم الصارمة، وذلك على جناحي قدرة الفن الهائلة على التغيير والتحويل.
وتشير الناقدة دونا سيمان على موقع رابطة مكتبات أميركا إلى أن كاري يفلح عبر هذا العمل الجديد في لفت نظرنا من جديد إلى اهتماماته التي طالما شغلته وفي مقدمتها الافتتان بالجانب الشيطاني من الطاقة الإبداعية ومسائل الأصالة والتزييف في الفن التشكيلي العالمي.
وهي تلفت نظرنا إلى قدرة مارلين على تحقيق التضارب بين مايكل وهيو وجان بول أبرز جامعي لوحات مايكل، ليس بفعل جمالها الأخاذ فحسب، وإنما بحكم ذكائها المتوقد الذي يوقع بالرجال الثلاثة في دائرة متاعب لا حصر لها، وهكذا فإنها تطلق سلسلة من الأحداث التي يمكن أن تفضي بهم جميعاً إما إلى الدمار أو إلى التحقق من دون حل وسط.كل هذه الإشادات المتوالية التي واكبت إطلالة رواية كاري ما كان يمكن إلا أن تحيل من يقرأها ويحللها إلى الجانب الآخر من رؤية النقاد، وهو الجانب الذي لا يتردد في الإعراب عن عدم سعادته بالعمل الجديد وملاحظاته الانتقادية.
من الغريب حقاً أن نلاحظ أن هذا الجانب لا يكاد يكون له وجود، غير أن ثمة إشارات إلى أن تقديم الرواية عبر صوتي الأخوين مايكل وهيو بصورة متراوحة كان ينبغي أن يتم توسيع نطاقه ليشمل أيضاً صوتي مارلين وجان بول، وبالتالي يحقق اكتمال دائرة رؤية أبطال العمل لأحداثه.
ربما كان من شأن هذا الاقتراح أن يؤدي بالرواية إلى أن يتضاعف حجمها مقارنة بما هي عليه الآن، وهو اتجاه كان كاري يعارضه، دوما فرواياته التسع كلها من النوع الرشيق الذي لا يقفز إلى مراكمة المئات من الصفحات بالنسبة لأي رواية منها، وربما كان ذلك يرجع في حقيقة الأمر إلى بذور انطلاق كاري إلى عالم الإبداع الأدبي على جسر من الكتابة الإبداعية للإعلانات في وكالة للإعلانات،
بل أننا نعرف أنه أنشأ وكالته الإعلانية الخاصة مما يشير إلى نجاحه الكبير في هذا العمل، وهو ما فرض عليه منذ البدايات الباكرة الميل إلى الاختصار واللغة الرشيقة والبعد الصارم عن الاسترسال والترهل في الكتابة.ربما لهذا على وجه الدقة فإن ناشر الكتاب، الفريد نوف، يحرص على الإشارة في معرض التعريف بجوانب التميز في الرواية الجديدة إلى أننا على جناحي قلم رشيق يجيد التحكم إلى حد الصرامة فيما يقدمه سنلتقي بعناصر الاستحواذ والخديعة والتحرر وكلها تضمها في آن رواية تشويق، لاهثة الإيقاع، مشحونة بعناصر الطرافة والجدة والقدرة على الاستقطاب.
وكأنما في تحسب لما يمكن أن يوجه من الانتقادات إلى تقديم العمل عبر صوتي مايكل وهيو المتراوحين، يحرص الناشر على التأكيد على تكامل هذين الصوتين وتضفيرهما لنسيج الرواية على نحو بالغ الاتقان.هكذا فإننا مع الصوت الأول، صوت مايكل، سنجد أنفسنا حيال دفق لا ينقطع من الملاحظات الذكية، المبنية على المنطق والعناصر السببية، والتي تحمل أصداء الإقامة طويلاً في مدينة متدفقة بالحركة والحياة مثل سيدني.
في مفارقة تامة لذلك، سنجد أن الصوت الثاني، صوت هيو، هو صوت غامض وملتبس وغارق في الضبابية، ولكنه في الوقت نفسه غالباً ما يحمل طابعاً شعرياً لا يمكن إلا أن يتوقف القارئ عنده، وهو صوت فريد إلى حد كبير، وتظل مقاطع بكاملها من سرده للأحداث تداعب خيال القارئ بعد الوصول إلى ختام الرواية.أياً كان الأمر، فإن هذه الرواية تعيد تذكيرنا بقوة بموهبة كاري المحلقة عالياً وبقدرته على أن يقدم لنا شخصيات مقنعة وفاتنة تبقى في ذاكرتنا طويلاً، وسرداً قوياً ومتماسكاً على نحو مدفي قلب المتاعب
«لست أدري ما إذا كانت قصتي عظيمة بما فيه الكفاية لكي تكون تراجيديا، وذلك على الرغم من أن الكثير من المتاعب يحدث فيها. ومن المؤكد أنها قصة حب، ولكن ذلك لم يبدأ إلا بعد أن أصبحت في قلب المتاعب، وبحلول ذلك الوقت لم أكن قد فقدت ابني البالغ من العمر ثماني سنوات فحسب، وإنما فقدت كذلك داري ومرسمي في سيدني،
حيث كنت في وقت من الأوقات قد أحرزت من الشهرة القدر الذي يمكن لأي رسام أن يتوقعه في موطنه. كان ذلك هو العام الذي ينبغي أن أحصل فيه على وسام استراليا ـ لم لا؟ ـ تأملوا من الذين منحوهم هذا الوسام! وبدلاً من ذلك فقد سرق ابني مني، وقضى عليّ محامو قضايا الطلاق، وسجنت لمحاولتي استرداد أفضل لوحاتي التي انتزعت مني بغير وجه حق.
عندما خرجت من سجن لونج باي في ربيع 1980 ، علمت بأنني سيتم إرسالي في التو إلى شمالي نيو ساوث ويلز، حيث على الرغم من عدم وجود مال أنفقه على نفسي، فقد ساد الاعتقاد بأنني يمكن أن أرسم لوحات صغيرة وأرعى هيو، أخي ذا الاحتياجات الخاصة الذي يبلغ وزنه مئتين وعشرين رطلاً.
أقبل محامي والمتعاملون في لوحاتي وعشاق جمعها معاً لإنقاذي، وكانوا لطفاء للغاية، وكرماء. لم يكن بمقدوري الاعتراف بأنني ضقت ذرعاً برعاية هيو، وبأنني لا أرغب في مغادرة سيدني. ولما كنت أفتقر إلى قوة الشخصية التي تسمح لي بقول الحقيقة فقد سمحت لنفسي بأن يتم إرسالي إلى الطريق الذي اختاروه لي. وعلى بعد مئتي ميل إلى الشمال من سيدني، في تاري، بدأت في السعال ليتدفق الدم إلى حوض فندق صغير، حمداً لله ليس بمقدورهم الآن ارغامي على القيام بما لا أريده».
مقتطف من رواية «سرقة ـ قصة حب»
* الكتاب: سرقة ـ قصة حب
* الناشر: الفريد نوف نيويورك 2006
* الصفحات: 272 صفحة من القطع المتوسط
Theft -A Love Story
Peter Carey
A.Knopf - N.Y2006
p. 272
