عملت مؤلفة هذا الكتاب لمدة عقدين كاملين في ميدان النشر والصحافة الأدبية. تتعاون حالياً مع مجلة الكتاب الأسبوعية «ليفر هيبدو». سبق لها ونشرت كتاباً في ميدان اهتمامها تحت عنوان «المؤلف ـ الناشر، عملية إبداع خاضعة للمؤثرات».
هذا كتاب عن الكتب التي تضاعف عدد المنشور منها خلال السنوات العشر الأخيرة، رغم كل ما قيل عن التهديد الذي يمثله الكتاب الالكتروني. الآراء عديدة حول هذه الزيادة الكبيرة في عدد الكتب.
ولا يتردد البعض في توجيه النقد ضدها، بينما يتفق الجميع تقريباً على أن مدة بقاء الكتاب معروضاً في مكتبات البيع لم تكن أقصر مما هي في تاريخ النشر، ذلك أن كل كتاب يدفع الآخر مهما كان الموضوع والمحتوى، كذلك لم يكن إرسال الكتب إلى «ورشات الإتلاف» أقرب مما هو اليوم.
والفصل الأول من هذا الكتاب يحمل عنوان «إتلاف مبرمج». فهل هناك الكثير من الكتب؟ تتساءل المؤلفة، وتجيب: «نعم هناك الكثير من الكتب ضمن المقياس الذي ربما غدا من المستحيل إيصال كل كتاب منها إلى قارئه». ثم تنقل عن الكاتب الكبير إميل زولا قوله عام 1880:
« تُنشر في فرنسا كل عام آلاف المجلدات.. وعندما يرى المرء أشكال الفقر وطوفان الأعمال المتواضعة التي تزدحم فيها الواجهات لابد وأن يتساءل عن عدد الكتب الكبيرة التي يمكن للناشرين أن يرفضوها، لكن هؤلاء الناشرين «لا يترددون في إتلاف الملايين من الكتب كل سنة، في الوقت الراهن.
كما تؤكد المؤلفة قبل أن تقدم للقارئ بعض الأرقام عن الحالة في فرنسا، إذ يبدو أن 35 مليون كتاب هي كمية المسترجع لدار نشر «هاشيت» يتم إتلاف نفسها، ويتم تقدير مجموع الكتب المتلفة في فرنسا سنوياً حوالي 54 مليون كتاب.
إن عدد الكتب التي تعرضها دورة التوزيع فتقارب 450 مليون كتاب، يضاف إلى هذا أن آلاف الكتب لا تخرج من المطابع ولا تدخل بالتالي دورة التوزيع إذ يأمر الناشر بإتلافها بسبب قلّة الطلب على الكمية الأولى المطروحة في السوق.
تقول المؤلفة: «هناك 50000 عمل جديد منظور كل سنة من بينها 1000 نسخة وسطياً تعرف طريقها إلى الإتلاف أي ما يصل إجمالاً إلى 50 مليون كتاب، وبالتالي يكون مجموع الكتب المتلفة كل سنة 104 ملايين كتاب».
وفي المحصلة أخذ النشر يميل أكثر فأكثر إلى التمركز، كما تشرح المؤلفة في الفصل الثاني من الكتاب.. ولكنه يواجه دائماً نزعة الميل إلى الجديد، بحيث يتبارى الناشرون بعدد الأعمال التي نشروها مع ما يمكن أن يحمل هذا من خطر «اقتصادي». وتنقل المؤلفة عن صاحب دار نشر «مينوي» وناشر أعمال صموئيل بيكت، كاتبه المفضل، قوله:
«أن يكون الإنسان ناشراً لا يعني فقط المشاركة في لجنة القراءة، وإنما أيضاً أن يكون مسؤولاً على الصعيد الاقتصادي، أي أن يخاطر في القيام بعملية خاسرة، بل وبالإفلاس. وأعتقد أنه لو كانت دار نشر مينوي تعود لشخص آخر غيري.
ولو كان مصيري كقارئ ـ في لجنة القراءة ـ أو مديراً أدبياً سيتم تقريره على أساس خياراتي، فربما أنني كنت قد قمت بخيارات أخرى. ولا أعرف إذا كنت سأنصح بنشر أعمال صموئيل بيكت مثلاً، إذ ربما جرى الاعتقاد آنذاك أن أعماله لن تجد من يشتريها».
