خلافاً لما يعتقده القارئ فإن «المكان الناحل» الذي اتخذته كاثرين ديفز عنواناً لروايتها الجديدة ليس إشارة إلى لمسات الواقعية السحرية في الرواية التي احتدم الجدل حولها بين النقاد، وإنما هو اصطلاح ابتكره المسيحيون الكلتيون لوصف موقع أو حالة ذهنية يلتقي فيه العالمان العضوي والروحي.

من هنا، بالضبط، لن يدهشنا أن نلتقي في مطلع الرواية بثلاث فتيات صديقات في الثانية عشرة من أعمارهن يصادفن عند شاطئ بحيرة بلدة فارين في نيوانغلاند غير بعيد عن الحدود الكندية جثة رجل، فتهرع اثنتان منهن، أما الثالثة، فتبقى إلى جوار الجثة وعندما تعود صديقتاها ومعهما النجدة المنشودة، تجدان الرجل وقد ردت إليه الحياة، على يد صديقتهن.

الواقع ان كاثرين ديفز قد بنت حياتها المهنية كروائية على روايات مدهشة ومتداخلة تلج بالقراء عالماً شادت المؤلفة صرحه.في رواية «الفتاة التي دهست على رغيف» سيجد القارئ نفسه ضائعاً في عالم الأوبرا بكل سراديبه ومتاهاته وحكاياته الخرافية، بل ان العنوان نفسه مستمد مباشرة من قصة لهانز كريستيان أندرسن .

في «فرساي» تعيد الروائية الأميركية بناء صرح كل بوصة مربعة من القصر العتيد، وكأنما هذا المكان الرحب المترف أعيد بناؤه ليكون زنزانة ما قبل الإعدام بكل ضيقها وانحصارها.

الآن في «المكان الناحل» نجد أن العالم قد تقلص إلى بلدة فارين الصغيرة، حيث نلتقي بالفتيات لورنا وصني وميس، والأخيرة هي التي تجترح المعجزة التي تصادفنا في صدر الكتاب، لكن الكتاب لا يدور، حصراً حولها، ولا حتى حول الفتيات الثلاث.

على الرغم من صعوبة الوصول إلى صوت يعبر عما يختلج في صدور فتاة في الثانية عشرة من العمر إلا أن كاثرين ديفز تفلح في الوصول إلى ذلك الجسر الذي يمتد بين سكر هذا العمر وبهارات البرادة التي تغمره وصولاً إلى الجانب الأكثر قتامة من هذا العمر.

توشك الفتيات الثلاث على الافتراق، فهن في الصف السادس، وسرعان ما تمضي كل منهن إلى مدرسة إعدادية مختلفة بعد أشهر قلائل منذ ذلك اللقاء ـ الصدمة عند البحيرة.

وحدها لورا التي توصف بأنها «ليست جميلة للغاية وطويلة» يبدو أنها تدرك ألم الفراق الوشيك، أما صني فهي أكثر انشغالاً بالسماح للفتية بوضع أيديهم على مؤخرتها خلال الرقص البطيء من أن تتأمل ما يجري، بينما ميس أقل اهتماماً بتحولها إلى فتاة يافعة منها بموهبتها، المتمثلة في قدرتها على إعادة الموتى إلى عالم الأحياء.

تصف ميس ما تقوم به بأنه وضع نجوم الجسم البشري على مسار واحد، ولكنها في حقيقة الأمر ليست واثقة من طبيعة ما تقوم به. عندما يموت شخص على صلة وثيقة بطفل، فإن رد الفعل العادي من جانب ذلك الطفل هو الاعتقاد بأنه من خلال قوة علوية أو سحرية بمقدوره أن يعيد الميت إلى الحياة،

ولكن والد ميس الذي مات وهي في سن صغيرة للغاية يبدو الإنسان الوحيد الذي لا تستطيع أن تعكس مساره. وبهذا المعنى فإن ميس مخلوقة مميزة بطريقة لا يدركها إلا صديقتها لورنا وكلبها الملل. وتبذل كاثرين ديفز جهداً هائلاً في إيضاح ما يعنيه كون الطفلة «مميزة» بالنسبة لميس التي تمر بهذه السن المستحيلة، الثانية عشرة من العمر.

بينما تشكل الفتيات الثلاث الصغيرات المدخل إلى الرواية، فإن «المكان الناحل» تشمل دائرة حياة البلدة بكاملها، القطط، الكلاب، القنادس، الدجاج، وحتى الذرة، فكل هذه العناصر تلعب دوراً في سرد الرواية.

وعلى الرغم من جهود ميس، فإن الموت يظل يتربص الدوائر بالبلدة، فهناك ظلال الحادثة الرهيبة التي وقعت في عام 1872 وغرق خلالها ثمانية من أطفال البلدة بينما كانوا في جولة بالقوارب في البحيرة التي تحمل الاسم الدال «البحيرة السوداء». التي تطل عليها بلدة فارين. وبينما تثير نهاية الرواية الشعور بالصدمة إلا أنها ضرورية كمقابل لما حدث من قبل، فالموت لابد له من أن يتبع الحياة، فهكذا تسير الدنيا.

