مؤلف هذا الكتاب هو جان فرانسوا دونيو، الشخصية الفرنسية المرموقة سياسيا وثقافيا. فقد ولد عام 1928 في عائلة بورجوازية ميسورة. وهذا ما أتاح له أن يتعلم ويحصل على الشهادات العليا ويصبح سفيرا لفرنسا في موريتانيا عام 1963. وكان هذا أول منصب رسمي يستلمه.
ثم عينه فاليري جيسكار ديستان سفيرا لفرنسا في إسبانيا بناء على طلب الملك خوان كارلوس الذي كان صديقه الشخصي ولا يزال. وفي عام 1977 أصبح وزيرا في حكومة ريمون بار. ثم استلم مناصب عالية في وزارة الخارجية الفرنسية وقام بعدة مهمات في الخارج. وبعد سقوط ديستان في الانتخابات الرئاسية عام 1981 تخلى جان فرانسوا دونيو عن السياسة الفعلية وتفرغ للكتابة والبحث. وأصدر عدة كتب مهمة ثم انتخب عضوا في الأكاديمية الفرنسية عام 1992.
وفي كتابه الأخير هذا يتحدث المؤلف عن عدة قضايا سياسية كان شاهدا عليها بشكل مباشر أو غير مباشر. ولكنه يروي الأمور على هيئة قصة خيالية لكي لا يتحمل أي مسؤولية.
فبطلة القصة هي سيدة فرنسية تدعى «أغسطس» وراوي القصة هو عاشقها ومنفذ رغباتها في الخارج أو الداخل لأنها تشرف على الاستخبارات الفرنسية بكل بساطة. ولها مكتب كبير في قصر الاليزيه حيث تستطيع أن تدخل على الرئيس في أي وقت تقريبا. من خلال هذا الإطار العام نلاحظ أن المؤلف جان فرانسوا دونيو يصفي حساباته مع الماضي ويروي ذكرياته الخاصة بالقضايا الحساسة لفرنسا. فهو يتحدث مثلا عن تدخله في شؤون المخطوفين الفرنسيين في لبنان أواخر السبعينات.
كما يتحدث عن زيارة بيروت السرية لهذا الغرض وعن الشخصيات التي التقاها هناك من كافة الأطراف المسيحية والإسلامية. ومعلوم أن لبنان كان يعيش آنذاك في ظل حرب أهلية طاحنة. وبالتالي فالسفر إلى بيروت في مثل هذه الظروف كان يعتبر مغامرة غير مضمونة العواقب.
ثم يتحدث المؤلف بعدئذ عن قصة داخلية هزت فرنسا في عهد الرئيس السابق فرانسوا ميتران. وهنا يقول المؤلف بما معناه: في 28 أكتوبر عام 1978 انفجرت قنبلة صحافية في اسبانيا. فقد أدلى أحد المسؤولين السابقين في حكومة فيشي بحديث عن اليهود في مقابلة طنانة رنانة إلى مجلة «الاكسبريس».
وفيها يخرج عن صمته بعد ثلاثين سنة من الاختفاء ويتهم رينيه بوسكيه بأنه هو المسؤول الحقيقي عن تسليم اليهود إلى هتلر من أجل حرقهم أثناء الحرب العالمية الثانية.ومعلوم أن بوسكيه هذا هو صديق شخصي لفرانسوا ميتران.
كما أنه استلم عدة مناصب وزارية في عهد الجنرال ديغول. ثم نشرت الصحافة عدة صور له وهو يتناول العشاء مع الرئيس ميتران وزوجته وذلك قبل أن يصبح رئيسا للجمهورية. وبالتالي فكيف يمكن لزعيم اشتراكي كميتران أن يكون متواطئا مع الفاشيين والنازيين؟
باختصار فإن العملية بدت مدبرة بحنكة وتهدف الى توريط الرئيس الفرنسي بعلاقات مشبوهة مع نازيين سابقين أو عملاء للنازية. وعندئذ عقد الرئيس اجتماعا مهما مع بعض مساعديه ومن بينهم أغسطس هذه وسألهم: من المسؤول عن هذه المؤامرة اللئيمة الهادفة إلى تشويه سمعتي وزعزعة الاستقرار في فرنسا؟
هل هو الـ «ك.ج.ب» أم «السي.آي.اي» أم الموساد الإسرائيلي؟ وعلى الرغم من أن شكوكه كانت تحوم حول جهاز الاستخبارات الأخير إلا أنه فضل تجاهل هذه الاحتمالية لكي لا يصطدم باللوبي اليهودي القوي جدا في فرنسا. وفضل أن يضع اللائمة على المخابرات المركزية الأميركية التي تضايقت جدا من دخول وزراء شيوعيين إلى الحكومة الفرنسية. ومعلوم أن ميتران كان قد انتخب رئيسا عام 1981:
أي بعد ثلاث سنوات من انفجار القضية المذكورة.ثم قال لهم الرئيس: إن إخراج قضية رينيه بوسكيه إلى السطح بعد ثلاثين عاما على انتهاء الحرب العالمية الثانية يهدف إلى خلخلة الأوضاع العامة في فرنسا. إنهم يريدون بعث أشباح الماضي الخاصة بأيام الاحتلال النازي لكي تنقسم فرنسا على نفسها وتدخل في حرب أهلية من جديد. هذا هو هدف المخطط اللعين أيها السادة. وينبغي أن نعرف كيف نواجهه ولا نقع في الفخ الذي نصبوه لنا.
ثم أضاف الرئيس قائلا: هل تعلمون أن رينيه بوسكيه كان قد حوكم بعد الحرب العالمية الثانية وبرأته المحكمة من التهم الموجهة إليه؟
ولولا ذلك لما استطاع أن يصبح وزيرا في عهد رئيس فرنسا الحرة الجنرال ديغول. وبالتالي فلست أنا صديقه الوحيد.
