مؤلف كتاب «في أصول الأدب» الأديب «أحمد حسن الزيات» الكاتب المعروف الذي ولد بقرية «كفر دميرة» في «طلخا» سنة 1885 ودخل الأزهر قبل الثالثة عشرة، وفصل قبل إتمام دراسته.

وعمل في التدريس الأهلي، فعلّم العربية في مدرسة «الفرير» نحو سبع سنوات، وتعلّم مدة في مدرسة الحقوق الفرنسية بالقاهرة، ودرس الأدب العربي في المدرسة الأميركية بالقاهرة، ثم دار المعلمين العليا ببغداد، سنة 1929، وأقام ثلاث سنوات، صنّف فيها كتابه «العراق كما عرفته» واحترق الكتاب قبل نشره، وعاد إلى القاهرة فأصدر مجلة «الرسالة» سنة 1933، ثم إلى جانبها «الرواية».

انتخب عضواً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وعين في المجلس الأعلى للآداب والفنون، وكان قبل ذلك من أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق، نال جائزة الدولة التقديرية سنة 1962، ثم أعاد «الرسالة» سنة 1963، فلم تكن لها مكانتها الأولى، فاحتجبت وانقطع إلى تحرير «مجلة الأزهر» حتى وفاته سنة 1968، حيث دفن في قريته.

ترك لنا الأديب المرحوم أحمد حسن الزيات عدداً من الكتب، لعل من أهمها: تاريخ الأدب العربي، دفاع عن البلاغة، وهي الرسالة، في أصول الأدب، في ضوء الرسالة، وترجم عن الفرنسية «آلام فيرتر» لجوته، وكان من أرق الناس طبعاً، ومن أنصع كتّاب العربية ديباجة وأسلوباً.

يشتمل كتاب «في أصول الأدب» على محاضرات ومقالات، ففي قسم المحاضرات قدم لنا الأديب الكاتب وعبر أكثر من مئة وخمسين صفحة من القطع المتوسط محاضراته عن: الأدب وحظ العرب من تاريخه، ثم العوامل المؤثرة في الأدب، ثم النقد عند العرب وأسباب ضعفهم فيه، ثم تاريخ حياة ألف ليلة وليلة، وأثر الثقافة العربية في العلم والعالم.

أما باقي الكتاب وهو عبارة عن مئتي صفحة فقد حوى المقالات التي كتبها المؤلف، وهي كثيرة لعل من أهمها: الأدب العربي وما دراسته من نقص، آفة اللغة، ما لشوقي وما عليه، العبقرية والقريحة، حول التجديد، الرواية المسرحية في التاريخ والفن، الملحمة، الملهاة، المأساة.

والأديب أحمد حسن الزيات يقدم لنا في كتابه هذا «في أصول الأدب» مادة غنية بأسلوبها ومحتواها، فهو يرى بأن الأدب هو التعبير القوي الصادق عن مشاعر المرء «وهذه تتأثر بأحوال العيش وأنواع العقائد وأطوار المجتمع، وأنظمة الملك وتقلبات السياسة، ومن المفيد الإلمام بهذه العوامل المؤثرة في الأدب لتكون دستور المؤرخ وشريعة الأديب ونبراس الباحث.

فيما يصدر عن الإنسان من كدّ الذهن وفيض القرائح»، وهو بهذا يصنع الظروف التي يعيشها الأديب مؤثرة في طبيعة الإبداع وبالتالي فإن معرفة هذه الظروف، هي الطريق لمعرفة ماهية الإبداع وخصوصيته، هذه الظروف التي تفعل فعلها.

ومن ذلك ما جاء به الأندلسيون من فنون جديدة كالموشح، كان مناسباً لحياتهم وتأثيرات الواقع فيه، بينما استهجنه البغداديون، لأنه أدب العامة، «والسبب يعرفه المؤرخ الباحث، وهو أن بغداد كانت شديدة الارستقراطية، لأنها موطن الأشراف وذوي الأحساب والثروة، فكانوا يترفعون عن الشعب، ويستخفون بأدبه وذوقه وذكائه، ويجدون من الغضاضة أن يتحلوا بحليته ويجروا على أسلوبه، ولكن الأندلس كانت ديمقراطية».

ثم يناقش الأديان وما يتصل بها من الأخلاق والمعتقدات، وتأثير الأديان في الأدب وبخاصة انها تخلق موضوعات جديدة، وتؤثر في الأخلاق والعواطف، ومن أقدم أناشيد الشعر الديني وأناشيد «رع» عند المصريين وأناشيد «فيدا» عند الهند البرهميين، وأناشيد «جالا» عند الإيرانيين.

ثم يناقش مسألة مهمة وهي النقد عند العرب، ليرى أن العرب كانوا ضعافاً في النقد لأن النقاد كانوا اللغويين والنحاة، وكانوا هم قضاة الشعر في أواخر القرن الثالث، إليهم يحتكم الشعر وعنهم يأخذ الملوك والأمراء.

وغرض هؤلاء اللغويين والنحاة من النظر في الشعر، إنما مكان جمع الشواهد على غريب الألفاظ وصحة القواعد، وتسجيل معاني الشعر ومن ابتكرها ومن سرقها، وهكذا لم ينظروا إلى القصيدة باعتبارها كلاً تتساوق أجزاؤه إلى غرض واحد.

أما في القسم الثاني وهو المقالات فإنه يقدم لنا تعريفاً لكل الفنون وغرضها وموضوعاتها، كما انه يقدم لنا تحليلاً لأشهر الأعمال في هذا الفن أو ذاك، فقد قدّم تحليلاً لأشهر المآسي كمآسي كورني وراسين وفولتير، كما قدم تحليلاً لأشهر الملاهي، والتي هي ملاهي موليير: المتوحش ـ البخيل ـ النساء العالمات.

دون أن ننسى الملاحم وأشهر ما كتب فيها كالإلياذة والأدويسة وبما تختلف عن الملاحم الصناعية كالفردوس المفقود والشاهنامة وهكذا يكون كتاب في أصول الأدب كتاباً لا بد منه من لمعرفة الأدب وعوالمه.