تمتاز بعض الأعمال بالشغف خلال ممارستها، ويُبنى خيط من الحب بين الإنسان والعمل الذي يزاوله، وكثيراً ما تتحول تلك الأعمال إلى مهن، ولعل بعض المهن تجعل من أصحابها عشاقاً مبدعين يتفننون في إجادة عملهم، وتحملهم تلك المهن إلى مصادقة العمل والإخلاص له.
جو براونر (53 عاماً) رجل من أميركا جاء إلى ميونيخ في ألمانيا بعد تقاعده من عمله في أحد المطاعم، حيث كان يهتم بمكتبة المطعم، براونر لم يفتتح مطعماً في ميونيخ، بل افتتح مكتبة لبيع الكتب القديمة قرب إحدى الجامعات في المدينة الألمانية العريقة، حيث يعيش الكثير من الطلاب، وقد ازدهرت مكتبته التي يزورها سياح من فرنسا وإيطاليا يسألون عن كتب قد لا تتوفر إلا في هذه المكتبة المختصة ببيع الكتب باللغة الإنجليزية.
براونر لم يفتتح مطعماً في حي طلابي رغم أن المطعم أكثر دخلاً في موقع كهذا، لكنه اختار افتتاح مكتبة لإيمانه بأهمية مهنته «بيع الكتب» فهو لم يكن يفعل غير ذلك خلال عمله السابق، فقد كان الندلاء يقدمون الطعام للزبائن، وهو كان يقدم الكتب.
لقد اختار جو براونر هذا النوع من الخدمة حاملاً 20 ألف كتاب قديم حصل عليها طيلة سنوات من جولته في أحياء أميركا، واختار ميونيخ ليس بسبب أصول زوجته الألمانية، بل لأنه معارض لسياسة جورج بوش.
قصة براونر في مساعدة الآخرين للحصول على كتابهم المفضل، تقارب من حيث المعنى حكاية ذلك الرجل الذي افتتح محلاً لبيع الزهور، حيث كان يقوم بإيصال باقات الورد إلى الأشخاص المعنيين، وبسؤاله عن سبب تفضيله تسليم الباقات على البقاء في محله وإدارته من خلف مكتب مريح، قال لا شيء يعادل نظرة السعادة في عيون من يتسلمون باقة ورد هدية من أعزاء لهم، إن سعادتي تكمن في تلك اللحظة التي تمتزج نظرة الدهشة في عيونهم بنظرة الفرح، وأن التقط تلك النظرة وأحصل على كلمة «شكراً» من الأعماق.
حب المهنة يدفع المرء إلى خيارات مختلفة عما يألفه الناس العاديون ولا يصبح الربح هدفاً، بل تصبح السعادة هي الهدف الأسمى، والذين يشغفون بأعمالهم لا تعنيهم مسألة الثراء في شيء بقدر ما تعنيهم خدمة الآخرين، ومساعدتهم في الوصول إلى كتابهم المفضل. مهن نبيلة بأبعاد إنسانية مطلقة ليس فيها أنانية أو حسد أو غيرة، تقوم على إسعاد الآخرين عن طريق تقديم كتاب أو باقة ورد.