فلماذا يحركون هذه القضية القديمة من جديد يا ترى؟ وهذا الفاشي الفرنسي المختبئ في إسبانيا لماذا فتح فمه وفجر كل هذه القنبلة الموقوتة بعد خمسة وثلاثين عاما على نهاية القصة؟ أين هي مصلحة فرنسا في الموضوع. إنهم يريدون أن تعود فرنسا إلى الأيام السوداء حيث انقسمت إلى قسمين: قسم متعاون مع الألمان بقيادة الماريشال بيتان، وقسم تابع لقائد المقاومة الحرة الجنرال ديغول.
ونحن طوينا هذه الصفحة المؤلمة من تاريخنا، وليس لنا أي مصلحة في فتحها من جديد. ثم إني أسألكم: من الذي أخذ لي هذه الصورة مع بوسكيه في حفلة عائلية خاصة؟ أو بالأحرى كيف استطاع المتآمرون أن يصلوا إلى هذه الصورة وينشروها في الصحف؟ إن المقصود بذلك هو تشويه سمعة رئيس الجمهورية وإضعافه من أجل ابتزازه وابتزاز فرنسا من خلاله.
ثم ينتقل المؤلف بعدئذ إلى التحدث عن العلاقات الفرنسية ـ العربية ويقول: في بداية السبعينات من القرن الماضي تلقى أحد الصحافيين الفرنسيين المقربين من قصر الاليزيه البرقية التالية: عليك أن تشكل لنا صورة واضحة عما تنشره الصحافة عن العلاقات الفرنسية العربية والفرنسية العراقية خصوصا، وعليك أن تضع مخططا ذكيا لإعادة تنشيط العلاقات بين فرنسا والعالم العربي.
والواقع أنه عندما شعرت السلطات الفرنسية بإمكانية حصول حصار بترولي على أوروبا رغبت في تقوية العلاقات مع دول الشرق الأوسط المنتجة للبترول وبخاصة المملكة العربية السعودية والعراق. بل وفكرت في تشكيل تحالف اقتصادي وسياسي مع العالم العربي، وعندئذ سافر الرئيس جورج بومبيدو إلى المملكة العربية السعودية في زيارة رسمية.
وكان هذا البلد غريبا جدا على فرنسا آنذاك بسبب فقدان العلاقات التاريخية ونظرا لاحتكار أميركا لهذه العلاقة. ثم يردف المؤلف قائلا: ولكن الأمراء السعوديين رحبوا بهذه الزيارة كل الترحيب لأنها تحررهم ولو قليلا من ضغط الحليف الأميركي وتفتح أمامهم المجال لتحالفات سياسية جديدة أو إضافية.
وقد قال الملك فيصل بن عبد العزيز لرئيس جمهورية فرنسا ما يلي: كعربون للصداقة بيننا وكرمز للتحالف الجديد فإني سوف أرسل لكم كسفير لنا في باريس أعز مستشار لدي: الدكتور رشاد فرعون.
وفرح الرئيس بومبيدو بهذه الثقة الغالية التي منحه إياها الملك السعودي الكبير. ولكن الشيء الذي نسيه كلا الزعيمين هو أن الدكتور فرعون سوري الأصل وكان ضابطا في الجيش الفرنسي أثناء الانتداب ! وكان طبيبا أيضا. وقد هرب من الجيش عندما اندلعت الثورة السورية ضد فرنسا عام 1925 والتجأ إلى المملكة العربية السعودية لكي ينجو بجلده. وقد حكمت عليه فرنسا بالإعدام نتيجة ذلك.
وها هو الآن يجيئها سفيرا! ولذلك فعندما وصل إلى مطار أورلي أو حتى قبل وصوله اتخذت السلطات الفرنسية قرارا بإلغاء حكم الإعدام هذا واستقباله مع كافة التشريفات وكأن شيئا لم يكن. فالعلاقات مع السعودية أهم من أي اعتبار آخر. وينبغي أن نطوي صفحة الماضي من أجل مصلحة الحاضر والمستقبل.
ثم يردف المؤلف قائلا: وأما مع العراق فالقصة ابتدأت بشكل مختلف. ففي عام 1972 استقبل الرئيس بومبيدو في قصر الاليزيه نائب رئيس مجلس قيادة الثورة الشاب: صدام حسين. ولم يكن عمره يتجاوز الخمسة وثلاثين عاما. ولكنه كان قد أصبح الرجل القوي في النظام العراقي. وكانت هذه هي أول زيارة له إلى الخارج.
ولم يكن يبحث عن فرنسا كشريك موازن للنفوذ الأميركي في بلاده وإنما للنفوذ السوفييتي الذي كان يحتل مواقع بارزة في العراق وكان المورد الأساسي للأسلحة. وقد أراد صدام حسين كسر هذا الاحتكار وتنويع العلاقات الدولية فاختار فرنسا.
وبعد موت الرئيس بومبيدو عام 1973 سافر رئيس الوزراء جاك شيراك إلى بغداد عام 1974 وحصلت الصداقة الشهيرة بينه وبين صدام. وتم توقيع عقود اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية ضخمة بين البلدين. ثم كانت النهاية المأساوية لتلك العلاقات بسبب مغامرات صدام العسكرية المتهورة.
* الكتاب: اللعبة الكبرى
* الناشر: هاشيت ـ باريس 2006
* الصفحات: 290 صفحة من القطع الكبير
Le grand jeu
Jean-François Deniau
Hachette- Paris 2006
P . 295

