ربيع خليفة مؤلف الكتاب باحث مصري رصد الصور الشخصية العثمانية في فترة القرن التاسع الهجري (15 م)، وقد اتضح في هذه الفترة أن معظم الفنانين الإيطاليين الذين قدموا إلى مدينة استانبول في عهد السلطان محمد الفاتح (1451 ـ 1481 م) لم يكونوا من فناني عصر النهضة البارزين،

مثل الفنان النحات كوستانزا الذي لم يعرف إلا من خلال مجموعة الأنواط التي قام بعملها للسلطان محمد الفاتح وتحمل توقيعه، وكذلك الأمر بالنسبة للفنان النحات برتولدي. كما اتضح في هذه الفترة أيضاً تأثير الرسوم والاسكتشات التي قام بإعدادها الفنانون الإيطاليون في مدينة استانبول على مصوري الصور الشخصية العثمانيين، من حيث اتباع قواعد ومفاهيم فن النهضة في رسم الأشخاص في صور نصفية من الجانب بواقعية ملحوظة تعتمد في الأساس على دقة ملاحظة الفنان وصدقه في التعبير عن نموذجه بالإضافة إلى تعبيره عن الظل والنور والبعد الثالث.

وتبين كذلك أن مدرسة التصوير العثماني على الرغم من تأثرها الواضح بمفاهيم فن النهضة في رسم الصور الشخصية إلا أن نقاش سنان المصور العثماني الذي تخصص في عمل الصور الشخصية قد نجح في ابتكار نموذج فني يجمع بين الأساليب الفنية الغربية والأساليب الفنية الشرقية بطريقة موفقة، وقد أصبح هذا النموذج يحتذى به من قبل المصورين العثمانيين.

بالإضافة إلى ذلك فقد رجحت الدراسة أن تكون الصور الشخصية الأربع والتي قام بعملها فنانون عثمانيون تناولها المؤلف في الفصل الثالث من الباب الأول ـ قد نفذت في السنوات الأخيرة من حكم السلطان محمد الفاتح في حوالي ما بين سنة 1478 وسنة 1481م - وهي الفترة التي شهدت اهتماماً واضحاً من قبل السلطان محمد الفاتح بفن الصور الشخصية.

وتعتبر الصور الشخصية العثمانية في فترة القرن التاسع الهجري (15م) صدى للظروف السياسية التي عاشتها الدولة العثمانية، وتعبر عن اهتمام السلطان محمد الثاني بالفتوحات ومشاركته فيها، واغتراب السلطان جم عن وطنه ومحاولته العودة إليه، ويظهر ذلك في رسم هذين السلطانين في بعض صورهم الشخصية كفرسان.

ولوحظ أيضاً أن الاهتمام بفن الصور الشخصية وخاصة في عهد السلطان محمد الفاتح قد توقف في الفترة التي اعتلى فيها السلطان بايزيد الثاني العرش (1481-1512م) وذلك لأسباب دينية وثقافية وسياسية.

وبالانتقال إلى فترة القرن العاشر الهجري (16م) نجد أن الفترة التي سبقت فترة الأصالة وتشمل عهد السلطان سليم الأول (1512- 1520م) والسلطان سليمان القانوني (1520- 1566م) بمثابة البوتقة التي انصهرت فيها الأساليب الفنية الوافدة من إيران ووسط آسيا والأساليب الفنية الوافدة من أوروبا، وقد أدى ذلك إلى ظهور ملامح جديدة في رسم الصور الشخصية العثمانية تشاهد بوضوح في أعمال المصور حيدر ريس.

وتبين أن فترة الأصالة وهو المصطلح الذي فضل المؤلف إطلاقه على الأسلوب الفني الذي ساد مدرسة التصوير العثماني خلال فترة الربع الأخير من القرن العاشر الهجري (16م) بدلاً من مصطلح «الفترة الكلاسيكية» الذي اعتاد الكتاب الأتراك والمستشرقون استخدامه للدلالة على هذه الفترة ذلك أن مصطلح الأصالة يعبر بوضوح عن الأسلوب الفني الناضج لمدرسة التصوير العثماني والذي ساد خلال هذه الفترة، كما أنه يدل على المرحلة المتطورة في سياق مراحل التطور التي سار فيها فن الصور الشخصية العثمانية.

كما تبين أيضاً أهمية هذه المرحلة في مجال عمل الصور الشخصية حيث قام المصور العثماني بتوضيح كثير من المخطوطات بالصور، وهي مخطوطات اهتمت بالصور الشخصية كموضوع مستقل وقائم بذاته مثل مخطوط القيافات الإنسانية في الشمايل العثمانية ومخطوط زبدة التواريخ ومخطوط مشاعر الشعراء وغيرها، ونجاح مصوري المرسم السلطاني في تضمين هذه المخطوطات صوراً شخصية معبرة و صادقة فضلاً عن نجاحهم في رسم الصور الشخصية التاريخية معتمدين في ذلك على أوصاف السلاطين في كتب التاريخ والتراجم.

