مؤلفة هذا الكتاب هي الباحثة الفرنسية نيلي شميدت مديرة قسم في المركز القومي للبحوث العلمية الفرنسية، كما أنها عضوة في اللجنة الفرنسية المشرفة على ذكرى العذاب الذي لاقاه العبيد السود نتيجة نظام الرق الذي تاجر بهم طيلة عدة قرون،.
وأبحاثها تتركز عموماً على إلغاء نظام الرق في الغرب والعالم كله، وعلى السياسات الاستعمارية الأوروبية بين القرن الثامن عشر والقرن العشرين، وكانت قد نشرت عام 1994 كتاباً مهماً عن قصة حياة الشخص الذي ساهم أكثر من غيره في إلغاء نظام الرق: فيكتور شولشير.ينقسم الكتاب في هيكليته العامة إلى اثني عشر فصلاً مع مقدمة قصيرة وخاتمة. الفصل الأول يتحدث عن السياق التاريخي الذي حصلت فيه الاحداث المأساوية التي أدت إلى أسر السود من بلادهم في افريقيا السوداء وتحويلهم الى عبيد مسلوبي الحرية والإرادة.
وأما الفصل الثاني من الكتاب فهو مكرّس للموضوع التالي: من افريقيا إلى القارة الأميركية: العبيد الأوائل والانتفاضات الأولى.
وهنا تستعرض المؤلفة تاريخ الرق منذ القرن التاسع الميلادي حيث حصلت ثورة الزنج في جنوب العراق وكانت أول انتفاضة للسود ضد نظام الرق أو الاستعباد، ثم تلتها ثورة القرامطة الشهيرة.
وبعدئذ حصلت الثورات في المستعمرات الفرنسية والأميركية ضد نفس النظام الجائر الذي يعامل الأسود كحيوان مستعبد وليس كإنسان، نقول ذلك ونحن نعلم ان المتاجرة بالسود بدأت منذ القرن الخامس عشر.
وقد اغتنى من ورائها الكثير من تجار أوروبا الاستعمارية. وكانوا يذهبون إلى البلاد الإفريقية ويقبضون على السود كما يقبضون على الحيوانات ثم ينقلونهم غصباً عنهم على ظهر البواخر إلى القارة الأميركية لاستخدامهم في زراعة القطن أو قصب السكر أو لاستصلاح الأراضي الجديدة بكل بساطة.
ومعلوم ان القارة الأميركية كانت عذراء بكراً آنذاك. وبالتالي فكانت بحاجة إلى عمال وسواعد قوية من أجل فلاحتها وزراعتها، ولهذا السبب لجأوا إلى استيراد الأفارقة السود كما تستورد البضائع أو السلع، ولكن الكثيرين منهم كانوا يموتون أثناء الطريق بسبب الجوع أو سوء المعاملة أو تغير الأجواء بالنسبة لهم، الخ.
وأما الذين يصلون سالمين إلى أميركا فكانوا يستغلون استغلالاً بشعاً من قبل أسيادهم، بل ويضربون أحياناً بشكل يومي لكي يشتغلوا أكثر فأكثر. ولكن البعض كانوا يقاومون سوء المعاملة هذه ويتجرأون على الاحتجاج، وهذا ما توضحه المؤلفة في الفصل الثالث من كتابها والذي يحمل العنوان التالي: المقاومة كل يوم.
كل يوم كان العبد الأسود يتعرض للإهانة والقمع والشتم والاحتقار. وكل يوم كان مضطراً إما للاستسلام في معظم الأحيان وإما للمقاومة في بعض الأحيان إذا ما تجرأ على ذلك.
ثم تتحدث المؤلفة في الوقت ذاته عن كيفية نقل هؤلاء الساكنين من قراهم وحياتهم في افريقيا السوداء إلى البلاد البعيدة في جزر الكاريبي أو البرازيل أو أميركا الشمالية والجنوبية، وبالتالي فكل سود أميركا الحاليين هم من أحفادهم. كوندوليزا رايس من أحفادهم مثل كولن باول أو مارتن لوثر كنغ أو ملايين آخرين.
أما الفصل الرابع من الكتاب فتخصصه المؤلفة للتحدث عن موقف فلاسفة التنوير من قضية استبعاد السود، هذا في حين أن الفصل الخامس يشرح كيف استطاع السود أن يزعزعوا النظام الاستعماري والاستبعادي في جزر الكاريبي بعد أن ثاروا عليه.
