ساهم في تأليف هذا الكتاب العديد من الباحثين وأشرف عليه البروفيسور روي ماكليود المختص بالحضارات القديمة من يونانية ورومانية. وقد كتب المقدمة العامة للكتاب تحت عنوان: الاسكندرية كتاريخ وكأسطورة. وهناك فصول تتحدث عن المكتبة القديمة للاسكندرية، وعن مؤلفات أرسطو التي وجدوها فيها، وعن العلماء الذين اشتغلوا في تلك المكتبة العريقة التي تحولت إلى مركز كبير للبحوث العلمية، وعن الأفلاطونيين الجدد، وعن الاسكندرية في العصور الوسطى الخ.
ومنذ البداية يقول الكتاب ما معناه: لقد أسست مدينة الإسكندرية بين عامي 332331 قبل الميلاد من قبل الاسكندر المقدوني او الفاتح الأكبر. وقد أصبحت في العصور القديمة اليونانية و الرومانية البناء الأول والأكبر بمصر. وكانت في عصرها احد المراكز الثقافية الكبرى والمشعة في حوض البحر الأبيض المتوسط كله ولا ريب في ان مكتبتها الرائعة كانت احد الأسباب الأساسية لشهرتها.
والواقع ان بناء مكتبة الاسكندرية له قصة تستحق ان تروى. فبعد موت الاسكندر المقدوني حصل احد قادته العسكريين واسمه بطليموس الأول على مصر كهدية أو كورثة. وهو الذي أعطى دفعة قوية للازدهار التجاري والثقافي لمدينة الاسكندرية وساهم في تشكيل مجدها المقبل.
ففي عام 288 قبل الميلاد أمر هذا الملك ببناء متحف كبير يضم الجامعة والأكاديمية والمكتبة. ويقال إن عدد كتبها في عهد يوليوس قيصر وصل إلى سبعمئة ألف كتاب! وهو عدد ضخم جدا بالنسبة لذلك الزمان.ثم طلب هذا الملك المستنير من جميع البلدان الأخرى أن ترسل له جميع المؤلفات المتوافرة فيها.
وبعد ان وصلت إلى الاسكندرية شكل فرق عمل للترجمة فترجموها إلى اللغة الاغريقية وكانت هي السائدة في مصر آنذاك. وبما أن الاسكندرية كانت ميناء كبيرا فقد طلب من جميع السفن ان تسمح له بنسخ تلك الكتب الموجودة على ظهرها وترجمتها. و كان يعطي النص المنسوخ للسفينة ويحتفظ لنفسه بالنص الأصلي!
على هذا النحو استطاع بطليموس ان يشكل مكتبة ضخمة في مدينة الاسكندرية. وعلى هذا النحو أيضا أصبحت المكتبة مركزا للبحوث يلتقي فيه كبار علماء ذلك الزمان ويتناقشون بكل حرية في شتى ميادين العلم والمعرفة. وهكذا أصبحت الاسكندرية منارة للبشرية بعد ان انطفأت شعلة الحضارة في اثينا واليونان ككل.
ثم يردف الكتاب قائلاً: والواقع أن ترجمة كل هذا العدد الضخم من الكتب كانت عملاً هائلا يتطلب تجييش كل الطاقات. وقد ساهم فيه علماء من كل بلد من البلدان وكان ينبغي على المترجم ان يتقن لغة المخطوطة واللغة اليونانية التي سيترجمها إليها. هذا وقد تعاقب على إدارة المكتبة عدة شخصيات كبرى. نذكر من بينها: زينودوت، اريستوفان، اريستاركوس، ابولونيوس.
ولكن في عام 47 قبل الميلاد وصلت جيوش يوليوس قيصر إلى الاسكندرية ودمرت اسطولها البحري اولاً. وعندئذ انتشرت النار في المستودعات ووصلت إلى المكتبة العظيمة فدمرت قسماً منها. ثم أعاد القيصر بناءها من جديد.
ولكنها دمرت بعدئذ خمس أو ست مرات وكان آخرها عام 642 ميلادية على يد الفاتح العربي عمرو بن العاص. و الواقع ان المسيحيين دمروها سابقاً أيضا لنفس السبب.
وقالوا: اذا كانت الكتب الموجودة فيها متوافقة مع الانجيل فلا داعي لها لأن الانجيل يغني عنها. واذا كانت متعارضة معه فينبغي حرقها لأنه لا ينبغي تعليم أي شيء مضاد لكلام الله.. وهكذا، في كلتا الحالتين، ينبغي تدمير المكتبة التي لا لزوم لها. وعلى هذا النحو فكر عمرو بن العاص أيضا او قل بأنه تلقى أمراً بذلك من الخليفة فدمرها على الرغم من انه لم يكن راغباً في ذلك.
