مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور ظافر العجمي من الكويت حاصل على الدكتوراه في الآداب من الجامعة اللبنانية عام 2004. وقد صدر له من قبل كتب ودراسات ومقالات متعددة في أمن الخليج العربي ومشاركات مختلفة في كتب عديدة عن الأمن والتاريخ العسكري للكويت.
ويتناول المؤلف في كتابه هذا معضلة الأمن الخليجي في ضوء صغر حجم الدول العربية في الخليج وقلة عدد سكانها ما يجعل من الأمن الجماعي على حد ما يرى الخيار الاستراتيجي الأفضل بدلا من الإفراط في الاعتماد على الخارج في تحقيق أمن الخليج واستقراره. وفي تناوله لموضوعه يغوص المؤلف في أعماق القرن الماضي وحتى نهايته وبالتحديد من 1913 وحتى 1991.
وحسبما يذكر الكاتب فإن اختياره للبداية اعتمد على الأهمية التي تحتلها هذه السنة في تاريخ الخليج العربي حيث شهدت خروج العثمانيين من الإحساء وضمها ابن سعود الى حكمه ومنها انطلق ليقوم بأهم الأدوار في تاريخ الضفة الشرقية للخليج العربي.
أما عام 1991 فقد تميز بتوسطه بين انتهاء الحرب العراقية الإيرانية وانهيار المعسكر الشرقي بعد تفكك الإتحاد السوفييتي. كما شهد دخول المنطقة عهد أمنى جديد كان للولايات المتحدة مطلق اليد في رسم خطوطه وملامحه بعد قيادتها التحالف الدولي الذي أخرج القوات العراقية من الكويت.
في إطار التأصيل لموضوعه وبيان أهميته يعرض المؤلف للخصائص الجيوستراتيجية للخليج العربي ثم مفهوم أمن الخليج العربي وصولا الى أمن الخليج في استراتيجية القوى الاستعمارية الأولى من حملات صينية الى البرتغاليين كرأس للسهم الغربي الأولى وانتهاء بتحول الخليج الى كونه أحد دوائر الأمن البريطاني.
وينتهي المؤلف من استعراض هذه الجوانب الى أن الخليج يعد أحد العناصر الرئيسية في التوازن الاستراتيجي الدولي وقلب الشرق الاوسط وأن المتغيرات الدولية حكمت بدرجة كبيرة المنطقة الى درجة تصل الى فقدان الدول الخليجية استقلالها ومن ثم عدم تحقيق أهدافها الاستراتيجية.
ومن الأهمية إلى أرض الواقع يستعرض الكاتب أمن الخليج في مرحلة الصراع على النفط في النصف الأول من القرن العشرين وفي هذا الصدد يتعرض لانتقال مركز الثقل في العلاقات الدولية الى شمال الخليج نتيجة صراع الإستثمارات الدولية على مشاريع سكك الحديد والصراع الدولي على الامتيازات النفطية.
ويعرج في هذا السياق على دور نفط الخليج في الصراع الاستراتيجي بين القوى العظمى خلال الحرب العالمية الأولى ثم دور النفط في رسم الحدود السياسية بين دول الخليج العربي في مؤتمر العقير عام 1922.
ويوضح المؤلف أن استعراض هذه الفترة بالتفصيل يكشف عن الإصرار الأميركي على رفض استغلال بريطانيا سيطرتها السياسية على الشرق الأوسط لتحقيق هيمنتها على سوق النفط في العالم الأمر الذي انعكس في طلب الولايات المتحدة من بريطانيا فتح الباب للجميع.
وكان لظهور القوة الجوية دوره في الانتقال بمفهوم الأمن في الخليج بعد الدور الذي مثله النفط في إبراز أهمية الخليج حيث أصبح الخليج بالنسبة لبريطانيا في مجال القوة الجوية مثل قناة السويس بالنسبة الى القوة البحرية.