وتتحدث الفصول التالية من الكتاب عن السيرة الطويلة والمتعرجة للسود نحو الحرية وإجبار أسيادهم البيض على الغاء نظام الرق في نهاية المطاف. كما وتتحدث عن نضال التقدميين البيض من أجل تحرير العبيد، فليس كل الأوروبيين استعماريين أو ساديين، وإنما ظهرت فيهم حركات طيبة ذات نزعة إنسانية تشفق على الإنسان الأسود وتستنكر معاملته بهذه الطريقة اللا إنسانية.
فيما يخص موقف فلاسفة التنوير من مشكلة استعباد السود الأفارقة والمتاجرة بهم تقول المؤلفة ما معناه: في عام 1788 تأسست جمعية أصدقاء السود في باريس بتأثير من التيار الفكري أيضاً لنظام الرق والعبودية، ومعلوم أن هذا التيار كان قد تأسس منذ بداية القرن على يد الفلاسفة، والسياسيين المستنيرين.
وكان تياراً عريضاً يشمل عواصم الغرب كله، من فيلاديلفيا في الولايات المتحدة الأميركية، إلى باريس عاصمة التنوير الأوروبي، إلى لندن عاصمة العلم والصناعة والسياسة.. إلخ.
وكان فلاسفة التنوير في مجملهم معارضين لنظام الرق والاستعباد، نذكر من بينهم ديدرو، جان جاك روسو، كوندورسيه على وجه الخصوص، وأما فوستير ومونتسكيو، فعلى الرغم من إدانتهم له إلا أنهم اعتبروه شراً ضرورياً في تلك اللحظة على الأقل.
وأما كوندورسيه فكان موقفه صريحاً واضحاً، ومعلوم أنه نشر كتاباً عام 1781 تحت عنوان: تأملات حول استعباد السود، وفيه يدين بشكل قاطع هذا النظام الجائر المضاد لكل القيم الإنسانية والأخلاقية. ثم تردف المؤلفة قائلة:
إن كتابات ديدرو وجان جاك روسو وكوندورسيه وميرابو والأب غرينوار ضد نظام الرق ظلت مرجعية عليا لكل السياسيين والمثقفين حتى القرن العشرين، بل ويمكن القول بأنها هي التي ألهمت القرارات الأساسية للأمم المتحدة تجاه هذه المسألة، وبالتالي فإن الأفكار الأساسية المضادة لنظام الاستعباد والاستعمار كانت قد بلورت في ذلك القرن العظيم:
قرن التنوير، وعليها اعتمد السياسيون في القرن التاسع عشر من أجل إقناع الحكومات بإلغاء نظام الرق نهائياً، وهذا ما حصل في فرنسا بعد الثورة الفرنسية وإن كان نابليون قد عاد إليه جزئياً عام 1802 ثم صدر قانون الإلغاء القطعي عام 1848.
نقول ذلك ونحن نعلم أن جان جاك روسو أدان كل المشاريع الكولونيالية أو الاستعمارية منذ عام 1754 تاريخ صدور كتابه الشهير: مقال عن أصل الظلم واللامساوة بين البشر. وكذلك فعل في مقالته عن الاقتصاد السياسي والتي كان قد كتبها للموسوعة الشهيرة التي سيشرف عليها ديدور ودالامبير.
والواقع ان الثورة الفرنسية التي رفعت شعار: حرية، مساواة، إخاء، كان بإمكانها ان تستمر على نظام العبودية القديم. ولذلك أصدرت قراراً بإلغائه عام 1794: أي بعد أربع أو خمس سنوات من اندلاع الثورة. ولكن يمكن القول بأن تمرد العبيد السود في جزيرة هاييتي هو الذي دفع بالثوار الفرنسيين إلى إصدار هذا القرار التاريخي السابق لأوانه في الواقع.
لماذا سابق لأوانه؟ لأن النفوس في الغرب لم تكن قد أصبحت مهيأة لتقبله. كان يلزمها نصف قرن آخر لكي تتطور العقليات وتقبل به. وهذا ما حصل بالضبط عام 1848.
* الكتاب:إلغاء نظام الرق
خمسة قرون من النضال من القرن السادس عشر إلى القرن العشرين
* الناشر: فايار ـ باريس 2006
* الصفحات: 412 صفحة من القطع الكبير
L'abolition de L'esclavage Cinq sielles de combats xvi - xx' siecle
Nelly schmidt
fayard- paris 2006
p . 412

