مؤلفو هذا الكتاب هم كل من «نيكولا بانسيل»، المؤرخ والأستاذ المحاضر في جامعة باريس ـ الحادية عشرة، و«باسكال بلانشار»، المشارك في أعمال المركز العلمي للأبحاث القومية، و«فرانسواز فرجس»، الأستاذة في جامعة لندن، والاختصاصية في نظرية ما بعد الاستعمار. وكل من هؤلاء المؤلفين قام بأعمال متعددة، منها

وعلى التوالي: صور الامبراطورية (1977)، من الهند الصينية إلى الجزائر (2003)، الفاتورة الاستعمارية (2005) ـ المرآة الاستعمارية المكسورة (2001)، باريس العربية (2003)، الثقافة الامبراطورية (2004) ـ من العبد إلى المواطن (1998)، القضاء على العبودية، يوتوبيا استعمارية (2001)، الثقافة الاستعمارية (2003).

بالرغم من أن الرق قد ألغي في المستعمرات الفرنسية منذ 150 عاماً، وبالرغم من تفكك الامبراطورية الكبرى الفرنسية منذ أربعين عاماً، فإن الماضي الاستعماري يعود إلى السطح وكأنه كان مكبوتاً. والحقيقة أن هناك اجتماعاً لعدد من الوقائع تفسر عودة المكبوت وهي الأزمة الاقتصادية، وشراسة الليبرالية، والخوف من الإسلام، وانغلاق النخبة الفرنسية على نفسها أكثر فأكثر.

وعودة المكبوت، إنما تقوم على صور غذّت المخيلة الفرنسية، وأقامت نمطاً من العلاقات الاجتماعية في المرحلة الاستعمارية التي رسخت نموذج الرجل «الأبيض»، «المتحضر» و«العقلاني» و«الحداثي» ونموذج الرجل «الملون»، «المتوحش»، و«اللاعقلاني» و«التقليدي».

وإذا كانت الوقائع تدحض هذين النموذجين وتعدل من صورهما في المخيلة الفرنسية، فإن تجاهلهما يفرض العجز عن تفسير ما يجري اليوم. ذلك ان الإصرار مازال قائماً على «الرصيد الإيجابي» للاستعمار بالرغم مما رافقه من رق واضطهاد وتمييز، وعلى «المثال الفرنسي» في تحضير الشعوب والذي يستمر في هيكلة البرامج الثقافية والاجتماعية الفرنسية حتى الآن.

هكذا لابد من مساءلة الجمهورية الاستعمارية على ما قامت به، واستجواب التفكير السياسي على «خطابه الذاتي» إزاء المستعمرات.

ما هي هذه الجمهورية الاستعمارية؟ ما هي الثقافة الاستعمارية؟

لقد ارتبطت الجمهورية الفرنسية بالفتح والتوسع الاستعماري ضمن مفارقة أساسية هي أنه في الوقت الذي كانت تطرح فيه مبادئ الحرية والمساواة والإخاء الشمولية (الصالحة لكل البشر)، فإنها لم تطبق ذلك في المستعمرات بما يخلق «حالة استثنائية» ضد هذا التطبيق.

ولقد تبنت هذه الجمهورية فكرة «العرق» كمعطيات ثقافية مختلفة في أوروبا نفسها لتصبح النزاعات الأوروبية «نزاعات عروق» ليتشكل تفسيراً للتاريخ. ولكن وبالرغم من الاختلافات بين العروق الأوروبية، فإن العرق الأوروبي هو عرق واحد متميز عن العروق الأخرى الدونية التي تقع خارج الحضارة الغربية، والنتيجة أن «جميع الناس يولدون أحراراً ومتساويين إلا قسماً منهم».

هكذا شكل الاستعمار «يوتوبيا» تحضيرية لنشر مبادئ الجمهورية التي ولدتها الثورة الفرنسية على أن هذه المبادئ لا تنال سكان المستعمرات لماذا؟ لأنهم يحتاجون إلى التربية والتثقيف عليها كي يتمتعوا بها أخيراً. فالعالم الاستعماري هو عالم تنوع وبالتالي لا يمكن تطبيق نفس المعايير والحقوق والقوانين على الجميع. علاوة على ذلك فإن المستوطنين الأجانب الذين نزحوا من بلادهم إلى المستعمرات، يريدون أن يكونوا فرنسيين برفض ما يتعلق بالهوية السياسية للمبادئ الجمهورية

فارتباطهم بفرنسا كان ارتباطاً عرقياً (بيض)، وكانوا يستخدمون هذا الارتباط لاستلاب أراضي السكان الأصليين أو منع تطبيق إلغاء الرق أو فرض سلطتهم المحلية.

