قصة حياة ديكارت

قصة حياة ديكارت

ت + ت - الحجم الطبيعي

مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور ديزموند م. كلارك أستاذ الفلسفة الحديثة والمختص بفكر ديكارت ومن تلاه من كبار الفلاسفة، وفي هذا الكتاب الضخم يقدم المؤلف صورة عامة وتفصيلية عن حياة واحد من أكبر الفلاسفة على مرّ العصور.

فديكارت يحسب في خانة العشرة الكبار: أي أفلاطون، ارسطو، ديكارت، سبينوزا، جان جاك روسو، كانو، هيغل، نيتشه، فرويد، هيدغر، بالطبع فهناك آخرون مهمون جداً ولا ينبغي أن نستهين بإنجازاتهم.

ومنذ البداية يقول المؤلف ما معناه: ولد رينيه ديكارت في مدينة صغيرة كانت تدعى «لاهي» ولكنها الآن تدعى ديكارت تيمناً بابنها البار الذي شهرها في كل أنحاء العالم. وكان ذلك في 31 مارس من عام 1596.

وكان ينتمي إلى عائلة النبلاء الصغار، بحسب التقسيمات التي كانت سائدة في المجتمع الفرنسي إبان العهد القديم. وهذا يعني أنه كان ينتمي إلى طبقة تقف فوق مستوى الشعب، ولكنها لا تصل إلى مستوى طبقة النبلاء الكبار التي كانت تملك الاقطاع الواسع وتحكم فرنسا.

وبعد أن أنهى دراساته الأكاديمية في مدينة بوايتيه عاصمة تلك المنطقة التي ينتمي إليها قرر التفرغ للبحث عن الحقيقة وعدم العمل كأستاذ، والواقع انه ورث مبلغاً كبيراً من المال عن والده، ولم يكن بحاجة إلى العمل لكسب عيشه، وهذا ما ساعده على تحقيق آماله في اكتساب العلم والمعرفة الواسعة.

وهكذا قرر التفرغ للعلم والانطلاق للبحث عن الحقيقة في الكتاب الكبير للعالم على حد تعبيره. وفي ليلة عشرة نوفمبر من عام 1619 اكتشف ديكارت طريقه في الحياة بعد أن رأى ثلاثة أحلام مرعبة هزته هزاً، وكادت أن تودي بعقله.

ولكنه تجاوز المحنة وتوصل إلى حقيقة لأول مرة عن طريق اكتشاف علم رائع هو: علم الرياضيات، وعندئذ عرف ديكارت انه سيقضي كل عمره في كشف الحقائق الفلسفية الجديدة واسقاط الأوهام والأخطاء الخاصة بالفلسفة القديمة: أي فلسفة القرون الوسطى وفلسفة ارسطو أيضاً.

ثم يردف المؤلف قائلاً:

ولكي يقوم بهذا الانقلاب المعرفي الكبير في تاريخ الفكر اضطر ديكارت إلى مغادرة فرنسا التي كانت آنذاك أصولية متعصبة واستبدادية مليئة بمحاكم التفتيش. وذهب للاستقرار في هولندا بدءاً من عام 1628:

أي عندما كان في الثانية والثلاثين من عمره.وهناك ألف معظم كتبه الأساسية، إن لم يكن كلها، ومعلوم أن هولندا كانت آنذاك البلد الأكثر حرية في أوروبا، بالإضافة إلى انجلترا والأكثر تقبلاً للأفكار الجديدة. كما أنها كانت متسامحة جداً من الناحية الدينية، إذا ما قارناها بفرنسا، مثلاً، أو اسبانيا أو ايطاليا... الخ. ولكن حتى هناك لاحقه الأصوليون وهددوه، ولولا تدخل السفير الفرنسي لربما كانوا قد أصابوه بأذى.

وكان ديكارت يحب السكن في ضواحي المدن لا المدن ذاتها، والواقع انه كان يختار مسكنه بالقرب من الطبيعة والحقول لكي يستمتع بالوحدة والعزلة ويتفرغ للتأمل والتفكير، وكثيراً ما كان يغير سكنه إذا ما انتبه الناس إلى وجوده وعرفوا من هو.