ولم تنته الحرب الثانية إلا وبدت المؤشرات على ضعف النفوذ البريطاني الأمر الذي كشف عنه ثورة الكيلاني في العراق ووصول الإيطاليين في الحرب الى خليج عمان وإغراقهم العديد من السفن البريطانية، وقد انعكس هذا التطور في اتساع مساحة الدور المتاح للولايات المتحدة.
ووفق ما يذهب اليه المؤلف فقد أصبح هناك بعد حرب اكتوبر سياسة أميركية متكاملة حيال الخليج عمادها أن الخليج العربي هو مصدر طاقة الصناعة الغربية فكان تشكيل قوة التدخل السريع تحت دعوى أنها لردع القوات السوفييتية فيما ان الحقيقة أنها كانت لتأمين حقول النفط الخليجية من اعمال عنف داخلية أو احتلالها.
ويقدم المؤلف هنا تقييمه لقضية الأمن مشيرا الى أن هذه التطورات والتي اختتمت خلال هذه المرحلة بالحرب العراقية الإيرانية كان لها آثار إيجابية على وضع دول الخليج في لعبة الأمن في المنطقة حيث أصبح لهذه الدول على الرغم من صغرها مساحة وسكانا نفوذ سياسي غلب النفوذين الإيراني والعراقي اللذين ضعفا بسبب دخول إيران والعراق عزلة دولية مفروضة عليهما بسبب الحرب.
من الخليج كموضوع للصراع ينتقل المؤلف الى استعراض مبادرة دول المنطقة بمحاولة الإمساك بزمام الأمور من خلال مجلس التعاون وهنا يلقي الضوء على تطور التعاون العسكري الخليجي خلال الفترة من 81 وحتى 1991 من خلال قوة درع الجزيرة وصناعة الأسلحة الخليجية ثم كيف جاءت السيادة الوطنية لكل دولة خليجية كعائق لتحقيق الأمن الجماعي الخليجي.
ويشير الى أنه رغم أن المجلس توصل الى وضع منظومة أمنية لكنها لم تكن في شقها العسكري موحدة بصورة مرضية حتى منتصف الثمانينات ولأن القوة العسكرية في دول مجلس التعاون كانت نتاج ربع قرن من التسلح في دوله لأسباب متعدددة فقد بقيت غير متجانسة وتعاني سوء التدريب وقلة القوى البشرية على رغم جودة نوعية الأسلحة التي توافرت لبعضها.
النتيجة الأساسية التي يخلص اليها الدكتور ظافر العجمي هي أن أمن الخليج يرتكز برمته على النفط في المستقبل المنظور وهو المادة الاستراتيجية التي تتوقع أحدث الدراسات نضوبها في منتصف هذا القرن في اجزاء كبيرة من العالم لتنضم قائمة جديدة الى قائمة المستهلكين لنفطه حاليا.
وهنا يشير الى أنه من المتوقع أن يسود العلاقات الأميركية الخليجية عدم التكافؤ وتستمر الولايات المتحدة في ممارسة نفوذها السياسي والاقتصادي والعسكري على دول الخليج بحجة دعم النظام العالمي الجديد وحماية أخلاقياته ومثله ليعود مبدأ كارتر قائما.
كما كان منذ عام 1980 على أن أي محاولة تقوم بها قوة خارجية للسيطرة على الخليج العربي ستعتبر هجوما ضد المصالح الحيوية الأميركية لانتهاء الغرض من سياسة الاحتواء المزدوج بسقوط نظام البعث في العراق واستمرار إيران في استثمار مكاسبها التي قربتا من دول الخليج نظير موقفها على عدوان العراق على الكويت عام 1990، وأخيرا موقفها من التدخل الأميركي في العراق عام 2003.
كما يشير الدكتور العجمي الى أنه من المتوقع أيضا أن يحكم العلاقات الاستراتيجية بين الطرفين رفض أغلب دول الخليج ما لا يناسب تطلعاتها والرغبة الشعبية فيها مادامت مشكلة الشرق الاوسط من دون حل وما دامت هناك قوى شعبية تدفع بعدم تطبيع العلاقات مع العدو الإسرائيلي.
