مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب المغربي نور الدين الزاهي باحث أكاديمي ومفتش للفلسفة بأكاديمية الرباط، صدرت له العديد من الدراسات الفكرية والفلسفية والأبحاث الأنثربولوجية والسوسيولوجية الجماعية والفردية من بينها» الزاوية والحزب:

الإسلام والسياسة في المجتمع المغربي» الصادر عام 2001 عن «دار إفريقيا الشرق» بالدار البيضاء، الذي سلط من خلاله الضوء على الصراع الدائر بين النخبة السياسية بالمغرب وبين الزوايا، التي على الرغم من تواريها عن المشهد السياسي بالمغرب فإنها مازالت حاضرة بقوة داخل الوعي الفردي والجمعي ومازالت متجذرة في المجتمع.

وفي كتابه الأخير المعنون ب«المقدس الإسلامي» والصادر عن «دار توبقال للنشر» بالدار البيضاء ضمن سلسلة المعرفة الفلسفية بدعم من وزارة الثقافة المغربية، يواصل الباحث نور الدين الزاهي النبش في قضايا الفكر الإسلامي وفي المقدس والدنيوي والطقوس المصاحبة للممارسة الدينية بالمغرب.

كما يرصد العلاقة بين الإسلام والسياسة وينظر في الكيفيات التي يستثمر بها الديني والدين لصالح إنشاء تبريرات سياسية إيديولوجية أو من أجل بناء برنامج سياسي سواء من طرف الدولة أو الجماعات السياسية.

كما يحاول الإجابة عن بعض الإشكالات المطروحة من قبيل: لماذا تنجح أو تفشل تلك الاستثمارات الدينية ذات الأهداف السياسية؟، ولماذا تدوم وتترسخ أو تتضخم لتفسد وتزول؟، ولماذا تتحول إلى سلوكيات وأقوال يومية وجمعية وبأية كيفية تصبح كذلك؟

وما هي الآليات والمؤسسات التي تضمن تحول الاستثمار السياسي للاعتقاد الديني إلى ممارسة جماعية وجمعية ينفلت منها حتى من يعتقدون أنهم في الصفوف الأمامية لجبهة مناهضتها؟ وكيف ينتج الرمزي بعتاده المؤسساتي وتجذره التخيلي أنماط العبور الواعي واللاواعي من القدسي إلى السياسي ومن هذا الأخير إلى القدسي؟

ولهذا الغرض يقسم الباحث كتابه إلى ثلاثة فصول رئيسية هي: المقدس والدنيوي والطقوسي والرمزي والتضحية والعنف.

وانطلاقاً من رفعه لبعض الإبهام الذي يصاحب الدراسات والأبحاث التي تحاول تعريف المقدس دون مراعاة الاختلافات الحاصلة بين الديانات على المستوى العمودي أو الأفقي، يحاول الباحث في هذا الفصل تقديم تعريف للمقدس ويخلص إلى أن المقدس لا يطرح مشكلة تعريفه .

وحسب بل مشكلة تعريف ما يفترض أنه متعارض معه ومضاد له ألا وهو المدنس أو الدنيوي، هذا ناهيك على أن المقدس في الثقافة العربية الإسلامية متعدد الدلالات وأكثر شمولية من الحرام أو القداسة، فهو «قد يطلق على الله عز وجل في صيغة قدوس ومقدس وقدس ليعني الطهارة والتنزيه.

وقد يرتبط بالمؤمن في عموميته في صيغة التقديس ليدل على الصلاة والتعظيم والتكبير والتطهير، أو بالمؤمن المحدد في الأنبياء وأقطاب الصوفية والولاية في صيغة القديسين أو المقدسين أو ملك القدس، ليعني أولئك الذين استطاعوا الجمع بين الطهارة الذاتية والعرضية مثلما قد يطلق على الملائكة في صيغة روح المقدس ليدل على من خلق من طهارة.

وقد يطلق على المكان في صيغة بيت المقدس، أو المسجد الحرام، أو مكة المقدسة، ليدل على حظيرة المقدس، أي ما يحظر فيه ما يعارض القدس، أي الطهارة.