وعندئذ لا يعود يشعر بالحرية فيسافر إلى مكان آخر ومنزل آخر حيث لا يعرفه أحد، على الأقل في البداية. ولكن ما أن يعرفوا انه هو الفيلسوف الشهير ديكارت حتى يصاب بالانزعاج ويفكر بالهرب إلى مكان آخر، وهكذا دواليك. وبالتالي فقد كان يشعر بأن الناس يزعجونه أو يعتدون على وحدته وعزلته وتأملاته.

وفي شهر سبتمبر من عام 1649 دعته ملكة السويد كريستين لزيارتها في العاصمة استوكهولم. وتردد في تلبية الطلب، لأنه كان مرتاحاً في هولندا ويخشى برد الشمال القارس.

ولكن سفير فرنسا هناك ألح عليه في تلبية رغبة الملكة، ومعلوم أنها ما كانت لتدعه لولا أن شهرته قد طبقت الآفاق. وهكذا سافر إلى هناك لكي يموت من البرد في 11 فبراير عام 1650. وقد رثاه الفيلسوف الألماني لايبنتز أعظم رثاء عندما قال:

«أريد التأكيد بأن الجنس البشري مني بخسارة كبرى بوفاة رينيه ديكارت، وهي خسارة لن يقوم منها بسهولة، ويصعب التعويض عنها».

وهذا الرثاء إذ يأتي من طرف فيلسوف كبير كلايبنتز، يدل على مدى أهمية ديكارت بالنسبة لتاريخ الفكر البشري كله وليس فقط بالنسبة لأوروبا. فالواقع انه أول فيلسوف حديث في التاريخ، ومن معطفه خرجت كل الفلسفة الحديثة.

حقاً لقد أغلق ديكارت فترة ألفي سنة من تاريخ الفلسفة ودشن الفترة المعاصرة التي مازلنا نعيش فيها حتى اليوم. نقول ذلك على الرغم من أن الزمن تجاوزه في مجال الاكتشافات العلمية والمبادئ الفلسفية. فكانط تجاوزه، وكذلك نيوتن، وهيغل، وسواهم. ولكنهم جميعاً يعترفون بريادته وفضله. ثم يردد المؤلف قائلاً بما معناه:

أما أعماله فقد صدرت على النحو التالي:

في عام 1937 نشر ديكارت في مدينة ليدن بهولندا كتاباً ضخم الحجم بعنوان: مقالات، وكان يحتوي على مقالاته التي كتبها عن موضوعات شتى كالنيازك والشهب وعلم البصريات وعلم الهندسة. وكانت مقدمة الكتاب هي مقاله الشهير في المنهج وكان عنوانه الكامل: مقال في المنهج من أجل استخدام العقل بشكل جيد والبحث عن الحقيقة في العلوم.

وكان أول كتاب ينشره باللغة العامية: أي اللغة الفرنسية التي كانت محتقرة آنذاك بالقياس إلى اللاتينية لغة العلم والأدب في ذلك الزمان. وقد نشر الكتاب بدون توقيع خوفاً من محاكم التفتيش وملاحقة الكنيسة والأصوليين له.

ودرس ديكارت في هذا الكتاب كيفية تشكل الظواهر الطبيعية بشكل علمي: كالمطر والغيوم وقوس قزح، إلخ. كما درس قوانين انعكاس الضوء. وأضاف إلى ذلك اختراعه الكبير: علم الهندسة التحليلي. ومعلوم ان النظريات الغيبية أو الميتافيزيقية عن كيفية تشكل الظواهر الطبيعية كانت هي السائدة قبل ديكارت فبددها وأحل محلها النظريات العلمية القائمة على التجربة المحسوسة والعيان.

