ميشال أبو جودة (1933 ـ 1992)، واحد من أبرز صحافيي لبنان والعالم العربي، وكاتب «من حقيبة النهار» العمود الشهير في جريدة «النهار» البيروتية. بدأ عمله محرراً في النهار عام 1951، ووقع مقالاته بأسماء متعددة منها «عشتار» و«قدموس». وباشر في كتابة زاويته اليومية في النهار منذ العام 1955. عام 1971 عين رئيساً لتحرير «النهار» بالاشتراك مع لويس الحاج، وعين مديراً مسؤولاً لها عام 1975 بعد تولي غسان تويني حقيبة وزارية.
كانت مقالات ميشال أبو جودة حادة الأثر في السياسة المحلية والعربية عموماً. وهو الذي تعرض بسبب عمله الصحافي إلى الخطف والاعتداء. وأصبح من المعلوم والشائع أن الزعماء والرؤساء العرب في كل البلاد العربية كانوا من قراء مقالاته وكانت تلك المقالات تؤثر في كثير من القضايا وتساهم في كثير من السجالات الكبرى.
كان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر من المعجبين بأسلوب الكاتب الراحل، رغم انه كان يعرّض السياسة الناصرية المصرية للانتقاد، ومرة جمع الرئيس الراحل أنور السادات وزراءه وسألهم إن كانوا يعرفون ميشال أبو جودة، وحين أجابوا بالنفي.
قال لهم: إن ميشال أبو جودة اثبت بمقالته القصيرة انه يعرفني أكثر مما تعرفونني.
ليست هي المرة الأولى التي تقوم فيها دار النهار التي أصدرت الكتاب، وهو يضم نخبة من مقالاته التي كتبها طوال سني عمله الصحافي، بنشر كتب تتضمن مقالات الصحافي الراحل، إذ سبق لها أن نشرت مجموعة من مقالاته في جزأين في أواخر التسعينات.
والدار على ما هو معروف عنها، تدأب بانتظام على تكريم الكبار من أعيان الصحافة اللبنانية وابرز كتابها، فإلى كتب الراحل ميشال أبو جودة، التي أصدرت منها ثلاثة حتى اليوم، نشرت الدار كتاباً يضم نخبة من مقالات الصحافي ورجل السياسة البيروتي الراحل محيي الدين النصولي، فضلاً عن جهدها في ترجمة بعض ما كتبه الراحل ميشال شيحا، والذي يعتبر بحق عراب الدستور اللبناني، واحد ابرز سياسييه وصحافييه في صدر الاستقلال.
إلى نشرها مقالات بالفرنسية للصحافي والوزير الراحل جورج نقاش وهو الذي كان من أهم المنظرين والمثقفين في تاريخ الصحافة اللبنانية. هذا إلى كتب غسان تويني في الصحافة والسياسة والأفكار وفي «سر المهنة وأصولها».
هذا الإصدار الجديد الذي تتقدم به الدار لا يحدوها إليه مجرد تكريم عمود من أعمدتها في تلك الأيام الحالكات من تاريخ لبنان والنهار بصفة خاصة.
فالكتاب لمن يقرأه اليوم، أكثر من راهن إلى حد انه يمكن اعتباره مستقبلياً إلى حد بعيد.
الكاتب الذي تابع دقائق السياسة اللبنانية والعربية في مرحلة متفجرة وتضج بالتغيرات والغليان في المنطقة العربية، وكان في كافة مقالاته أميناً لدوره كصحافي، لم يتجاوزه إلى أي دور آخر، وهو الذي يقول في احد مقالاته : «ان الصحافة في لبنان توصل إلى أي شيء، شرط ان يتركها الصحافي» ومعنى الترك ليس الاستقالة من منصب في صفحة من الصفحات، بل التحول عن دوره كصحافي إلى محاولة لعب دور آخر في السياسة او حتى في مجال الأعمال والدعاية والإعلان.
ميشال أبو جودة استمر أميناً لمهنته. وقد تكون أمانته هذه هي السبب الذي جعل من عموده اليومي في الصحيفة التي رأس تحريرها ردحاً، جزءاً أساسياً من كلاسيكيات العمل الصحافي في العالم العربي. لكنه ولهذا السبب أيضاً تعرض لكثير من المصاعب وبعضها كان خطيراً وكاد يودي بحياته.
حيث قام مسلحون بخطفه في 3 يوليو من العام 1974، ما أدى إلى إصابته بطلق ناري في كتفه، وقد تدخل لإطلاق سراحه عدد كبير من السياسيين في لبنان وخارجه، ربما كان أبرزهم الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.
اثر إطلاقه كتب ميشال أبو جودة مقالة عنونها «ماذا فعلت؟ لقد بقيت حياً»، تحدث فيها عن معنى الخطف بالنسبة للصحافي.
فرأى أن شرط إطلاق السراح أن يمتنع الصحافي عن ممارسة مهنته، ولو لمرة واحدة، أي ألا يخبر القراء عما يعرفه في خلفيات موضوع خطفه. والصحافي بهذا المعنى يخسر جوهر مهنته، ما إن ينتهي خطفه إلى إطلاق سراحه.
كما لو انه يقول في هذه المقالة إن جواب السياسي والعسكري على الصحافي الوحيد هو قتله وإسكاته إلى الأبد. لم تكن حادثة الخطف الحادثة العنيفة الوحيدة التي تعرض لها الرجل، ففي 28 - 5 - 1995، في عهد اللواء فؤاد شهاب حفيد الأمير بشير الشهابي الكبير، كتب مقالة عنونها «في حمى الأمير» عن مقتل النائب
وبطل الاستقلال والصحافي الذي اصدر النشرة الاستقلالية «علامة الاستفهام» في ظل الانتداب الفرنسي، نعيم مغبغب، على بعد كيلومترات عدة من بيت الدين حيث كان مقر الأمير الشهابي بشير الثاني الكبير، الذي كان يلقي ظل حمايته على كل من يقع في حماه، قال فيها: «قتل على بعد أمتار من قصر جده (أي الرئيس فؤاد شهاب) الذي شهُر في تاريخنا ان الناس كانت في حماه على بعد عشرات ألوف الأمتار... لم يصل نعيم مغبغب إلى قصر أبي سعدي.
قتلته ثقته بالقصر». على الأثر تعرض الصحافي الكبير إلى اعتداء عليه وهو يسير في الشارع، حيث عمد احدهم إلى جرحه بموسى حلاقة، تنبيهاً له وتحذيراً من التمادي في ممارسة مهنته.
لا يمكن الإحاطة بكل ما أتى في هذا الكتاب بشكل واف. فالكتاب إلى تناوله قضايا الصحافة والسياسة اللبنانية، يتناول أيضاً السياسات العربية عموماً والدولية أيضاً، من أميركا إلى فرنسا، فالخليج العربي مروراً بالعراق ومصر وسوريا.
جمع مقالات هذا الكتاب الصحافي في النهار ميشال هليل. وكتب له مقدماته كل من غسان تويني وهو أشهر من ان يعرف، وأدمون صعب وهو رئيس التحرير التنفيذي في جريدة النهار، وانسي الحاج الذي رأس تحرير النهار زمناً بعد وفاة لويس الحاج وميشال أبو جودة. فضلاً عن مقدمة أخيرة لميشال هليل نفسه.
بلال خبيز
* الكتاب: 207 مقالات وتاريخها 3591 - 1992
* الناشر: دار النهار ـ بيروت 2006
* الصفحات: 448 صفحة من القطع المتوسط