وتستخدم كاثرين ديفز مواد لا حصر لها في إعداد نسيج روايتها بما في ذلك ضابط الشرطة، عظات الكنيسة، كتب الخط، مقالات الصحف، ومجلدات العناية بالحدائق، لكي تنحت بلدة فارين من العدم.

وكما هي الحال في أي بلدة أخرى صغيرة على هذا النحو، فإن كل فرد في فارين مرتبط بالآخرين جميعاً فيها، فمدرسة اللغة الفرنسية في البلدة، مثلاً، تواعد ابن امرأة تعيش في دار العجزة بالبلدة، وهذا الابن يتآمر على قتل القائمة على أمور الدار، والتي لا تعدو أن تكون والدة صني التي تمتلك الكلب الذي هرب مع كلب ناظر المدرسة في الغارة على الدجاج. وهم جميعاً يلتقون في دار العبارة كل أسبوع، وكل منهم مرتبط بالآخر على نحو أوثق كثيراً مما يعتقد.

وهم ليسوا مرتبطين بعضهم بالبعض الآخر فحسب، وإنما هم مرتبطون بالماضي وبالمستقبل، وكلهم واقعون في شبكة الحياة والموت. وكما هي الحال في كل روايات كاثرين ديفز الخمس السابقة، فإن كل جزئية في «المكان الناحل» لها أهميتها، ابتداء من الموضع الذي يجلس فيه كل منهم في دار العبادة، وليس انتهاء بالمكان الذي يقيم فيه كل منهم في تواصل حميم مع الآخرين.

وربما لم يقدر لعمل روائي للكاتبة في السابق أن يحظى بالإشادة التي قوبلت بها رواية «المكان الناحل» وهي الإشادة التي وصلت إلى حد القول إن هذا العمل يمثل لقاء بين ستيفن كينغ وفرانز كافكا.وعلى الرغم من ان المرء لا يدري حقاً ما الذي يمكن أن يحدث عندما يلتقي كينغ وكافكا أو كيف يمكن أن يحدث هذا اللقاء أو ما إذا كان ممكنا أصلاً، إلا أن نغمة المديح ـ على الطريقة الأميركية ـ تصل هنا إلى أعلى ذراها.

لكن ذلك، بالطبع، لم يمنع من توجيه انتقادات قاسية إلى «المكان الناحل»، فقد ذهب أكثر من ناقد إلى القول بأن الرواية تفتقر ـ أصلاً ـ إلى وجود حبكة، بينما قام آخرون بالتشديد على ما وصفوه بتردي الكتاب إلى مستوى الشذرات المتناثرة في بعض مواضعه.

وربما كان النقد الأكثر قسوة هو ما وجه إلى نهاية «المكان الناحل» حيث تقرأ في مقال نشر في «نيويورك تايمز» في الخامس من فبراير الماضي عن الرواية ما يلي: «مقارنة بما تقوله ديفز عن الطبيعة والكون فإن نهاية روايتها تأتي مخيبة للآمال. وبعد مثل هذا التصاعد وهذا الحضور القوي من جانب المؤلفة فإنك لا تتوقع منها أن تخونها شجاعتها، ولكن هذا هو ما يحدث».

وأيا كانت النهاية التي يصل إليها هذا السجال بين المتحمسين لـ «المكان الناحل» والذين يشعرون بخيبة الأمل حيالها، فإنها تظل رواية جديرة بالقراءة والاهتمام، ربما بحكم احتدام هذا السجال قبل أي شيء آخر.

لمحة على الشاطئ

«كانت هناك ثلاث فتيات صديقات، وكن يمشين على درب يفضي إلى البحيرة. واحدة صغيرة وممتلئة، وواحدة جميلة ومتوسطة، وواحدة ليست جميلة للغاية وطويلة. كان ذلك في السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين، بعد أن حدث ما ليأتي أحد على ذكره مرات عدة، بحيث أن الجميع كان لا يزال في حالة صدمة، ويشعر بالدوار مما رأى، وما فعله أو عجزه عن فعله. ولم تعد أرواح الموتى تلبس الأردية، وإنما انطلقت من عقالها، وراحت تبث ما يند عنها دونما صوت في أماكن الأحياء.

عند البحيرة تفرع الدرب يميناً ويساراً، اليمين يفضي إلى شاطئ البلدة، بقعة يكسوها النخيل، وبها ست مناضد للنزهات، وفرنان للشي، ومرحاض نقال، وسلة مهملات، وبقعة ضيقة من الرمل الرمادي. اليسار يفضي إلى كنول حيث البيوت المترامية التي يملكها الأثرياء تقبع وسط الأشجار الظليلة ومباني الترفيه ذات الذوق الرفيع المكسوة بالخشب الأحمر، ومن ثم عودة إلى المدينة. وإلى الأمام مباشرة هناك مرسى القوارب ومختبر الشيكولاته ووراء المرسى يمتد الماء».

مقتطف من رواية «المكان الناحل»

* الكتاب: المكان الناحل

* الناشر: ليتل براون ـ نيويورك 2006

* الصفحات: 288 صفحة من القطع المتوسط

The Thin Place

Kathryn Davis

Litte Brown - N.y 2006

P. 288