هذه المقابلة أجرتها غيس كريسبن، محررة الشؤون الثقافية في مجلة «بوكسلوت» المتخصصة في عروض الكتب مع الروائية الأميركية كاثرين ديفز، بمناسبة صدور روايتها الجديدة «المكان الناحل» عن ردود فعلها حيال الخلافات المحتدمة التي أثارتها الرواية في صفوف النقاد والقراء ما بين متحمس لها بشدة ومتحامل عليها كثيراً، كما تتطرق إلى جانب من ملامح رواياتها الخمس السابقة، وتهاجم إهمال الأدب الجاد لحياة المرأة وتركيز النقاد على ما تسميه بكتب الرجال السميكة. وفي ما يلي نص المقابلة:
كانت كاثرين ديفز، حتى وقت قريب، مؤلفة مغمورة نسبياً، على الرغم من أنها لم تكن تستحق أن تكون كذلك، وربما كان مرد جانب من هذا إلى اختيارها للموضوعات، التي لم تكن تجتذب بالضرورة حماس الكثير من القراء، حيث اختارت موضوعات لرواياتها مثل تاريخ الأوبرا، الثورة الفرنسية، طاهي نابليون، الأسطورة الولشية. وربما يرجع ذلك في جانب منه أيضاً إلى أن نصف كتبها لم تكن متاحة في طبعات ورقية رخيصة الثمن.
وعلى امتداد سنوات ظلت روايتاها «الفتاة التي داست على رغيف» و«الجحيم» متوفرتين في طبعات ذات أغلفه سميكة وغالية الثمن الأمر الذي لم يكن مصدر جذب لقراء جدد لكتبها. لكن هذا الوضع تغير كلية مع الضجة الكبرى التي صاحبت صدور روايتها السادسة «المكان الناحل» بالإضافة إلى اصدار عدد من روايتها السابقة في طبعات ورقية.
* توقف بعض النقاد ومنهم لوسي إيلمان في مقال شهير نشرته في صحيفة نيويورك تايمز تحت عنوان «كل الكائنات هنا في الأسفل» عند توظيفك للواقعية السحرية في روايتك الجديدة، وهو التوظيف الذي وصفته إيلمان بأنه مثير للضيق، ويحاصر أي شيء جاد ربما ترغبين في قوله، بينما تحمس نقاد آخرون لهذا التوظيف عينه. فما هو تعقيبك على ذلك؟
ـ كما هي عادتي دائماً، مع صدور كل رواية جديدة لي، تابعت كل ما كتبه النقاد من تناولات وعروض ومراجعات لـ «المكان الناحل»، وهو العمل الذي قدمت فيه عالماً بأسره، بناسه وحيواناته ونباتاته وأمكنته وفصوله، وإذا كان بعض النقاد قد طاب لهم التوقف عند ما أسموه توظيفاً للواقعية السحرية في رسم ملامح الحياة في بلدة فارين التي تدور الرواية حولها،
وأحس بعضهم بالضيق حيال هذا التوظيف، بينما رأى فيه آخرون إضافة إلى انجازات الواقعية السحرية على طريقة رواية «العظام الجميلة»، فمن الطبيعي والمنطقي تماماً القول إنهم أحرار في تصوراتهم ومن حقهم قول ما يطيب لهم تماماً كما أنني حرة في رؤيتي وفي إطلاق الخيال لعناني لتقديم تجربة روائية اعتقد أنها، في نهاية المطاف، جديرة بالاهتمام، أياً كانت الآراء التي تدور حولها.
