مؤلف هذا الكتاب الدكتور فاروق حمادة كاتب مغربي وأستاذ جامعي يدرّس السنّة وعلومها بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة محمد الخامس ـ الرباط. له مؤلفات عدة في التاريخ والعقيدة الإسلامية منها: «مناهج البحث في الدراسات الإسلامية» و«مصادر السيرة النبوية» و«آباء وأبناء» و«الدوحة النبوية الشريفة».
ويأتي كتابه هذا في وقت تشتد فيه الأزمة بين العالم الإسلامي والغرب، وتطرح فيه مقولات مثل صراع الحضارات، وصراع الأديان، بدلا من الحوار والتفاهم والتسامح، ومن هنا فالباحث يحاول أن يؤصل لتاريخ العلاقات الإسلامية النصرانية في العهد النبوي، وما ساد هذه العلاقات من انفتاح وتواصل قل أن نجد نظيره في عالمنا المعاصر. ويشتمل هذا الكتاب على تمهيد، وأربعة أبواب، وخاتمة، وسردا بأهم المصادر والمراجع العربية.
يشير الباحث في تمهيده للكتاب إلى أن الديانة النصرانية كانت تحيط بأرض العرب من ثلاث جهات: من الشمال في الشام، ومن الجنوب في مصر والحبشة، ومن الغرب روما وأوروبا. وأن بداية التواصل والتلاقي بين المسلمين والنصارى كانت بداية طيبة في مطلع الإسلام،
حيث تمت أول هجرة في الإسلام إلى الحبشة التي كانت تدين بالنصرانية، وفيها أمن المسلمون على أرواحهم في خير جوار، وبقيت ذكريات تلك الأيام في جوانحهم يروونها للأجيال، لما أحسوه من الأمن وإقامة شعائر دينهم وعبادتهم دون ظلم أو تهديد.ويؤكد الباحث أنه لم يقصد من كتابه هذا أن يكون فقهيا يؤصل للحلال والحرام، ولا بحثا في العلاقات الدولية، أو بيان أسس وقواعد دولة الإسلام، بل أراده أن يكون منطلقا للخاص والعام، وأرضية للتلاقي والتفاهم والانسجام، وزاوية لحسن النظر للأمام.
ثم يتحدث الباحث عن «أبواب العلاقات» التي تم من خلالها التواصل بين المسلمين والنصارى، ويرى أنها تكاد تنحصر في أربعة، هي: الرسائل والسفراء، والوفود، والسرايا والغزوات، والمعاهدات.
ويبين الباحث أن النبي راسل هرقل الروم أكثر من مرة، أولاها بعد صلح الحديبية، ومرة أخرى وهو في غزوة تبوك من السنة التاسعة، وتدل بعض النصوص على مراسلة أخرى. والنصوص التي تتحدث عن هذه المراسلات وفيرة جدا، وفي بعضها ما ليس في الآخر .
فعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام، وبعث بكتابه مع دحية الكلبي، وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر، وكان قيصر لما كشف الله عنه جنود فارس، مشى من حمص إلى إيلياء شكرا لله عزّ وجلّ فيما أبلاه من ذلك، فلما جاء قيصر كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
التمسوا لي ها هنا من قومه أحدا نسألهم عنه. ثم يثبت الباحث الرسائل المتبادلة بين النبي والمقوقس عظيم القبط في مصر، ويذكر أن المقوقس بعدما قرأ رسالة النبي ودعوته من خلالها إلى الإسلام قال: إني قد نظرت في أمر هذا النبي فرأيته لا يأمر بمزهود فيه، ولا ينهى عن مرغوب عنه، ولم أجده بالساحر الضال، ولا الكاهن الكاذب، ووجدت معه آلة النبوة بإخراج الخبأ، والإخبار بالنجوى، وسأنظر في ذلك.
أما رد النجاشي على كتاب النبي فقد كان واضحا في تأكيد العلاقة الطيبة بين الإسلام والنصرانية، وفيه يقول: «أما بعد: فقد بلغني كتابك يا رسول الله، فما ذكرت من أمر عيسى، فورب السماء والأرض أن عيسى لا يزيد على ما ذكرت ثفروقا (أي العلاقة ما بين النواة وقمع التمرة) وأنه كما ذكرت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقد قرّبنا ابن عمك وأصحابه، وأشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك، وأسلمت على يديه لرب العالمين».
أما الحارث بن أبي شمر الغساني فقد كان رده الامتناع عن الدخول في الإسلام، وقد منعه من ذلك النخوة الجاهلية، والاعتداد بالقوة التي كان يملكها، واتكاؤه على أسياده الروم الذين كان يقوم منهم مقام الحارس للحدود.
