مؤلفة هذا الكتاب هي الكاتبة الفرنسية إيزابيل صياح بوديس. وهي بنت أم فرنسية وأب جزائري ولذلك زاد اهتمامها بالعالم العربي وآدابه وفنونه. وقد اشتغلت في ميدان الصحافة الفرنسية لسنوات طويلة ونشرت عدة كتب. نذكر من بينها: حريم، مسار النساء الشرقيات، ثم فرنسيةـ جزائرية وفخورة بذلك...
وفي هذا الكتاب الجديد تقدم المؤلفة لمحة تاريخية عامة عن حياة أكبر مطربة عربية في القرن العشرين كوكب الشرق: أم كلثوم. وبعد أن تتحدث عن طفولتها الفقيرة في إحدى قرى الدلتا تقول: لولا صوتها الذي كان هبة من الله لما تجاوزت أم كلثوم حدود قريتها وحياتها الفلاحية البسيطة في أرياف مصر. كانت قد ظلت مثل بنات القرية فقيرة، مسلوبة الإرادة، وربما متزوجة من شخص فقير مثلها وذات أطفال عديدين.
ولكن موهبتها الخارقة في الغناء فتحت أمامها أبواب المجد والصعود الاجتماعي في الحياة. وهي التي أوصلتها إلى القاهرة، محجة كل أبناء الريف الذين يريدون أن يشتهروا في أي مجال من مجالات الحياة. فالشاعر يريد أن يذهب إلى القاهرة ويترك قريته أو مدينته الصغيرة، وكذلك الفنان والمطرب، الخ.
وفي القاهرة تعرفت أم كلثوم على الشاعر الكبير أحمد رامي. وقد أحبها كثيرا ولكن بشكل عذري أو صوفي. وراح يكتب لها القصائد والأشعار لكي تغنيها. وهكذا انصهرت موهبة الطرب بموهبة الشعر ونتج عن ذلك العجب العجاب: نتجت أجمل الأغاني المصرية والعربية.
ثم تردف المؤلفة قائلة: ويعتقد المؤرخون بأن ولادة أم كلثوم كانت عام 1904. وبالتالي فهي عاشت في ظل النظام الملكي أكثر من نصف عمرها. وقد اشتهرت في تلك الفترة ونالت الجوائز من الحكومة وغنت للملك والقصر، ولكن ذلك لم يمنعها من مواصلة مسيرتها بعد اندلاع ثورة 23 يوليو بقيادة جمال عبد الناصر والضباط الأحرار.
في الواقع ان الثورة حصلت عندما كانت أم كلثوم تصطاف في مدينة الاسكندرية كما تفعل الطبقة الراقية المصرية: أي طبقة الباشوات وكبار القوم والأثرياء. وبما أنها كانت مشهورة فإنها أصبحت غنية وقادرة على أن تعيش حياة الأمراء. ولكنها توجست خيفة في البداية عندما سمعت بالانقلاب العسكري على الملك فاروق.
ولذلك قطعت اجازتها الصيفية فورا وعادت إلى القاهرة لكي تستجلي حقيقة الوضع. وبالفعل فقد سمعت بأن مدير الإذاعة الجديد أمر بمنع نشر أغانيها بعد اليوم. فقد أخبرها الشاعر أحمد رامي بأنهم قطعوا أغانيها منذ ثلاثة أيام بأمر من شخص يدعى رحماني، مدير الإذاعة بالذات. وقال لها رامي بأن بعض أعضاء قيادة مجلس الثورة يتحدثون عنها بشكل سلبي لأنها غنت للملك وبالتالي فلا يمكن إلا أن تكون رجعية ضد الثورة والشعب.
وعندئذ ردت عليه أم كلثوم قائلة: إنهم مجانين! ماذا يعيبون عليّ؟ إني غنيت في حضرة الملك الذي طلب مني ذلك؟ وهل كان بإمكاني أن أرفض؟ ألم يكن أعضاء قيادة مجلس الثورة ضباطا في الجيش؟ أما كانوا ينفذون أوامر السلطة والملك؟ فلماذا يعيبون عليّ ذلك إذن؟
ثم تردف المؤلفة قائلة: ويبدو أن غضب أم كلثوم وصل إلى مسامع البكباشي جمال عبد الناصر فجنّ جنونه. وراح يمشي في مكتبه الواسع بمجلس قيادة الثورة ذهابا وإيابا وهو لا يتمالك أعصابه. فهي مطربته المفضلة. ولم ينس أن الانجليز كانوا قد هددوها لأنها تضامنت مع الضباط الذين حاربوا في فلسطين وهو منهم.
وبالتالي فقد طلب فورا أن يتحدث مع هذا المعتوه «رحماني» مدير الإذاعة. وعندما سمع هذا الأخير صوت جمال عبدالناصر خاف وقال له: أمرك يا سعادة البكباشي. أنا أخطأت في التقدير وسأتراجع عن موقفي. والواقع أني عندما رأيت الضباط الذين بقوا أوفياء للملك سرحوا من الجيش، وعندما رأيت أن الوزراء السابقين أقيلوا فكرت بأن أم كلثوم ينبغي أن تعاقب لأنها كانت تغني في زمن الملك.