من جهة أخرى، هناك تغير كبير في طبيعة عمل الناشرين أنفسهم إذ كانوا قديماً شخصيات فكرية بالدرجة الأولى، لكنهم غدوا يميلون اليوم أكثر فأكثر نحو الاهتمام بالإدارة وتحديداً في جانبها المالي ولم يعد مضمون الكتاب هو الذي يجذبهم وإنما كمية مبيعاته. لذلك يعتمدون كثيراً على دراسة السوق والجدوى الاقتصادية.
بكل الحالات يبقى إطلاق أي كتاب رهان حقيقي مثلاً لا يصل أي روائي إلى الشهرة إلا بعد نشر ما يزيد على خمسة أعمال لكن إذا لم يربح الناشر دائماً فالقاعدة هي أن يعوض نجاح بعد الكتب خسارة البعض الآخر.. وهنا تلعب الجوائز الأدبية دوراً كبيراً إذ يكفي مثلاً أن ينال أحد الأعمال الروائية جائزة الغونكور مثلاً لتبلغ مبيعاته أكثر من مئة ألف نسخة.
ليس الناشر وحده هو صاحب الكلمة الأقوى في عالم الكتب.. وإنما هناك أيضاً الموزع، ويوجد في فرنسا 15 ألف مركز لبيع الأعمال الصادرة من مكتبات كبرى وصغرى ودور للصحافة ومخازن كبرى.
وتشير المؤلفة هنا إلى دار التوزيع التابعة لدار نشر هاشيت ويصل إلى مستودعات دار التوزيع هذه ذات الجدران العالية إلى درجة أطلقوا عليها تسمية «كنيسة الكتب» كل يوم ستمئة ألف كتاب ولذلك يشتغل العاملون فيها ليل نهار على أساس عدة فرق ما بين شهر يوليو وشهر ديسمبر، أي في مواسم الدخول إلى المدارس وروايات ما بعد العطلة والكتب الجميلة (الفنية وغيرها) بمناسبة أعياد نويل ورأس السنة.
ويحمل أحد فصول هذا الكتاب عنوان «فن الفرز» وربما بدقة أكثر «فن اقتلاع الأعشاب الضارة» كما يقال في فرنسا وسويسرا، بينما يستخدم في بلجيكا تعبير «تقليم الأشجار».
مثل هذه العملية تمليها، بكل الحالات ضرورة إيجاد مكان للإصدارات الأخيرة على رفوف المكتبات، وبهذا المعنى يصبح «الفرز» ضرورة. وتنقل المؤلفة في هذا السياق عن أمينة مكتبة سان فرانسيسكو المركزية الجديدة قوله:
«من المحتمل أن تكون عملية فرز الكتب المطلوب التخلص منها هي النشاط الذي يثير أكبر قدر من الجدل فيما يقوم به أمناء المكتبات وذلك منذ زمن سابق بكثير على اختراع الحواسيب، فتصوروا مثلاً النقاش الذي دار في القرن الرابع قبل الميلاد عندما ألقى أمين المكتبة الملكية في أور وسومر الرف الأول من الألواح الفخارية التي غدت باهتة وغير مقروءة بعد سنوات من الاستعمال والتخزين».
تسارعت في فرنسا منذ سنوات السبعينات مع تحديد مهمة جديدة للمكتبة وهي مهمة الإعلام «الطري» عبر توفير مؤلفات صدرت منذ فترة قريبة وليس الاكتفاء بالكتب التي تمثل «قيمة مؤكدة» وبالتالي بدت سابقاً أنها أبدية، وكانت مكتبة مركز جورج بومبيدو سباقة في التخلص من الكتب من أجل تجديد مجموعتها التي تضم أربعمئة ألف كتاب.
وقد أنشئت في باريس مصلحة جديدة في مرآب قديم لجمع الكتب التي تريد المكتبات التخلص منها. وقد استقبلت عام 2003 كمية من الكتب المفروزة وصل عددها إلى 105221 كتابا أتلف منها 53391 كتابا وجرى توزيع الباقي على جمعيات وبلديات وبيوت العجزة والهيئات الثقافية والسجون والمشافي.. الخ.
وما بين بيع الكتاب بسعره الأساسي والإتلاف هناك مرحلة وسطى تتمثل في بيع الكتاب الجديد بسعر مخفض وبيع الكتاب المستعمل. وتقدر الهيئات المختصة أن هذه الشريحة تمثل نسبة 3% من سوق الكتاب في بلد مثل فرنسا خلال العشرين سنة الأخيرة، وهناك بعض نقاط البيع المختصة بعيداً عن المكتبات التقليدية.
