مؤلف كتاب « فصول التماثيل» هو الشاعر الأمير، الملقب بخليفة اليوم الواحد «أبو العباس عبدالله بن المعتز» الذي يعتبر واحداً من ألمع الشخصيات الأدبية في القرن الثالث الهجري ـ التاسع الميلادي ـ إلى جانب «الجاحظ وابن قتيبة والبحتري وابن الرومي».كان هذا الشاعر الأمير، واحداً من أبناء البيت الحاكم في الخلافة العباسية، فهو ابن الخليفة العباسي الثالث عشر « المعتز بالله بن المتوكل» إلا أن دوره في الأدب أهم بكثير من دوره في السياسة.

ولد «عبد الله بن المعتز « في « سامراء « سنة 247 هجرية، وتوفي مقتولاً في بغداد سنة 296 هجرية، وخلال هذه السنوات عاش « ابن المعتز « كثيراً من الأحداث المثيرة، وواجه كثيراً من الظروف القاسية، فلم تمض على مولده إلا أيام معدودة، حتى قتل جدّه «المتوكل » بأيدي الأتراك، ثم خلع والده « المعتز » عن ولاية العهد بعد شهور قليلة، وحبس بعد ذلك لمدة ثلاث سنوات،

ثم دار صراع عنيف بين «المعتز » وبين «المستعين» على الخلافة انتهى بانتصار «المعتز» وارتقائه عرش الخلافة، ولكنه خلع عن العرش وقتل شر قتلة، ثم نفي الأمير «عبد الله » إلى «مكة» ثم أعيد مع جدته إلى « سامراء»، وما إن تقدمت به السن، حتى أصبح موضع ريبة من الخلفاء ينظرون إليه كمنافس يمكن أن يشكل خطراً عليهم.

و لكن الأمير عرف في صباه حياة العز والنعيم، حين ارتقى والده عرش الخلافة وعرف في شبابه بعض الهدوء والاستقرار في عهد عمه «المعتمد » حين انصرف عن السياسة، إلى الأدب واللهو، جامعاً حوله مجموعة كبيرة من الأصدقاء التي تضم الأدباء والشعراء والكتّاب والمغنين، وعرف في رجولته الشهرة الواسعة، حين اعترف بفضله الأدبي أعلام معاصريه،

وحين أصبح الشاعر الأول للحزب العباسي وجليساً مرموقاً من جلساء الخليفة ومهما يكن من أمر، فإن شيئاً لم يطغ على اهتماماته الأدبية، فقد استطاع رغم كل الظروف أن يجد الوقت الكافي للكتابة في مجالات الشعر والنثر، وقد بلغ عدد مؤلفاته اثني عشر كتاباً، في مواضيع متعددة، بالإضافة إلى ديوان شعر ضخم.

و كان« ابن المعتز » رائداً في عدد من هذه المؤلفات، خاصة في كتاب «البديع » الذي كان أول كتاب مستقل في الأدب العربي يخصص كله للبلاغة. أما كتابه « فصول التماثيل » فهو الكتاب الذي بني على خطة منهجية واضحة يميل في معظم فصوله إلى طريقة الأدباء التي تهتم قبل كل شيء بالوصف الجمالي، والأخبار، واللغة، جامعة بين الشعر والنثر، والتي تبتعد عن الجدل والتفصيل في الأحكام والشرائع.

في هذا الكتاب الذي يتكون من مقدمة وأربعة فصول، يتحدث « ابن المعتز » عن الكروم والأعناب، وعن الشراب وخصائصه وأدواته، وعما ورد فيها جميعاً من أوصاف وتشبيهات في أشعار القدماء والمحدثين، بما في ذلك شعره هو، كما يتحدث عن آداب الشراب وعاداته، وعن تحليله تحريمه،وهو إلى جانب ذلك، ينتقل كثيراً من أقوال الحكماء والأطباء، التي تدور حول أصناف الشراب وأحواله وتأثيره.

ويتضح لقارئ الكتاب، أن المؤلف لا يسعى لإثبات فكرة أو نظرية معينة إن ما يفعله هو تنظيم المادة التي جمعها من مصادره المختلفة في فصول محددة وترتيبها ترتيباً منهجياً مقبولاً، ليكون كتابه مصدراً لكل المواضيع المتعلقة بالخمر، دون أن يستقصي البحث فيها حتى النهاية.

ويجدر بالملاحظة ما في الكتاب من أثر لأدب المفاضلات أو المحاسن المساوئ خاصة في الفصول التي يعقدها المؤلف لتحريم الشراب وتحليله، وللصبوح والغبوق، ولفضائل السكر والاعتذار من السكر.

و تكمن أهمية هذا الكتاب أولا، في أنه حفظ لنا مجموعة كبيرة من الأبيات الشعرية، بعضها ورد فيه، وفي غيره من المصادر القديمة، وبعضها لم يرد في أي مصدر سابق له، وبعضها لم يرد في مصدر سواه، فهو بالنسبة للأولى مصدر مساعد في التوثيق والتحقيق، وبالنسبة للثانية مصدر أول، وبالنسبة للثالثة مصدر وحيد، وبالإضافة إلى ذلك فهو يعكس لنا بعضاً من اهتمامات الطبقة العليا في ذلك العصر، ويعطينا فكرة عن مجالسهم، وعن اتجاهاتهم في الحياة والأدب والتفكير.

و أهم ما تميز به الكتاب أيضا، تركيزه على التشبيه المركب والصور الوهمية وتدقيقه في الوصف والتشبيهات، وخاصة في ملاحظة اللون وإبرازه، واستغلاله المجوهرات والذهب لهذا الغرض بصورة واسعة،بالإضافة إلى ما أدخله من الخمريات من شعر الطبيعة، خاصة في ما يتعلق بالتشخيص ووصف الزهور والتعبير عن التمتع بجمال الطبيعة، كما أن اهتمامه بالتشكيل المكاني، ـ من اجل إدخال القارئ إلى جو القصيدة ـ أمر لا نجد له أمثلة كثيرة في الشعر العربي القديم.

و أكبر الظن أن «الجاحظ » كان من أوائل الذين ألفوا في هذا الموضوع كما شارك «ابن قتيبة» في هذا المجال، لتكتمل السلسلة بكتاب « ابن المعتز » الذي عبّر أصدق تعبير عن عصره وأناسه.