أشرف على تأليف هذا الكتاب الباحث الانغلوساكسوني.ت.ف. بول المختص بالشؤون الهندية والباكستانية. وفيه يتحدث المؤلف مع بعض الباحثين الآخرين عن واحد من أخطر الصراعات التي شغلت القرن العشرين. وقد تشغل القرن الواحد والعشرين أيضاً. فهو من أطول الصراعات في العالم ولا يضاهيه من هذه الناحية الا الصراع العربي ـ الإسرائيلي على فلسطين.

ومنذ البداية يقول المؤلف الأساسي والمشرف على الكتاب ما معناه: «ان التفجيرات التي اصابت نيويورك وواشنطن صبيحة «11» سبتمبر لها انعكاسات ضخمة تجاوزت حدود أفغانستان لكي تصل إلى الهند وباكستان. وقد لاحظنا تزايد التوتر بين البلدين على كشمير بعد ضربة «11» سبتمبر. والواقع ان حرب أميركا على أفغانستان لم تغير من طبيعة العلاقات الكائنة بين الهند وباكستان وانما زادت من حدة العداء والصراع. وهذا يعني ان حملة الجيش الأميركي على طالبان أدت إلى تغيير موازي القوى في كل أنحاء آسيا الوسطى والجنوبية.

ومن أهم التغيرات يمكن أن نذكر ما يلي: كانت باكستان تبدو في مرآة الرأي العام الغربي بصفتها ديكتاتورية عسكرية خطرة. وتزداد خطورتها تهديداً للغرب اذا ما علمنا أنها تمتلك السلاح الذري وتشجع الحركات الاصولية المتطرفة كطالبان وسواها.ولكن بعد (11) سبتمبر تغيرت صورتها تماماً. فقد انضمت إلى الولايات المتحدة في حربها على الإرهاب وتنظيم القاعدة.وأصبح برويز مشرف الحليف المخلص لواشنطن. ولكنه كان مجبراً على ذلك في الواقع.

فالبلاد كانت على حافة الإفلاس المالي والاقتصادي. وقد أنقذتها مليارات الدولارات القادمة في أميركا، أو قل وعود هذه الدولارات.

ولذلك قرر مشرف وقف دعمه لطالبان ومنع كل الحركات المتطرفة الموجودة على الارض الباكستانية وملاحقة شبكات القاعدة هناك. وهكذا حسَّنت باكستان من صورتها أمام الرأي العام العالمي وعادت إلى الساحة بقوة بعد أن كانت مهمشة.

وهذا ما أزعج الهند كثيراً لانها كانت تراهن على عزل باكستان بإضعافها تمهيداً لفرض حل سلمي عليها في كشمير. ولذلك صرح رئيس وزراء الهند قائلاً: اذا كانت الولايات المتحدة تعتمد على باكستان من أجل محاربة الإرهاب الأصولي فهذا يعني انها لم تفهم شيئاً عن مشاكل المنطقة!.. ثم أردف قائلاً:

لا يمكن لبلد ان يناضل ضد الإرهاب في أفغانستان ويشجعه في كشمير! ولكن باكستان ردت عليه قائلة: «ان المقاومة الفدائية تخوض حرباً عادلة في كشمير على عكس طالبان والقاعدة في افغانستان. وبالتالي فلا ينبغي على الهند ان تستغل ضربة (11) سبتمبر وتخلط بين الطرفين كما يفعل شارون في فلسطين. فهناك فرق بين حرب التحرير الوطنية ضد الاحتلال وبين حركات الارهاب الأعمى كالقاعدة وسواها.

ثم يردف المؤلف قائلاً: ولكن يصعب على حكومة إسلام اباد ان تقنعنا بان هؤلاء الفدائيين الذين يناضلون في كشمير ليسوا متزمتين تماماً كطالبان وجماعة القاعدة! والواقع انهم آتون من مختلف انحاء العالم الإسلامي ويحاربون ليس من أجل إقليم كشمير بحد ذاته وانما من اجل الجهاد، او الحرب المقدسة الإسلامية. وبالتالي فالأمور أكثر تعقيداً مما تقوله أو تحاول ان توحي به الحكومة الباكستانية.

والواقع ان الثقة بين الطرفين معدومة حالياً. نقول ذلك وبخاصة بعد ان نفذت الجماعات الأصولية عمليات إرهابية ضخمة داخل الهند وقد ازداد التوتر كثيراً بعدها إلى درجة ان البلدين وصلا إلى حافة الحرب. ولكن في كل مرة كانت الولايات المتحدة تتدخل بينهما وتمنع وصول مالا تحمد عقباه.

نقول ذلك على الرغم من ان هذه التدخلات الأميركية ما كانت تحل شيئاً في العمق. كانت تؤدي فقط إلى تهدئة مؤقتة دون ان تحل جذور الصراع.

ينبغي أن نعود إلى الوراء قليلاً لكي نفهم ما يجري. في الواقع ان التجارب النووية الهندية ثم الباكستانية التي جرت عام 1998 أدت إلى تغيير المعطيات الاستراتيجية التي تتحكم بالعلاقات بين البلدين منذ التقسيم عام 1947 وحتى اليوم. فبعد أن اصبح كلا الطرفين يمتلك القنبلة الذرية لم تعد الحرب ممكنة نظرياً بين الهند وباكستان، لماذا؟

لأنها ستدمر كلا البلدن إذا ما حصلت بكل بساطة! ولهذا السبب التقى رئيس وزراء الهند فاجبايي برئيس وزراء باكستان نواز شريف، ووقعا على معاهدة سلمية في مدينة لاهور.