هذا مع العلم أن هناك «حياتين» مختلفتين للكتب الجديدة المباعة بسعر مخفض والكتب المستعملة. فالأولى تعرف مرحلة «عابرة» قبل الذهاب إلى الاتلاف، أما الثانية فقد اشتراها أحدهم وقرأها، أي انها «عاشت» حياتها، وبيعها من جديد يعني اعطاؤها حياة أخرى، وربما ثالثة لأنها لا تزال مطلوبة.
وفي هذا السياق تلعب شبكة الانترنت دوراً خاصاً.. انها «تجذب وتخيف» بنفس الوقت. انها من جهة تساعد الكتاب إذ تدلّ الباحث عنه وعن مكان وجوده في أي مكان في العالم لكنها من جهة ثانية تنافسه عندما تنشره بتمامه وكماله خفيفا لطيفا عن «ثقل» الورق.
وتكفي «نقرة» صغيرة للحصول عليه. وفي فرنسا وحدها يوجد فهرس «الكتروني» لخمسة عشر مليون كتاب متوفر، وقد قامت المكتبة الوطنية الفرنسية حتى الآن بنقل مئة ألف كتاب إلى اللغة الرقمية وهي جاهزة لاطلاع القراء عليها.
وتحت عنوان: «لا جديد تحت الشمس» تؤكد المؤلفة ان ثورة «صغيرة» قد حدثت منذ سنوات السبعينات المنصرمة في ميداني التسويق والتوزيع مع نتائج واضحة على حياة الكتاب ذاتها.
لكن بالنسبة للباقي مثل الاستراتيجية الأدبية وتشكيل مجموعات الكتب وزيادة الانتاج واعطاء أهمية كبيرة للدور الإعلامي فإنه يمكن استكشاف نفس الاهتمامات تقريباً في الماضي والحاضر.
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى وثيقة مكتوبة منذ أكثر من قرنين من الزمن ولا تزال ذات راهنية مدهشة ولا يزال المؤرخون والعاملون في حرفة الكتاب يرجعون لها بانتظام؟ والمقصود هي الدراسة التي تحمل عنوان «رسالة حول تجارة المكتبة» لمؤلفها دونيس ديدرو، صاحب الموسوعة الشهير الذي كتبها عام 1763.
وتنقل المؤلفة عن رئيس دار نشر البان ميشيل قوله ان كتابا تطبع منه ثلاثمئة ألف نسخة لا يطلب من العمل والجهد أكثر من كتاب لا تطبع منه ثلاثة آلاف نسخة.. وتجدر الإشارة إلى أن دار النشر هذه تطرح سنوياً أكثر من 400 عنوان في السوق.
وبكل الأحوال يتردد الحديث عن أزمة الكتاب. وكان لويس سيباستيان يرسييه قد كتب منذ أواسط القرن الثامن عشر أن «الرقابة» و«القوانين من كل نوع» تهدد النشر وتجارة الكتاب، حيث الجميع يشتكون من الناشر إلى المؤلف والى الطابع.
وكان الناشر هنري بايير قد كتب منذ عام 1904 تحت عنوان «ازمة الكتاب» ما يلي: «ازمة الكتاب مرض مزمن يعود إلى طبيعة الكتاب نفسها، انه يعاني منها منذ ولادته ويعيش معها وسيبقى رغماً منها ولن يشفى منها ابداً ولن تسبب موته، انه ابدي».
المهم دائماً هو «الاستمرار» في المحصلة وان تبقى هناك دائماً «بؤرة للمقاومة» كي يستطيع الكتاب الورقي الاستمرار أمام تهديدات الثورة الرقمية.. وبؤر المقاومة: هذه عليها ان تضم أصحاب صناعة المهنة والقراءات أنفسهم ايضاً والحرص على محاربة «التضخم» في الإنتاج ومعرفة إدارة التدفق الذي لا ينقطع من الكتب.
وذلك كي يكون تاريخ الكتاب هو «تاريخ دون نهاية» كما جاء في عنوان الفصل الأخير من هذا العمل. وذلك على أساس أن للكتاب مكانة خاصة استثنائية ويثير نقاشات لا ينقصها الحماس والانفعال.
وتقول المؤلفة في الجملة الأخيرة من الكتاب انها سمعت أحدهم يقول: «لو لم يكن الكتاب موجوداً قبل ثورة المعلوماتية واللغة الرقمية كان سيتم اختراعه وإعطاؤه كل صفات المنتوج المستقبلي».
* الكتاب:طالما هناك كتب
* الناشر:بارتيّا ـ باريس 2005
* الصفحات: 241 صفحة من القطع المتوسط
Tant Qu'il Y aura des Livres
LAURENLE SANTANTONIOS
BARTIUAT - PARIS 2005 P.241