* هل تردد ردود الأفعال على «المكان الناحل» أصداء ما أثارته رواياتك الخمس السابقة؟
ـ أثارت روايتي «الجحيم» التي صدرت في عام 1998، بصورة إجمالية ردود أفعال مواتية، تمثلت في عروض جديدة للغاية، وأستطيع القول إن رواية «الجحيم» قوبلت بعروض أكثر من جيدة جداً، ولكن كان هناك نوع من الغضب أو السخط من جانب بعض المراجعين للكتب، كما لو أنني حاولت عامدة أن أجعل مهمتهم صعبة ومتعذرة، وغنى عن البيان أن الأمر لم يكن كذلك،
وكان هناك أحد النقاد في صفحات عالم الكتب التي تنشرها صحيفة «واشنطن بوست»، والذي لا أستطيع تذكر اسمه الآن، والذي اعتبر الأمر مسيئاً للغاية، ومنذ ذلك الوقت فإنه عندما تتاح له فرصة كتابة عرض لأحد كتبي فإنه يبدو كأنه شخص يقفز عالياً ويهبط على صندوق إلى أن يسويه بالأرض، وبعض الناس قدموا عرضاً لهذا الكتاب بدوا في إطاره وكأن الحيرة استبدت بهم، لكنهم قدموا رأيهم بطريقة محترمة، وعندئذ حصل بعض الناس على الرواية وقرأوها وأحبوها وكتبوا عنها مراجعات عظيمة.
* فيما يتعلق بروايتك «فرساي»، يبرز سؤال محدد، وهو: ما الذي جعلك تكتبين عن ماري أنطوانيت وهي شخصية تاريخية انتقدت بضراوة؟
ـ لقد وصلت إلى ذلك عبر باب خلفي من نوع ما، ومن المؤكد أنني لم أفكر في كتابة رواية تاريخية
قط، ولكنني كنت في باريس مع زوجي وابنتي التي رغبت بشدة في الذهاب إلى فرساي، وكنت قد زرتها منذ سنوات بعيدة عندما كنت في سنها بالفعل، وقد كرهت المكان لاعتقادي أنه مزعج وحافل بالادعاء ويثير رهبة الأماكن المغلقة، وحاولت إقناعها بأننا ينبغي أن نذهب إلى مكان آخر، ولكنها أصرت،
فذهبنا إلى فرساي، وكنا نتنزه في الحدائق قبل دخول المبنى، وحدثت نفسي بأنني لم أذهب إلى مكان أدهشني كثيراً على هذا النحو، وعرفت أنني أريد الكتابة عنه، ولكنني لم أدر بأي طريقة أكتب عنه، وكل ما هنالك أنني أردت استخدامه على نحو ما. مرَّ يومان، وكنا لا نزال في باريس، وأرادت ابنتي الذهاب إلى الكونسييرغري، وهو المكان الذي كان يودع في زنزاناته الصغيرة أولئك الذين يوشكون على أن يتم اصطحابهم لتطاح بأعناقهم، وكانوا قد جددوا الزنزانة التي أودعت بها ماري أنطوانيت،
وصنعوا نسخة طبق الأصل منها، ومرة أخرى لم أرغب في الذهاب إلى هناك بصفة خاصة، ففي حقيقة الأمر ليس لديَّ هذا الاهتمام الكبير بالتاريخ، ولم أحب قط درس التاريخ في المدرسة الثانوية، ولست أحب المتاحف كثيراً، فجررت قدمي، ولكننا ذهبنا إلى هناك، وبينما كنا هنالك، ورحت أنظر إلى هذه الزنزانة العجيبة، وأفكر في أن المرأة التي عاشت في فرساي قد وصلت في نهاية عمرها للإقامة في غرفة تكاد تكون في مساحة حمامي. كان هناك شيء ما فيما يتعلق بهذا، وبما يوحيه بشكل الحياة، أثار انفعالي، ثم حدثت نفسي: حسناً، لسوف أكتب عن ماري انطوانيت.
* كم من الوقت تقضينه في إجراء البحث الذي توظفينه في رواياتك؟ حتى رواية «الفتاة التي داست على رغيف» كانت عملاً متعمقاً في معرفته بالأوبرا وبالعصر الذي تدور الأحداث فيه.
ـ تتمثل إحدى القواعد التي وضعتها لنفسي في أنني لا أستبق الكتابة بالقيام بأي بحث، وربما كان ذلك مختلفاً عن الطريقة التي يمضي بها المؤرخ في عمله، فأنا أقفز بقدمي كلتيهما من دون أن تكون لديَّ فكرة واضحة للغاية عما يحدث من الناحية التاريخية، أو من دون أن تكون عندي فكرة واضحة حقاً، عن تاريخ الأوبرا، على سبيل المثال، ثم مع اتضاح أنني بحاجة إلى المعلومات فإنني أضع يدي على ما أحتاجه.
