يفتتح الروائي الأميركي الكبير فيليب روث روايته الجديدة «إيفريمان» بسطر، هو بمثابة صدمة حقيقية في حد ذاتها، حيث نقرأ في هذا الاستهلال الفريد للرواية:
«التف حول القبر في المقبرة المتداعية عدد محدود من زملائه السابقين في الدعاية من نيويورك، والذين تذكروا طاقته وأصالته وحدثوا ابنته نانسي بأن العمل معه كان مدعاة للسرور».
ومن الصعب تصور عبارة استهلالية أخرى تجسد على هذا النحو المعتم الهدايا التي حفظت على امتداد عمر بكامله، فالحديث هنا يدور عن مقبرة متداعية، عن عدد محدود من الزملاء السابقين، ثم نجد أنفسنا جميعاً تحت السماء ذاتها.
وهذه الرواية، التي تعد قصيرة بمعايير إبداع روث، هي روايته السابعة والعشرون، والتي تتابع من النهاية عودة إلى البداية حياة الراوية، الذي لا نعرف اسمها، بما فيها من خوف من الموت ومن حقيقة الموت ذاته.
ونحن نلتقي به عندما كان صبياً خلال الحرب العالمية الثانية، وقد استبد به خوف مرضي من أن جثة بحار غريق سوف تتورم وتندفع نحو ساقيه فيما هو يسير على شاطئ البحر في جيرسي.
ونجده في مستشفى يتأهب لإجراء عملية فتق، مسجلاً في خوف وفاة الصبي الراقد في السرير المجاور له، ثم نعاود الالتقاء به وهو مسؤول تنفيذي ناجح في منتصف الثلاثينات من عمره، وهو يقضي عطلة انشغل خلالها بالقرب الكبير من الفناء والموت.
حيث نقرأ: «لم يكن متألقاً ولا مشوهاً ولا متطرفاً بأي شكل من الأشكال. فلماذا إذن تعذبه في عمره هذا خواطر الموت؟ لسوف يكون المستقبل البعيد وقتاً كافياً للمعاناة بشأن الكارثة الأخيرة».
ورحلتنا مع الراوية لا تتوقف عند هذا الحد، وإنما نحن على موعد معه وهو في الحادية والسبعين من العمر، أي في ذلك «المستقبل البعيد» الذي يتحدث عنه. والبعد هنا هو بعد الراوية عن أصدقائه، بعده عن زوجاته الثلاث وأبنائه الثلاثة.
وهو يحيا إلى جوار البحر في مكان يحمل ملامح قرية تمتلئ بالمتقاعدين، وروث يمضي بذاكرة الراوية ذهاباً وإياباً في الزمن، مبدعاً بمهارة روائي في قمة عطائه لوحه من الذكريات والمشاعر تشكل ما بقي من حياة الراوية.
وهذه النوعية من المواد الإبداعية لو أنها كانت في يد مؤلفين آخرين غير روث كان يمكن أن تغرق تحت ثقل الإشفاق على الذات أو النزعة العاطفية المرتبكة، لكن روث أمضى عمراً بكامله من إحكام الاشتغال على الشكل الفني، والشكل هنا هو العزاء الصارم الذي يسمح به لنفسه، فكل جملة .
وكل فقرة تتداخل في إطار الآلية الدقيقة التي تمتد بين أيدينا عبر صفحات الرواية والتي تذكرنا بالأجهزة التي كان والد الراوية يعكف على إصلاحها ليصل بها إلى حد الكمال والتألق.
ويلفت نظرنا بشدة ذلك القدر من الإحكام والاقتدار الذي يسيطر به روث على مقاليد لغته في رواية «إيفريمان»، فالراوية مع إيغاله في العمر يتحول الحوار فيها في كل الأحوال إلى موضوعات الصحة والمرض وسيرة حياة الناس بعد أن أصبحوا في حالة تطابق مع ملفاتهم الطبية، ذلك أن أجهزة وآلية الجراحة تطبق على «الحيوان المحتضر» كما يشير عنوان عمل سابق لروث، وما يبرز في نهاية المطاف هو احترام للترابط الإنساني بكل هشاشته وافتقاره للمعنى.
إن كون الموت يأتي في أكثر الأوقات التي يكون الإنسان فيها بعيداً عن التفكير فيه يعد على نحو ملغز العزاء المطلق لراوية هذه الرائعة القاتمة من روائع روث. ولكن من الذي يحس بالعزاء حقاً من خلال ذلك المعنى؟
وبهذا المعنى فإن هذه الرواية تبدو حميمة وقريبة من نفوس كل القراء، فهي تعبير فريد عن معاني الفقدان والندم والنزعة الكلبية. وإذا كان الراوية في شبابه يوحي بالاستقلال وبالثقة في النفس، فإن هذه المعاني تتعرض للتحدي القوي والصارم لتبدأ الصورة في الاختلاف تماماً مع انطلاق رحلتنا نحو الصفحات الأخيرة.
