قليلة هي الروايات التي تصور صراع الإنسان ضد الطبيعة، وذلك لصعوبة بناء نصها الذي يقوم على الصبر والحكمة في التعامل مع مفردات الحياة الفطرية التي تحتاج إلى قاموس شارح لكل تفصيل من تفاصيلها، وخاصة إذا ما تعلق الموضوع بحيوانات متوحشة وعاداتها وطرق استحصالها على الرزق. إلى ذلك النوع من الرواية تنتمي رواية « طريق الفهد» للروائي الأميركي والتر فان تيلبورغ كلارك.

فهي رواية مشوقة تحبس الأنفاس عن صراع الإنسان ضد وحش غير مرئي، يعرفه الجميع ولكنهم لا يستطيعون النيل منه، فهو خفيف وشرس، جائع ومخادع، ذكي ويعرف كيف يقتنص ضحيته في الوقت المناسب، إنه الفهد، ذلك الحيوان الأسرع على وجه الأرض. ولد والتر فان تيلبورغ كلارك في شمال الولايات المتحدة عام 1909، ثم نشأ في إيست أوولاند بولاية مين وارتاد جامعة نيفادا حيث كان والده يترأسها. ثم انتقل إلى نيويورك بعد زواجه عام 1933، حيث أخذ يعلم اللغة الإنجليزية، وبدأ مسيرته الروائية برواية حملت اسم «حادثة سناد النير».

وقد اشتهر ككاتب قصص قصيرة ،وحولت بعض كتبه على أفلام سينمائية أبرزها «طريق الفهد» التي كتبها كلارك في عام 1949 ثم تحولت إلى فيلم سينمائي خلال الستينات من القرن الماضي. كتب كلارك عدة روايات أخرى خلال مسيرته الأدبية منها «مدينة الأوراق المرتعشة عام 1945» ومجموعة قصص قصيرة «الآلهة الحارسة عام 1950» وكتاب «الغونغراف المحمول عام 1958». امتاز أسلوبه بالتشويق والإثارة، مما رشحه لأن يكون كاتب سيناريو من طراز رفيع وقد توفي كلارك عام 1971 في نيويورك. تدور أحداث رواية «طريق الفهد» في منطقة ثلجية نائية شمال الولايات المتحدة، حيث تعيش عائلة مكونة من أم وأب وأربعة أبناء (ثلاثة ذكور وفتاة) وجميعهم في سن الشباب، بالإضافة إلى شخص هندي يدعى جو سام وضيفة تدعى غوين.

في مزرعة تلك العائلة تمر الحياة رتيبة مملة بانتظار توقف الثلج للاهتمام بأمور المزرعة لكن الثلج يواصل سقوطه بينما صوت الأبقار في الحظيرة المجاورة يدل على وجود حيوان متوحش في الجوار ،وهنا يتحمس الأشقاء آرثر وكورت وهارولد لقتل الفهد الأسود الذي يقوم بزيارتهم من حين إلى آخر

وقد أجهز على بعض الماشية، لكن سرعان ما يهرب الفهد ليعود الأبناء الثلاثة إلى دفء بيتهم ويبدأون السخرية من بعضهم البعض كنوع من التسلية، بينما يقوم آرثر بنحت قطع خشبية على شاكلة فهد أسود كما رآه ذات يوم، وفي الجوار كانت الوالدة المتسلطة تراقب سلوك ولديها كورت وهارولد مع ضيفتهما الشابة غوين صديقة ابنتها غريس.

حيث بدا الإعجاب واضحا بالفتاة القادمة من منطقة حضرية إلا أن التنافس كما تريده الأم لصالح كورت، وليس لهارولد الأصغر في حين أن الأب السبعيني محب للشراب دائم التذمر والشكوى عكس الهندي جو سام الذي لا يفتح فمه مطلقا، سوى عندما يمارس بعض طقوسه الخاصة.

فجأة يقرر آرثر وكورت عندما يسمعان صوت الأبقار المفزوعة أن عليهما قتل الفهد الأسود هذه المرة، وينطلقان في رحلة بحث مضنية، تتصل بالليل دون أن يجدا الفهد، ولكن خلال طريق العودة ينفرد الفهد الأسود بالشقيق آرثر ويقضي عليه، فيقوم كورت بوضع جثة شقيقه على حصان وإرسالها إلى المزرعة مقسما أنه لن يعود إلى المنزل قبل الانتقام لأخيه وإهداء جلد الفهد الأسود للشقيقة غريس يوم عرسها.

مع وصول جثة آرثر على المزرعة تبدأ نوبات القلق بين الجميع ليس على من مات بل على كورت الذي لا يعرفون مصيره، وعندما تنهمك العائلة في إعداد نعش آرثر تطلب الوالدة من ابنها الأصغر هارولد إعداد نعش آخر، فلربما أجهز الفهد على ابنها كورت أيضا، في تلك الأثناء كان كورت يطارد الفهد وقد أتعبه المسير ليلا ونهارا دون جدوى.

فقد كان الفهد ذكيا وسريعا ومدربا بالفطرة على العيش في هذه الأجواء بينما كان كورت يناضل ليبقى حيا ليعود إلى عائلته.

بعد دفن آرثر وغياب كورت لأكثر من ثلاثة أيام يقرر هارولد وجو سام الخروج للبحث عنه، وكانت المفاجأة بانتظارهما فقد أجهز الفهد على كورت أيضا ولكنه لم يذهب بعيدا فقد بدا انه مازال في الجوار ولعله أصيب بطلق ناري من بندقية كورت، وتبدو عملية الإجهاز عليه سهلة بالنسبة لهارولد وجو سام، وراحا يطلقان النار، دون جدوى، لكن جو سام اختبأ بين الأشجار وسرعان ما أطلق صيحة عظيمة ترافقت بدوي رصاصة ترنح الفهد على أثرها وسقط صريعا.

قام جو سام بسلخ فروة الفهد وإعطائها إلى هارولد طالبا منه أن يقدمها إلى غوين كعربون زواج، وعندما اعترض هارولد على ذلك، قال له جو سام : سوف تقبل بك زوجا، فأنت الآن رأس العائلة. عندها نظر هارولد إلى جثة كورت وتذكر آرثر المدفون خلف المنزل فحمل جثة شقيقه وربطها إلى الحصان واتجها إلى المنزل.

رباب محمد