وما لم أرده هو أن يبدو الكتاب كما لو كان أطروحة تخرج، فلم أرد أن يكون غارقاً في الأبحاث بحيث لا تشعر بأنك تقرأ عن أناس حقيقيين وأماكن وأشياء حقيقية. وهكذا فإنه في حالة رواية «فرساي»، ولأنني لم أكن أعرف حقاً أي شيء عن ماري أنطوانيت باستثناء الطريقة التي انتهت بها حياتها وأمرين بسيطين أتذكرهما من فصل التاريخ بالمدرسة الثانوية،
فقد قرأت كتابين عن سيرة حياتها. ثم كانت القاعدة التي اعتمدتها لنفسي هي ألا أدون ملاحظات خلال القراءة، وان باستطاعتي أن أستخدم حقاً ما علق بذاكرتي فحسب، ثم جلبت كومة من الكتب الأخرى التي أرجع إليها عن الطهي والفولكلور والجغرافيا بحسب الاحتياج، ولم أستطع حقاً حساب الوقت الذي أمضيته في عملية البحث، وربما كان وقتاً يعتد به، ولكن شعوري كان أن ما أقوم به هو جزء من عملية الكتابة وليس جهداً منفصلاً عنها.
* يبدو أنك تستخدمين الكثير من الحكايات الخرافية والفولكلورية على امتداد كتبك، فهل هي تشكل نقاط انطلاق لك في الكتابة أم أنها تظهر نفسها كخطوط موازية بينما تكتبين؟ يبدو أن تلك موضوعة متواترة بالنسبة لك.
ـ أعتقد أن ذلك شيء أنجذب إليه حقاً،وقد كنت كذلك على الدوام. لقد كنت أعيد قراءة ألغاز القتل التي كتبها روس ماكدونالد وكتب ليو أرشر، وهناك الكثير من المعلومات عن السيارات، وأعتقد أنني منجذبة حقاً إلى السيارات. وأعتقد أن هناك طريقة ما من خلالها تقفز الأمور التي تنجذب إليها أو تنفعل بشأنها أو تثير انزعاجك ستقفز في عمل روائي. أعتقد أن هناك الكثير من الطعام في أعمالي، فأنا أحب جعل الناس يأكلون ألوان الطعام المختلفة. وقد لاحظت أنني غالباً ما أدرج في رواياتي حفلات أعياد ميلاد.
ولست أدري ما السر في ذلك. ولكنني أدرك أن هناك أشياء معينة تواصل العودة مهما حاولت التأكد من أن كل كتاب أقوم بتأليفه لن يكون مثل كل الكتب الأخرى التي سبق لي تأليفها، فلست أريد أن أكرر نفسي، ثم أدركت بعد أن فرغت من روايتي «النزهة» أن كل كتاب قمت بتأليفه انتهى أو تضمن لحظة يتم فيها إطلاق النار على شخص أو يموت بينما هو واقف منغمرا حتى خصره في الماء. ذلك يبدو سخيفاً. لم؟ لست أدري. ولكن ذلك لم يحدث في رواية «فرساي».
محطات في حياة ديفز
* ولدت الروائية الأميركية كاثرين ديفز في عام 1955 في ريفرز سايد بولاية كاليفورنيا، حيث لا تزال تقيم حتى اليوم.
* حصلت ديفز على البكالوريوس في اللغة الانجليزية والتاريخ ونالت درجة الماجستير في التاريخ من جامعة ليدز في انجلترا والدكتوراه في اللغة والأمية والثقافة من جامعة ستانفورد.
* تعمل حالياً أستاذة مساعدة لدراسات اللغة الثانية وهي مديرة مركز أبحاث اللغة الثانية.
* تعد رواية «المكان الناحل» هي روايتها السادسة، بعد خمس روايات كفلت لها اهتمام نخبة مميزة من القراء الجادين دون أن تحقق لها الاهتمام الجماهيري الواسع الذي تستحقه. ومنها: اللبرادور. الفتاة التي دهست على الرغيف، النزهة وفرساي.
* نالت كاثرين ديفز جائزتي كافكا ومورتون دوين زابل من الأكاديمية الأميركية للفنون والآداب، وحصلت على زمالة غوغنهايم