وهكذا فإذا كان النهج التربوي التحضيري للجمهوريين يفسر «حالة الاستثناء» في عدم تطبيق المبادئ الفرنسية في المستعمرات، فإن الواقع الاستعماري كان يقوم على التواطؤ مع المستوطنين الأجانب باعتبارهم مواطنين فرنسيين «بيض» يجسدون الرسالة التحضيرية ميدانياً.

هذه الحقيقة المزدوجة التي نراها في كل عملية توسع واستعمار، أي الوعود بالحرية والمساواة والإخاء، وإقامة إمبراطورية ترسى على التمييز بين رعاياها، هي التي جعلت من «الجمهورية» كائنا هجيناَ، في الوقت الذي تعتبر فيه من يحاول نقدها أو التمرد عليها مارقاً أو جاحداً يضع نفسه خارج «الإنسانية المتنورة».

والحقيقة أنه لا يمكن فصل ذلك عن المفاهيم الفلسطينية والسياسية لفكر مصر الأنوار، أي مفاهيم الحرية والمساواة والملكية الفردية التي حملتها الجمهورية الفرنسية والتي ستجد نفسها في قلب الدينامية الاستعمارية.

فالإنسان الحديث الذي رآه رجالات عصر الأنوار هو «الإنسان الحر المنتج والباحث عن تراكم الثروة وحقه في «الملكية الخاصة» وفي «السعادة، والذي يشارك في الشأن العام» بتفويض إرادته» لغيره ديمقراطياً مقيماً بذلك «التمثيل السياسي». والحرية والحق في الملكية وفي السعادة هي حقوق طبيعية سابقة للقوانين الوضعية للبشر وهي أعلى من أي حق آخر.

وهذه الحقوق الطبيعية التي افترضها فلاسفة عصر الأنوار الليبراليون إنما هي للأوروبيين أي أنه غير معترف بها بالنسبة للشعوب غير الأوروبية لماذا؟ لأن هذه الشعوب أقوام موجودة في «حالة ما قبل طبيعية» أي في «حالة حيوانية وشرسة ومتوحشة» ولهذا فإنها تنتظر الحضارة من قبل الأوروبيين كما أعلن «كوندرسيه» أحد أعضاء الجمعية التشريعية الفرنسية الشهير، عام 1791.

باختصار فإن «العقد الاجتماعي» الذي أسس الفكر الفلسفي والسياسي الأوروبي الحديث ضد الظلامية والاستبداد، إنما يطرد الأقوام «الأخرى غير الأوروبية منه. فسكان المستعمرات الأصليون لا يعرفون» العمل والملكية الخاصة واستثمار الأرض» الذي يشكل «جوهر الإنسان»، ولا يفقهون المصلحة العامة المشتركة» ولا «العقلانية» التي تمثل ماهية الإرادة الجماعية، ولا يجتمعون على الطاعة لسلطة عليا تفرض عليهم «القانون الواحد».

والجمهوريون علاوة على ذلك كانوا يجدون في فكرة «الإمبراطورية» تجسيداً لمبدأ وحدة النوع الإنساني ولشمولية أو عالمية الطبيعة الإنسانية، أي أن الإمبراطورية «مؤسسة سياسية طبيعية للبشر». وأن النموذج الروماني الجمهوري لها هو ما يجب على الجمهورية الفرنسية الأخذ به للقيام بنشر مبادئها وثقافتها في العالم،

فالثقافة أمر أساسي لأنها تمكن من تلاحم الإمبراطورية، إلا أنها ثقافة استعمارية تركز على عبقرية العرق الأبيض والأجداد الغالين، والذات الفرنسية ـ الأوروبية المتفوقة. وهذه الثقافة ستتجذر في الثلث الأخير للقرن التاسع عشر بسبب اتساع التعليم وانتشار الصحافة وظهور السينما، وإقامة «المعارض الكولونيالية».

لقد كانت هذه الثقافة ترى وحدة الإنسانية بشرخها إلى «نحن» أي إلى كل ما هو إيجابي (التقدم والعقلانية والانفتاح السياسي والسلام الأهلي). وإلى «هم» أي كل ما هو سلبي «الجمود والظلامية والقوة الاستبدادية والتعصب القبلي والطائفي».