غير أن المؤلف يعود ليقرر أن فشل دول مجلس التعاون في إيجاد قوة تدخل محلية ذات قيادة موحدة وأساليب قتال تناسب التهديدات الجديدة سيجبر الخليجيين على خيارات صعبة لمصلحة الجانب الأميركي، قد تتعدى التسهيلات وتصل الى الوجود الفعلي على رغم انحسار الخطرين العراقي والإيراني مؤقتا.
كما يتوقع الكاتب أن تصبح الاستثمارات الخليجية في الولايات المتحدة الأميركية البديل الاستراتيجي الأفضل لدوله إلا أن ذلك لا يعني تقليل قيمة التعاون الخليجي مع اليابان والكتلة الأوروبية التي يستند طموحها في لعب دور مؤثر في إمكانات هائلة بكل المقاييس لأن المؤشرات تدل على زيادة مستقبلية في اعتماد تلك الدول على النفط الخليجي في وقت بدأت تنضب فيه مصادر النفط البديلة لديها.
كما يشير الى توقع أن تحافظ الولايات المتحدة على خريطة الخليج العربي السياسية كما هي نتيجة الاستقرار الذي توفره أنظمة الحكم المعتدلة والقائمة حاليا إلا أن تدخل الولايات المتحدة بوصفها القطب الأوحد سيكون أكثر وضوحا خاصة بعد وجودها القريب في العراق ولعبها دور ضلع ثالث في أمنه.
كما لن تزول تداعيات الغزو العراقي للكويت وسوف تلقي بظلالها على العلاقات الخليجية العراقية بدرجات متفاوتة على رغم ظهور بوادر إنفراج مع سقوط نظام صدام حسين ورغبة دول المنطقة في استقرار العراق والمشاركة في إعادة إعماره إلا أن الشك في أنظمة الحكم القادمة سيظل موجودا خاصة مع بوادر خطاب عراقي يقول بضرورة مشاركة الخليجيين في دفع جزء من فاتورة اعادة الإعمار من خلال تخليهم عن الديون التي تراكمت بفعل مغامرات الحكم المباد.
كما يشير المؤلف في إطار الصورة التي يحاول رسمها للمستقبل في المنطقة الى أن الولايات المتحدة سوف تظل تعتقد بسمو قراراتها في محاربة الإرهاب على القرارات الدولية وسوف تستمر في محاولة التغلغل في تغيير النسيج الخليجي المناوئ لها تحت ذريعة تجفيف منابع التطرف في الفكر الثقافي والديني خاصة.
كما سوف تستغل تقلبات أسعار النفط المرهقة لدول الخليج في فرض سياسة العولمة الاقتصادية وتحرير الأسواق الخليجية من القيود التي تحد من نشاطات الشركات الأميركية فيه.
أما على صعيد العلاقات مع إيران فيشير المؤلف الى أن العلاقات الخليجية الإيرانية ستظل محكومة بتوجهات الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة أكثر من رغبة أهل الخليج أنفسهم .
ولن يحول دون نجاح خطط الولايات المتحدة في إقامة الشرق الأوسط الكبير الذي تريده نطاقا استراتيجيا وأمنيا يقوم على سلسلة من الأحلاف كالتي سادت أثناء الحرب الباردة إلا اعادة بناء جسور الثقة بين إيران وأهل الخليج لأن من ينكر أن إيران هي حجر الزاوية الثابت في معادلة الأمن الخليجي هو منكر أو جاهل. ومن هنا يرى ضرورة التركيز على إقامة نظام أمني شامل يضم كل دول المنطقة ويقوم على تعاون كل أطرافها للحفاظ على الاستقرار مسترشدين بتجربة الأمن والتعاون الأوروبية.
مصطفى عبد الرازق
* الكتاب: أمن الخليج العربي
* الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت 2006
* الصفحات: 668 صفحة من القطع الكب