وفي عام 1641 نشر ديكارت واحداً من أهم الكتب في تاريخ الفلسفة كلها ألا وهو: التأملات الديكارتية وهنا لا يتحدث ديكارت عن أشياء علمية وإنما عن أشياء فلسفية محضة. ولكنه كتبه باللاتينية لأنه كان موجهاً إلى علماء زمانه وكبار الاختصاصيين لا إلى عموم الشعب. والواقع ان الكتاب يحتوي على المبادئ الأساسية لفلسفة ديكارت، من هنا أهميته الكبرى ولا يوزايه إلا نقد العقل الخالص لكانط، أو فينومينولوجيا الروح لهيغل.

وكان المقصود به الرد على علماء اللاهوت المسيحيين الذين يسيطرون على العقلية الجماعية في ذلك الزمان. وقبل أن ينشره ديكارت أرسله إلى بعض كبار المفكرين من أمثال الفيلسوف الانجليزي هوبز وسواه وقد أبدوا رأيهم فيه وعبروا عن نقاط الاتفاق ونقاط الاختلاف معه.

ونشر ديكارت انتقاداتهم في آخر الكتاب بعد أن رد عليها.

وأثبت بذلك انه شخص موضوعي بل ديمقراطي. فهو يقبل بحث الاختلاف في الرأي بكل سعة صدر. انه يؤمن بالحوار الديمقراطي في مجال الفلسفة: أي بالمقارعة بين الرأي والرأي الآخر.

وهذا ما يؤدي إلى التقدم في الواقع ليس فقط في مجال العلم والفلسفة وإنما أيضاً في مجال السياسة. نعم لقد أعطانا ديكارت درساً في الحرية الفكرية لا مثيل له في ذلك الزمان على الأقل. ثم تمت ترجمة الكتاب إلى الفرنسية عام 1647 بعد أخذ موافقته وذلك لكي يقرأه كل الفرنسيين وبخاصة أولئك الذين لا يتقنون اللغة اللاتينية.

ثم يردف المؤلف قائلاً: في الواقع ان هدف ديكارت لم يكن دراسة الفلسفة وانما دراسة العلم فهو قد ابتدأ بدراسة علم الفيزياء ـ ظواهر الطبيعة لكي يفهم الأشياء بشكل مادي، علمي، محسوس.

ولذلك كان يقدم بالتجارب العلمية، والقياسات، والملاحظات ويعبر عن كل ذلك من خلال المعادلات الرياضية. فالرياضيات هي العلم الجديد الرائع الذي يمكننا من فهم كل شيء في هذا العالم من خلال القياس والحساب والمعادلات الدقيقة.

ولكن ديكارت فهم بعدئذ انه ينبغي عليه أن يبرر العلم عن طريق محاجات فلسفية. ثم فهم أيضاً ان الكنيسة سوف تحاربه إذا لم يثبت توافق فلسفته مع الدين ولهذا السبب ألف كتاب التأملات الديكارتية لإثبات وجود الله وخلود الروح بعد الموت. وعلى هذا النحو حاول التوفيق بين العقل والنقل، أو بين الفلسفة والدين.

ولكن على الرغم من كل هذه التنازلات التي قدمها لعلماء اللاهوت المسيحي، وعلى الرغم من كل الاحتياطات الحذرة التي اتخذها إلا ان الكنيسة أدانته باعتباره مفكراً زنديقاً لا يوثق به!

ثم وضعت كتبه على قائمة الكتب المحرمة عام 1666، أي بعد موته بستة عشر عاماً. وكان ذلك يعني إطلاق فتوى لاهوتية بتحريم قراءة كتبه على الجمهور المسيحي الخاضع لتوصيات الفاتيكان.

بل ان اليسوعيين، أي الأخوان المسيحيين المتشددين، منعوا تدريس كتبه في المدارس والجامعات بدءاً من عام 1640، أي قبل موته بعشر سنوات، ولكنه سيطر على الفكر في القرن التالي بعد أن استنارت العقول وأصبحت قادرة على فهمه. وعندئذ أصبح البطل المقدام للفكر بحسب تعبير هيغل.

* الكتاب:ديكارت، قصة حياة

* الناشر:مطبوعات جامعة كامبردج 2006

* الصفحات : 507 صفحات من القطع الكبير

Descartes: Apiography

Desmond m. clarek

Cambridge university Press 2006

p. 507

طباعة Email