فرد عليه عبدالناصر قائلاً: ألم تكن الشمس تشرق في زمن الملك أيضا؟ ما ذنب أم كلثوم إذن؟ إنها شمس هذا البلد، وأنا أريد فورا أن أسمع صوتها يصدح على الراديو. وهذا ما كان. فلا أحد يجرؤ على مخالفة زعيم مصر الجديد. وبعدئذ اتصل عبدالناصر مباشرة بأم كلثوم وقال لها: هذا جمال عبدالناصر الذي يتحدث معك. إني أعبد صوتك. أنت مفخرة مصر وملايين العرب. لقد تحدثت مع رحماني وهو ينتظر مكالمة منك لتحديد مواعيد برامجك مع الإذاعة.
فأجابته أم كثلوم قائلة: شكرا بكباشي. سوف أتحدث فورا مع رحماني هذا. وهكذا عادت الأمور إلى نصابها وطويت صفحة العهد الملكي السابق إلى غير رجعة. وأعيد الاعتبار إلى أم كلثوم، بل وأصبحت رمزا على العهد الجديد. وغنت للثورة وجمال عبد الناصر أجمل القصائد والأغاني.
ثم تعرضت أم كلثوم بعدئذ لتهديدات تليفونية من قبل عملاء النظام السابق أو من قبل الانجليز أو الاثنين معا. وعندئذ أمر عبد الناصر بإرسال شرطيين للمرابطة أمام بيتها ليلا ونهارا فقط. وقال لهم: لا أريد أن أخاطر بحياة أم كلثوم بأي شكل. ينبغي أن تحميها الثورة بشكل كامل. ثم سافرت للاستشفاء في الولايات المتحدة الأميركية. وكانت تحمل معها دائما نسخة من القرآن الكريم لتحميها. والواقع أنها كانت متدينة جدا وتقرأ القرآن كثيرا وتؤدي صلواتها كوالدها الذي كان إمام جامع في القرية. وعندما عادت من واشنطن كان أنور السادات على رأس مستقبليها في المطار.
وعندما أعلن جمال عبدالناصر تأميم قناة السويس وألقى خطابه الشهير كانت أغاني أم كلثوم تسبقه وتلحقه على الراديو.
وفي تصريحاتها العامة كانت أم كلثوم تقول: نحن نشهد الآن ولادة مصر جديدة. وسوف يكون لنا جميعا دور لكي نلعبه. وعندما سمعت بأن الرئيس عبد الناصر سوف يبني سد أسوان لكي يزيد المساحة الزراعية في مصر تذكرت كلمة نابليون بونابرت الشهيرة: لو أني كنت ملكا على هذه البلاد لما تركت قطرة واحدة من نهر النيل تضيع هدرا. وعرفت عندئذ أن مشروع عبد الناصر سوف ينقذ مصر.
ثم حصل العدوان الثلاثي على البلاد بقيادة انجلترا وفرنسا وإسرائيل. ونزلت كوكب الشرق إلى ساحة المعركة لكي تغني للأبطال وتدافع بصوتها الملائكي عن البلاد. ولم تدخر وسعا ولا طاقة من أجل تشجيع شباب مصر على صد الغزاة.
والواقع أن أم كلثوم كانت وطنية جدا ومؤمنة بالله والإسلام قبل كل شيء. ولم يكن القرآن يفارقها أثناء السفر إلى الخارج. وعندما كان القلق يساورها كان يكفي أن تقرأ سورة أو سورتين لكي يزول عنها الهمّ والغمّ. ثم تردف المؤلفة قائلة: وعندما حصلت هزيمة 5يونيو 1967 وأعلن الرئيس جمال عبد الناصر استقالته تحت هول الصدمة قبل أن يسحبها تحت ضغط الشارع نزلت أم كلثوم إلى ساحة المعركة من جديد.
وراحت تقيم الحفلات الغنائية وتجمع الأموال من أجل تزويد الدولة بكل ما تقدر عليه من أموال لسد النقص وشراء الأسلحة واستعادة الكرامة الجريحة. ولأول مرة قبلت بأن تذهب إلى باريس «مدينة الجمال والحب» كما كانت تسميها من أجل جمع الأموال أيضا للمساهمة في الجهد الحربي والدفاع عن مصر والعرب.
وقد أحيت حفلة غنائية تاريخية لا مثيل لها في صالة «الأولمبيا» أكبر صالات الغناء في العاصمة الفرنسية. ويقال بأن الملك حسين جاء من الأردن لحضورها ولكن متنكرا لكي لا يزعجه أحد. وجاء أمراء الشرق العربي وشخصياته الكبرى لسماع صوتها وهو يصدح «بالأطلال» وسط العاصمة الفرنسية.
وامتلأت القاعة بالشخصيات عن بكرة ابيها. وكان ثلاثة أرباع الحاضرين من العرب والربع الآخر من الفرنسيين ووجه إليها الجنرال ديغول برقية تحية قال فيها: لقد اهتز قلبي وقلب كل الفرنسيين لسماع صوتك! وردت عليه ببرقية تحييه فيها وتشكره على حسن الضيافة. وجمعت من تلك الحفلة مبلغا ضخما يتجاوز العشرين مليون دولار بالقيمة الحالية. ودفعته كله لخزينة الدولة المصرية دعما للجهد الحربي ومحبة بالقائد العربي الكبير: جمال عبد الناصر.
* الكتاب: أم كلثوم، كوكب الشرق
* الناشر: منشورات الصخرة باريس 2006
* الصفحات: 291 صفحة من القطع الكبير
Oum Kalsoum, l'étoile de l'Orient
Ysabel Saïah-Baudis
Editions du Rocher-Paris2006
P.291