ولكن يرى بعض المؤرخين ان هذه الاطروحة كاذبة وصادرة عن جهات مضادة للحضارة العربية الإسلامية. فالعرب هم الذين ترجموا الفلسفة والعلم عن الاغريق. وهم الذين نقلوا مصابيح الفكر إلى أوروبا الغارقة في ظلمات العصور الوسطى.
فكيف يمكن اذن ان يهدموا المكتبات او يحرقوها ويدمروها؟! هذا مستحيل المسلمون هم أصل الحضارة الحديثة، و أصل العلم والفلسفة والأدب والفن في ذلك الزمان وكانت حضارتهم من أجمل الحضارات ان لم تكن أجملها وذلك باعتراف البعيد قبل القريب. وربما لم تكن تضاهيهم في العصور القديمة الا الحضارة الصينية..
وهذا ما يقوله برنارد لويس الذي لا يمكن اتهامه بحب العرب أو المسلمين! وبالتالي فقصة حرق المكتبة على يد عمرو بن العاص بعد ان تلقى أمراً بذلك من خليفة المسلمين هي قصة ملفقة اخترعت بعد ثلاثة قرون في حصول الأحداث. وهذا يعني انها واهية، لا أساس لها من الصحة.
ولكن يبقى صحيحا القول إن محتويات المكتبة اختفت في تلك الفترة وربما كان ذلك قبل الفتح العربي. وبالتالي فلا تقع المسؤولية على العرب. والواقع ان المسلمين او الجهلة منهم هم الذين دمروها وليس المسلمين.
ويبدو ان بعض محبي المعرفة استطاعوا انقاذ قسم لا يستهان به من الكتب وأرسلوها الى القسطنطينية للحفاظ عليها. ولهذا السبب وصلتنا كتب أرسطو ولم تضع على الطريق كما حصل لغيرها. ومعلوم ان مخطوطات المعلم الأول كانت موجودة في مكتبة الاسكندرية.
ولكن بعض مؤلفاته أحرقت أيضا. وهذا يعني انهم لم ينقذوا كل شيء من فلسفة اليونان.وينبغي العلم ان الفضل في المحافظة على كتب اقليدس في الهندسة، وبطليموس في علم الفلك، وارسطو في الفلسفة، وسواهم يعود إلى العرب. فهم الذين ترجموها ثم نقلوها بعدئذ إلى الحضارة الأوروبية.
وعلى هذا النحو ترجموا كتب ابن سينا، وابن رشد، والفارابي، وغيرهم من فلاسفة الإسلام، وعلمائه. ومعلوم ان الفارابي دُعي بالمعلم الثاني بعد ارسطو، المعلم الأول.
ثم اصبح ابن رشد اكبر شارح لكتب ارسطو وشروحاته التي انتقلت إلى العالم المسيحي بعدئذ عندما ترجموها في طليطلة وصقلية إلى اللغة اللاتينية: أي لغة العلم والفلسفة في أوروبا آنذاك.
ثم يردف مؤلفو الكتاب قائلين لا ريب في ان مكتبة الاسكندرية عانت من الحرق والتدمير مرات متعددة. ولكن تدمير المعابد الوثنية في نهاية القرن الرابع الميلادي من قبل المسيحيين كان نهائياً.
فبعدها لم تقم للوثنية قائمة في تلك البلاد. يضاف إلى ذلك ان غزو يوليوس قيصر لمصر أدى إلى اتلاف ما بين أربعين ألفا إلى سبعين ألف مخطوطة كانت موجودة في مستودع بالقرب من الميناء.
ثم ساهمت الحروب الأهلية التي جرت هناك في اهمال المكتبة بل وحتى احتقار جميع الكتب غير الدينية. فالمسيحية كانت متشددة آنذاك وتكره جميع الأفكار غير المسيحية. وبالتالي فقد قامت بحرب شعواء على الفلسفة والعلوم الدنيوية باعتبار انها وثنية الأصل.
لقد أرادت المسيحية ان تجب كل ما قبلها أو تقضي عليه قضاء مبرما لأنه يبعد عن الايمان الحقيقي في نظرها.
وبالتالي فبعد ان انتصرت المسيحية سياسياً أو بعد ان أصبحت السلطة في يدها راحت تحارب كل النتاج الفكري الموروث عن اليونان والرومان بحجة انه وثني.
ولهذا السبب تخلف العالم المسيحي ودخل في نوع من العصور الوسطى الظلامية لمدة ألف سنة تقريبا: أي حتى مشارف النهضة الحديثة في القرن الخامس عشر أو السادس عشر. ولكنه في الواقع كان قد بدأ بالنهوض منذ القرن الثاني عشر او الثالث عشر عندما ابتدأ يترجم عن العرب العلوم والفلسفة.
* الكتاب:مكتبة الاسكندرية: مركز للتعليم والتثقيف في العالم القديم
* الناشر: ا.ب. توريس ـ لندن 2006
* الصفحات: 196 صفحة من القطع الكبير
The library of Alexandria
Centre of learning in th ancient world
Roy macleod
i.b. tauris - London 2006
p:196