لقد تم تصوير الشرق في هذا السياق من قبل الغرب، وبالأحرى تم اختلاق شرق محكوم عليه بالتخلف والتوحش، ولكنه شرق مفرغ من الآخر كما يقول المفكر الفلسطيني «ادوارد سعيد» أي مفرغ من كل تاريخ وكل ثقافة وكل حضارة ولدت فيه.

بهذا كله يمكننا فهم سياسة التدخل الخارجية للغرب في شؤون العالم في ظل تجذر الفكرة الاستعمارية، واستمرارها. ففي العالم الاستعماري تصبح سياسة القوة أمراً مشروعاً لأن الغاية تبرر الوسيلة.

فباسم التحضير يسوغ هذا التدخل «فاذا كان لفرنسا في هذه البقاع الواسعة حيث يسود التعصب للصوصية ان تجلب السلام والتبادل التجاري والتسامح، فمن يستطيع الحديث عن عنف لا مشروع». بمعنى آخر فإن الجمهورية الاستعمارية قد صاغت خطاباً يقوم على الأعمال «النبيلة» و«المتجردة» و«السخية» ضد الآخرين «قطاع الطرق» و«النهابين» الذين لا يقدمون شيئاً لنفع الإنسانية، ولبناء المجتمعات.

بيد ان الواقعة الاستعمارية تحمل جوانبها الأخرى. التي حاول الجمهوريون التغطية عليها وحذفها من الذاكرة. فهذه الواقعة توطدت مع الهزيمة التي ألحقتها «بروسيا» بفرنسا عام 1870 ومع استمرار شبح «كومونة باريس» الثورية، ومع ازدياد الفقر للفئات الشعبية ومع صعود طبقة عاجلة تطالب بحقوقها لماذا؟ لأن الفكرة الاستعمارية في المستعمرات والخلاص من الجموع الشعبية المعوزة بتهجيرها الى الخارج.

ووضع حد للطبقات الخطرة بتعبئة المجتمع كله نحو الفتوحات الخارجية بما يوفر للجمهوريين استمرارهم في السلطة وبما يؤمن تراكماً رأسمالياً للمركز الاستعماري على حساب المستعمرات. لقد وجد الجميع في المشروع التوسعي الاستعماري نصيباً فيه. «الجيش» و«الكنيسة» و«المدرسة» و«البروليتاريا» و«البورجوازية».. ولهذا نادراً ما تم نقد هذا المشروع ومعارضته ومواجهته في المركز الاستعماري.

واليوم تغير العالم ولم يعد بالإمكان سجن البلدان اللاغربية، في التقاليد والتخلف والتوحش، أي رفض الحداثة التي تحتاج الى النقاش حولها لماذا؟ لان هناك اشكالاً أخرى لها خاصة وان العواصم الغربية أمام حالة جديدة من «التفاوض على الهوية» ومن «التمازج الثقافي» ومن «المتطلبات الديمقراطية».

واذا كانت الدعوة اليوم تتعاظم نحو التمسك بالجمهورية كمثال أعلى لتحقيق وحدة المجتمع الفرنسي، فإن المنسيين والمهمشين أبناء أو أحفاد المستعمرات السابقة يطالبون بوجودهم، ولم يعد بالإمكان مطالبتهم بالتخلي عن خصوصياتهم ليصبحوا مواطنين ولينطبق العقد الاجتماعي عليهم.

إن الأمر يتعلق بمواطنة جديدة وباستمرار العمل على انهاء التركة الاستعمارية والذي بدأ منذ عام 1960. فبدون الكشف عما هو استعماري في الفكرة الغربية من تحضير الشعوب وعن الحضارة، فإن إنهاء هذه التركة سيبقى ناقصاً! ومن شأن الفكرة الاستعمارية الغربية نفسها سواء أخذت طابعاً جمهورياً أم لا، ان تعرف اشكالاً جديدة لها، حرب حضارات أم حرب احتلال، كما هو الأمر في العراق.

* الكتاب:الجمهورية الاستعمارية

* الناشر:البان ميشيل باريس 2005

*الصفحات: 174 صفحة من القطع المتوسط

La republique coloniale

nicolas bancel

pascal blanchard

francoise verges

AlbinMichel-Paris2005

P. 17