وبعدما أسلم جبلة بن الأيهم الغساني رداً على كتاب النبي، عاد وارتد عن الإسلام، ثم دخل معركة اليرموك مع هرقل، فأرسل إليه عمر بن الخطاب عمير بن سعده وأمره أن يتلطف إليه ليرجع فأبى، واستمر مع حاشيته في بلاد الروم إلى أن هلك.
وكانت الرسالة الأخيرة من بين الرسائل التي بعثها النبي في تلك الحقبة رسالته إلى ضغاطر الأسقف الرومي كبير علماء النصرانية في عصره، والذي رد عليها بقوله إلى دحية: «صاحبك والله نبي مرسل، نعرفه بصفته، ونجده في كتابنا باسمه» وكان مثالاً لطائفة غير قليلة ممن اهتدى للحق.
وتحت عنوان «الوفود» يواصل الباحث عرض سبل التواصل بين الإسلام والنصرانية وشكل العلاقة فيما بينهما من خلال الوفود التي وردت إلى النبي في وقت مبكر وتكاثرت إليه سنة تسع. وكان للنبي اهتمام بالوفود استقبالاً، وضيافة وتجملاً، وجوائز، فكان يجري عليهم الضيافة، ويحسن استقبالهم ويسائلهم ويتردد عليهم، ويلبس أحسن الثياب لاستقبالهم.
وقد خصص داراً لنزول الوفود ـ دار الضيافة ـ وكأنها كانت معروفة لدى الصحابة والقادمين وكان يحسن إلى وفود النصارى ويكرم وفادتهم بالجوائز والهدايا، ويسأل عنهم وعن أحوالهم، ويوصى من ينزلون عندهم أو من يقوم على خدمتهم بهم خيراً، وكان لكل وفد معه موقف وخصوصية سجلتها صحائف الوجود، لتروي للأجيال مثالاً على نبوة محمد وعالمية رسالته، وشموليتها لكل شؤون الحياة، ومن تلك الوفود التي وفدت على النبي صلى الله عليه وسلم: وفد نجران، وتغلب، وجذام، وفروة بن عمرو الجذامي، وعدي بن حاتم والجارود العبدي، وغسان، وسلمان، والداريين، ووفد بلي.
ثم ينتقل الباحث إلى «الغزوات والسرايا» مشيرا إلى أن رسول الله قد غزا بنفسه الشريفة غزوات عديدة بلغت ستاً وعشرين غزوة أو سبعاً وعشرين، وقيل أكثر أو أقل، وأرسل سرايا وبعوثاً كثيرة زادت على خمس وثلاثين مابين بعثة وسرية. ولم يكن في جميع غزواته أو سراياه بادئاً بقتال، أو طالباً لدنيا، بل كل ذلك كان هداية للناس أو تحريراً للعقول، ورفعاً للظلم، مما جعل هذه الغزوات أنموذجاً للتعامل العربي في الحروب والأسارى.
بعدها يعرض الباحث المعاهدات التي تمت بين النبي والنصارى ممن صالحوه ومنها معاهدة: أكيدر ـ دومة، مع أكيدر بن عبد الملك السكوني بدومة الجندل، وكان أكيدر ـ من كنده قد ملكهم، وكان نصرانياً. ومعاهدة يوحنا بن رؤبة، وكان نصرانياً وملكاً على آيلة وما حولها، ومعاهدة أهل جرباء وأذرح الذين كانوا خليطاً من النصارى واليهود وغيرهما.
ويخلص الباحث في الخاتمة إلى القول إنه يتبين من خلال الأبواب الأربعة التي عبر المسلمون منها إلى عالم النصرانية بأن ملوك النصرانية وعظماءها، وأحبارها لم يجابهوا دعوة النبي بحرب ضروس، ولا برد شنيع أو قول فاحش، كما صنع ملك فارس، أو كما فعل اليهود، بل استقبلوها بترحاب وتقدير ومودة وأكرموا رسل النبي وحملوهم الهدايا الفاخرة والتحف النادرة،
وأعزها وأغلاها مارية القبطية أم إبراهيم بن الحبيب المصطفى، وتمنوا كلهم أن يكونوا من أتباعه المقربين لديه وأحبابه، فقد حفظ هرقل رسالة النبي وورثها إلى ذريته كأعز ما يورث من نفائس، كما آمن منهم النجاشي وحظي عند موته بصلاة الغائب من رسول الله، ولما جاءت وفودهم من نجران وغيرها أفراداً وجماعات لقوا من رسول الله وصحابته كل ترحيب وحاورهم وسألهم وحاوروه وسألوه.
نذير جعفر
* الكتاب: العلاقات الإسلامية النصرانية في العهد النبوي
* الناشر:دار القلم ـ دمشق 2005
* الصفحات:364 صفحة من القطع الكبير