ووضح في هذه المرحلة أيضاً تأثير الأعمال الفنية لمصوري الصور الشخصية على أعمال غيرهم من مصوري المخطوطات التاريخية، وتعتبر تصاوير مخطوط كلشن تواريخ ومخطوط أكري فتح نامة من أفضل الأمثلة التي توضح هذه الصلة.

وثبت من خلال دراسة فن الصور الشخصية العثمانية في فترة القرن العاشر الهجري (16م) معرفة مخطوطات الأنساب منذ عهد السلطان سليمان القانوني تحت «زبدة التواريخ» وأن الأسماء الأخرى التي يشير إليها بعض الكتاب مثل سبحة الأخيار أو شجرة النسب أو سلسلة نامة لم تعرف إلا في فترات لاحقة.

أما عن فن الصور الشخصية العثمانية في فترة القرن الحادي عشر الهجري (17م) فيلاحظ الاهتمام الواضح بعمل الصور المستقلة والتي كانت تحفظ في ألبومات قيمة، وكانت هذه الصور تضم إلى جانب صور السلاطين وكبار رجال الدولة صوراً أخرى تمثل الزهاد والدراويش والشعراء والمداحين والشيوخ، وتعتبر دراستها على قدر كبير من الأهمية إذ انها تمدنا بمعلومات قيمة عن الحياة الاجتماعية في العصر العثماني في القرن 11ه/ 17م.

كما شهد هذا القرن أيضاً تطوير أسلوب رسم الصور الشخصية في مخطوطات الأنساب وذلك من حيث الاهتمام بخلفية الصورة ورسم المنظر الطبيعي وربط الشخص بعناصر الصورة الأخرى.

وقد أدى تدهور الأحوال الفنية في فترة النصف الثاني من القرن الحادي عشر الهجري(17م) إلى تناقص أعداد المصورين، وبالتالي قلة الإنتاج التصويري بصفة عامة والصور الشخصية بصفة خاصة، وتعتبر هذه الفترة من الفترات الفقيرة في مجال عمل الصور الشخصية، بالإضافة إلى ضياع كثير من هذه الأعمال نتيجة لغزو واحتلال الروس لمدينة أدرنة عدة مرات وخاصة في سنة 1878م.

لقد جاءت معظم الصور الشخصية العثمانية في فترة القرن الثاني عشر الهجري (18م) وبداية القرن الثالث عشر الهجري (19م) انعكاساً لأحوال المجتمع العثماني واتجاهه نحو الاستمتاع بمباهج الحياة واتسام الحياة التركية بصفة عامة بالطراوة والنعومة، كما تأثرت معظم الصور الشخصية في هذه الفترة بالبيئة الثقافية والفنية التي ظهرت نتيجة لانفتاح تركيا العثمانية على الغرب.

وقد ظهر هذا الاتجاه بوضوح سواء في صور الألبومات أو في صور المخطوطات، ويعتبر المصور عبد الجليل جلبي الشهير بلوني والمصور عبد الله بخاري من مؤسسي هذا الأسلوب الجديد.

وتمكن مصورو الصور الشخصية في هذا القرن من تطوير فن الصور الشخصية من خلال استخدام تكوينات جديدة مثل التكوين الذي يظهر فيه السلطان وهو جالس على عرش في وسط الصورة روعي في رسمه اتباع قواعد المنظور، والتكوين الذي يظهر فيه السلطان في هيئة نصف القامة داخل دائرة بيضاوية قد يضاف إليها أحياناً رسم منظر طبيعي وبعض المنشآت المعمارية للسلطان صاحب الصورة.

والواقع أن الصور الشخصية العثمانية بالإضافة إلى كونها تكتسب أهمية كبيرة من الناحية الفنية فهي أيضاً تشكل مجالاً متسعاً لدراسة العديد من أفرع الفنون التطبيقية العثمانية من منسوجات وثياب وسروج للخيل، بالإضافة إلى الأواني والبلاطات الخزفية والتحف المعدنية والتحف الخشبية من عروش وكراسي وصناديق وأبواب وغيرها وهي تتشابه تماماً مع ما وصلنا من تحف تطبيقية عثمانية مما يدل على أن واقعية المصور العثماني قد تعدت رسم صور الأشخاص إلى جميع عناصر الصورة.

وليس من شك في أن فن الصور الشخصية الذي ازدهر عند الأتراك العثمانيين قد عرف أيضاً منذ وقت مبكر عند الأتراك الأويغور بعد عام 750م بفترة قليلة. ونلمح في بعض الصور الشخصية العثمانية التي عرضنا لها في هذا الكتاب وجود بعض المظاهر والتقاليد الفنية التي توضح الصلة بينهما. والكتاب يعبر عن بروز المدرسة المصرية في دراسة الآثار العثمانية، هذه المدرسة التي ما زالت منعزلة عن مثيلتها في تركيا لعدم وجود جسور للتواصل، وهو ما يجعل التأثير المصري محدودا للغاية.

خالد عزب

* الكتاب: فن الصور الشخصية في مدرسة التصوير العثماني

* الناشر: زهراء الشرق القاهرة 2006

* الصفحات: 370 صفحة من القطع الكبير