وقد يطلق على الزمان في صيغة الأشهر الحرم، ليعني الحظر والمنع وكذا الاحترام الناتج عن حرمة الأوامر الإلهية».

فتعددية الدلالات والجهات التي تحيل عليها لفظة مقدس أو جذر قدس بشكل عام تبرز أن المقدس الإسلامي ليس مفارقا مثلما اعتبره العديد من الباحثين الأجانب بل هو متراتب وحاضر في الزمان والمكان والذوات، وتراتبيته العمودية هاته لا تجعله متعارضا أو مناقضا للدنيوي le profane، بل إن الدنيوي يحتل موقعا داخل الفضاء المتراتب للمقدس.

وفي الفصل الثاني المعنون ب«الطقوسي والرمزي» ينتقل نور الدين الزاهي إلى البحث في أشكال تجلي المقدس وتجسده في الحياة الاجتماعية من خلال بحثه في الطقوس والرموز والحكايات والمعتقدات باعتبارها المجال الذي يحيا فيه المقدس ويتحول إلى معيش.

فداخل فضاءات المواسم والأعراس بالمغرب والطقوس الكناوية والعيساوية التي عاينها الكاتب يحقق الجسد وجوده الطقوسي والرمزي، وبفضل الأضحية أو القربان يتحقق الإنجاز العلمي لهذا الطقس ويتحول المقدس إلى فضاء معلن ونظام مادي ورمزي مهمته السهر على إظهار الأضحية في هيأة جسد.

وعبر قراءة العديد من العلامات المشتركة والمتبادلة بين الجسد الطقوسي والقرباني ومن بينها: الحناء، الموسيقى، الدائرة والدم، يتبين أن الجسد الطقوسي يتأسس على مجموعة من الاستبدالات المؤسسة للجسد القرباني ويحضر كاستبدال له أو كوجه مجازي.

ونظراً للتقاطع الكبير بين الطقوسي والرمزي وبين الأضحية والقربان يشرع الكاتب منذ الفصل الثاني في التطرق لمفهوم التضحية والتأويلات المصاحبة لها،وذلك في سبيل الكشف عن علاقة المقدس بالسياسة والكيفيات التي يتجسد بها المقدس (طقوس، رموز، معتقدات) في المعيش بأنماط السلطان السياسي التي تتجسد بها السياسة.

إن «مؤسسة لمضحي» تعد إحدى المؤسسات الرمزية والطقوسية التي يتحول فيها المقدس والدين إلى معيش مرئي بفضل وجود الأضحية، فمع كل أضحية طقوسية، كما يرى الكاتب، تتم إعادة كتابة التاريخ المتخيل وترسم معالمه من جديد وتبرز جدلية العلاقات القائمة بين المقدس والسلطة والسياسة، وتظهر لبها المشحون بسؤال العنف في مستوياته المادية والرمزية.

«مع كل أضحية طقوسية يتم تحيين وتأويل واستعادة قصة قابيل وهابيل (فعل القتل)، وقصة إبراهيم الخليل مع ابنه إسماعيل (فعل الذبح)، وكذا إعادة رسم موقع الأضحية داخل فضائها التخيلي بوصفها قربانا (القرب من الله) وأضحية (ذبيح طقوسي) وتضحية (وهب النفس)».

لكن التداول التاريخي واليومي يستبعد البعد القرباني والتضحوي ويشغل بعد الأضحية مرسخا بذلك البعد الحاضر والواقعي للتضحية (تذكية أو ذبح) على حساب بعدها التاريخي ـ التخيلي، وحاجبا بسبب ذلك التمفصل الأساسي الذي يرسيه هذا البعد الأخير بين القدسي والسياسي داخل الممارسة السياسية. فالأضحية بفضل بعدها القرباني والتضحوي تطرح سؤال فعل الذبح ومدى اختلافه عن فعل القتل.فهل هناك مبرر يرسي الحدود بين فعل الذبح وفعل القتل؟.

* الكتاب: المقدس الإسلامي

* الناشر: دار توبقال للنشر

الدار البيضاء 2005

* الصفحات: 112 صفحة من القطع المتوسط

سعيدة شريف