وإذا كان بعض القراء يرون أن روايات روث الست والعشرين السابقة تتناول جميعها الموضوعات والأجواء نفسها، بما في ذلك الانتماء إلى أميركا، الجنس، الإيغال في العمر والعائلة، فإن الحضور المطلق هنا هو لذلك البطل الغامض والمراوغ وذي الحضور الكلي الذي لا مهرب منه، الموت.
وعلى الرغم مما يوحي به عنوان هذا العمل من مراوغة،إلا أن العمل نفسه مطلق ومحدد للغاية في آن. وهل هناك ما هو أكثر إطلاقاً وتحديداً من الموت؟
وعلى الرغم من كل ما حظيت به هذه الرواية من أصداء متعددة ومن إشادة ومديح، إلا أن ذلك لم يحل دون توجيه انتقادات حادة لها، ربما في ضوء طبيعة موضوعها ومنهاج التعامل مع هذا الموضوع.
إننا نقرأ في مجلة «بوكليست» ما يوحي بقوة بالتساؤل عما إذا كانت الرواية الجديدة في مستوى إتقان الحبكة الذي نراه في رواية روث الصادرة عام 2004، وهي «المؤامرة ضد أميركا».
لكن هذا النقد الضمني يبدو شديد التهذيب حقاً إذا قورن بما طرحه بعض النقاد الأميركيين الذين تابعوا منذ وقت طويل إبداع روث.
دعنا نقرأ ما يقوله أحد هؤلاء النقاد في موقع «بارنز أند نوبل» الشهير، حيث يبادر إلى استلال قلمه ليصارحنا: «إنني يساورني حشد من المشاعر الفظيعة حيال عدم قدرتي على انجاز هذا العمل الذي تقل صفحاته عن المئتين.
ولكنه أكثر إضجاراً من أن يسمح للقارئ بانجاز هذه المهمة كاملة، فروث يقرر أن المشهد في المسرحية الأصلية، عندما يبلغ إيفريمان الموت بأنه يصل في الوقت الذي يكون فيه بعيداً عن التوقع والانتظار، هو المصدر الذي استلهم منه الكتاب.
ولكن هلا يمكن لأحد حقاً أن يتأثر بمثل هذه الملاحظة؟ من غير روث يمكن أن يفلت من النقاد بتأليف رواية لا اسم للبطل فيها وتكاد تكون قائمة بكل العمليات الجراحية التي أجريت لهذا البطل؟ إن نقطة ضعف روث ككاتب ـ وهي عكوفه على ذاته وانغماسه فيها ـ تبرز كأقصى ما تكون في هذا الكتاب من دون العناصر الرائعة التي كفلت إنقاذه من النقد القاسي في أعمال أخرى».
وربما كان هذا النقد وحده هو الدافع القوي لقراءة هذا العمل، على الأقل لكي يحكم القارئ بنفسه ما إذا كانت «إيفريمان» رائعة أخرى من روائع روث أم عملاً أفلح في الإفلات من أنياب النقاد بمعجزة.
**حياه من ايداع
تعتبر رواية « إيفريمان» هي الرواية السابعة والعشرين للكاتب الأميركي فيليب روث، وقد سبقها إلى الصدور حشد هائل من الروايات والقصص والمقالات.
وفيما يلي أبرز ملامح هذا الإبداع:
وداعاً كولومبوس (1959)
التخلي (1962)
عندما كانت جيدة (1967)
شكوى نورتنوي (1969) عصابتنا (1971) الصدر (1972) حياتي كرجل (1974)
قراءة نفسي والآخرين (1975) الكاتب المجهول (1979)
ألم نوفوتني (1980)
زكرمان طليقاً (1981)
درس التشريح (1983)
الحياة المصادة (1986) الخديعة (1990)
حوارات مع فيليب روث (1992)
العملية شيلوك (1993)
رعوية أميركية (1997)
اللطخة البشرية (2000)
الحيوان المحتضر (2001)
حديث المتجر: كاتب وزملاؤه وعملهم (2001)
المؤامرة ضد أميركا (2004).
* الكتاب: إيفريمان
* الناشر: هوتون مفلين
نيويورك 2006
* الصفحات: 192 صفحة من القطع المتوسط
Everyman
Philip Roth
Houghton Mifflin - N.Y.2006
P. 192