ثم يردف المؤلف قائلاً: «ولكن هذه الاستراتيجية العاقلة فشلت لعدة أسباب، أولها ان قادة الجيش الباكستاني خرَّبوها عن قصد عندما احتلوا مرتفعات هندية في كشمير، أي مرتفعات تقع خلف الحدود الباكستانية المتفق عليها هناك: ( حدود التقسيم). وثانيها ان هؤلاء القادة أرادوا إفهام العالم كله ان باكستان لن تتخلى عن قضية كشمير في أي حال من الأحوال.

وثالثها ان المخابرات العسكرية الباكستانية كانت تلعب في ذات الوقت بورقة طالبان والمتطرفين الأصوليين في أفغانستان. ينتج عن ذلك ان نوايا اسلام آباد لم تكن طيبة ولا صادقة في كل الحالات، نقول ذلك وبخاصة القيادة العسكرية الباكستانية وكذلك قيادة المخابرات من قبل الأصوليين الراديكاليين، وهذا ما يعرفه الجميع.

يضاف إلى كل ذلك ان الهند زادت كثيراً من ميزانية الدفاع لمواجهة الصين في آسيا، وهذه الزيادة في التسلح أقلقت العدو التقليدي لها، أي باكستان.

ثم يطرح المؤلف السؤال التالي: لكن ما هي كشمير هذه التي تتنازعان عليها؟ في الواقع ان مساحتها تبلغ مئتين وعشرين ألف كيلو متر مربع، وهي تقع في جبال الهيمالايا الساحرة الجمال والمرتفعة جداً، وعندما حصل تقسيم الهند عام 1947 بعد استقلالها عن التاج البريطاني سارعت كل من الهند وباكستان المشكلة حديثاً إلى السيطرة عليها، وعلى عكس المناطق الأخرى المتنازع عليها فإن كشمير لم تقرر الانضمام إلى هذه الدولة أو تلك، وإنما أرادت أن تصبح دولة مستقلة بذاتها.

ولكن تمرد المنطقة الإسلامية في كشمير وقمع هذا التمرد من قبل القوات الهندوسية والسيخية أدى إلى تغيير معطيات الصراع، فقد دخلت القوات الباكستانية عندئذ إلى المنطقة لإنقاذ اخوانهم المسلمين المحاصرين من قبل الهنود، واستطاع الجيش الباكستاني السيطرة على عدة مدن، وعندئذ تحولت المعركة إلى حرب حقيقية.

والواقع ان هوية كشمير ناتجة عن التفاعل الخصب والمعطاء بين التراث الإسلامي والتراث الهندوسي، وهذا التفاعل استمر على مدار التاريخ طيلة قرون عديدة، ولكن المخابرات العسكرية الباكستانية عقدت الأمور مؤخراً عندما أرسلت المتطرفين الأصوليين إلى المنطقة من أجل الجهاد، ثم أصبح موقف باكستان محرجاً بعد ضربة 11 سبتمبر وإعلان أميركا الحرب على الإرهاب الأصولي نفسه، وأصبحت اسلام آباد بين نارين، فهي لا تستطيع أن تحارب الأصوليين وجماعة القاعدة في أفغانستان من جهة، ثم تدعمهم في كشمير من جهة أخرى!

من هنا حراجة الموقف الباكستاني. وضمن هذه الظروف يمكن القول ان الولايات المتحدة أقامت حلفاً تكتيكياً مع باكستان برئاسة برويز مشرف، ولكنها أقامت حلفاً استراتيجياً مع عدوته الهند، وذلك لأن أميركا اكتشفت متأخرة ان لها عدواً مشتركاً مع الهند هو: القاعدة والأصولية الراديكالية بشكل عام.

ويرى البعض ان باكستان خسرت على كافة الجهات جراء انخراطها إلى جانب الولايات المتحدة في أفغانستان، فالأموال الأميركية الموعودة لم تصل حتى الآن إلى الخزينة الباكستانية الفارغة، أو قل انها وصلت بمبالغ أقل بكثير مما كان متوقعاً. وأصبحت باكستان تجد نفسها من الناحية الاستراتيجية محاصرة من قبل دولتين عدوتين لا دولة واحدة هما: الهند وأفغانستان. لماذا أفغانستان؟ لأن الحكم الجديد برئاسة قرضاي ناقم على إسلام آباد بسبب دعمها لطالبان في الماضي.

يضاف إلى كل ذلك ان نظام الرئيس برويز مشرف أصبح مهدداً من الداخل من قبل الشارع الأصولي الحاقد عليه والذي يتهمه بالعمالة لأميركا، مهما يكن من أمر فإن الصراع الهندي الباكستاني لم ينته بعد، على العكس فإنه من المتوقع ان يشهد تطورات خطيرة في السنوات القليلة المقبلة، بعد أن تكون أميركا قد فرغت من قصة العراق وأفغانستان.

* الكتاب: منافسة طويلة الأمد الصراع الهندي ـ الباكستاني

*الناشر:مطبوعات جامعة كامبردج 2006

* الصفحات:273 صفحة من القطع الكبير

The India - Pakistan Conflict

An enduring rivilry

T.v. Paul

Cambridge university Press - 2006

P.273