يعاني البحث والتأليف في الحقل الفلسفي العربي من محدودية المشتغلين به، وقلة الاهتمام نظرا للإشكاليات التي يطرحها على المستوى السياسي والثقافي، وقد ظهرت في العقود الأخيرة مساهمات عديدة حاولت أن تستعيد حيوية الفكر ودوره في تجديد صورة المعرفة وتطويرها في ضوء المكتسبات المعرفية والمنهجية الحديثة،
ويعدُّ كتاب الدكتور رضوان سليم الأكاديمي والباحث المغربي الذي يدرّس الفلسفة في جامعة محمد الخامس إضافة جديدة إلى تلك المساهمات يحاول فيها البحث في مفهوم الزمن التاريخي كما تجلى في ثنايا النصوص التاريخية وسرد الحوادث التاريخية ومقاربة التاريخيات العربية ـ الإسلامية من منظور معرفي جديد انطلاقا من دراسة الخبر باعتباره يشكل بنية معرفية كاملة وأحد الأركان الأساسية للمعرفة الإسلامية لأجل استخراج مفهوم الزمن كما تصوره المؤرخون المسلمون وقدموه في أحاديثهم عن المذاهب والملل والنحل، وفي تعريفهم للعقل والعلم وتصنيفهم للعلوم وجدلهم في قضايا الفلسفة وعلم الكلام.
يقوم التاريخ عند الباحث على تصور يمثل فيه حقلا خصبا للبحث الفلسفي يسعى الفلاسفة من خلاله إلى اختبار أفكارهم من خلال محاولة فهم وتفسير وتأويل الصيرورة التاريخية للوصول إلى إنتاج مفاهيم كلية تساعد في إعطاء معنى للماضي الإنساني حيث ساهم تطور البحث الفلسفي في التاريخ وتوسيع مفهوم التاريخ في الكشف عن الأنماط الزمنية للكتابة التاريخية نجم عنه تحول مفهوم الزمن إلى حل يساعد على تجاوز وضعية المواجهة بين الفلاسفة والمؤرخين بعد أن أسهم اعتبار الزمن الموضوع الرئيس للتاريخ في إحداث قطيعة مع الرؤية التقليدية إلى التاريخ وتحويل مفهوم الزمان إلى بنية معرفية خفية تنظم الصيرورة التاريخية.
وينطلق الباحث في دراسة نظام الزمن العربي عند الباحثين العرب من رؤية ترى في الزمن نقطة التقاطع بين الفلسفة والتاريخ وتسعى إلى تجاوز مقولة التاريخ للتاريخ التي وسمت أغلب الدراسات والأبحاث المتعلقة بالتاريخيات العربية اذا كانت الدراسة تروم تجاوز المنهج التأويلي الكلي للتاريخ، والتمثل في التأويل الديني للماضي الإسلامي خصوصا، والإنساني عموما من أجل رد الاعتبار لمفهوم التاريخ كمنجز معرفي.
ويشير الباحث إلى مسألة مهمة تتلخص في كون المتن التاريخي العربي الإسلامي رغم غزارته وتنوعه ونوعيته لم يستطع تكوين وعي تاريخي موحد ومنسجم للماضي لكي يصل إلى صنع زمانية منظمة تدرك الحاضر، وتعرف الماضي وتتطلع إلى المستقبل. ويحدد المشكل الذي واجهه المؤرخ العربي على هذا المستوى والمتمثل في الزمان وتدوين الخبر، وليس في التاريخ، فقد نجم عن هذا التصور خلق أزمنة لأن لكل نمط تاريخي زمنه الخاص ولكل وعي تاريخي زمانيته،
مما أدى إلى غياب الزمن التاريخي الذي ساهم في منح المعرفة التاريخية زمانها الأمر الذي أدى إلى غياب التصور الواضح للعصور التاريخية السالفة. وفي هذا الصدد يستعيد الباحث أولا الدراسات العربية التي اهتمت بعلم التاريخ العربي ـ الإسلامي للكشف عن المسالك المختلفة التي سلكتها في تحديد مفهوم التاريخ ونظامه وشروط إنتاجه مما أدى إلى غياب الإطار النظري الموحد لمفهوم التاريخ وإلى ظهور تعدد في التصورات التاريخية قاد إلى بروز مفارقات واضحة بين معنى التدوين التاريخي والتنظير له.
ومن هنا فإن إعادة إنتاج مفهوم التاريخ عبر إعادة تكوين تاريخيات عربية ذات رؤية خاصة للتدوين التاريخي ولأسلوب كتابته تستند إلى نسقية هذا التاريخ، وإلى تجلي المعرفة الخفية التي تساعد على القيام بمقاربة الكتابة التاريخية في زمانيتها المختلفة.
ويعود الباحث في بداية الفصل الأول من الكتاب إلى طرح سؤاله المركزي حول ماهية التاريخ ثم يقدم التعريفات التي سيعتمد عليها البحث، وهي تعريفات مستمدة من قواميس اللغة وتسعى للربط بين الأصل اللغوي والمعنى الاصطلاحي لكلمة التاريخ، حيث تتحدد الغاية في البحث عن اللفظ الذي يحيل معناه على الوقت والزمن،
ثم يبحث في العلاقة بين مفهوم التاريخ والزمن من خلال نشأة مفهوم التاريخ والتحول في إدراك الزمن فقبل الإسلام لم تكن كلمتا التاريخ والزمن متداولتين في اللغة العربية وهما غير مذكورتين في القرآن ما يدل على أن نشأتهما ارتبطت بعصر التدوين وأن دلالتهما كانت موحدة كما تجلت في كتابات الطبري والمسعودي وابن كثير. وهكذا نشأ مصطلح أيام العرب كنمط من الأدب التاريخي ارتبط برواية أخبار الوقائع كيوم ذي قار ويوم الفجار ويوم الكلاب واليوم في هذه الأيام لا يشكل إطارا خارجيا للأحداث بل يستمد زمنيته من الخبر نفسه فهو عنصر من عناصر الواقعة التاريخية والحال نفسه ينطبق على المكان الذي ارتبط كل يوم باسم المكان الذي حدثت فيه الواقعة،
وبذلك ارتبط الخبر في بداية نشأته برواية قصص المعارك وحكايات الغزوات، أما ما يتعلق بحضور الزمن في التاريخ فإن الأساليب التي اعتمدها المؤرخ العربي تميزت بنمطيتها وانموذجيتها التي برزت في مجالين، هما مجال التحقيب التاريخي ومجال التقديم التاريخي.
وفيما تبرز الرؤية الدينية للماضي من خلال قصة الخليقة، وسلسلة الرسل والأنبياء فإن الرؤية الدنيوية تظهر في الفترات التاريخية الفاصلة عبر تعاقب الأمم وتوالي الملوك، وقد نشأ المفهوم الإسلامي للتاريخ مع وضع التقويم الهجري في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وظلت كتب التاريخ تستعمله بهذا المعنى زمنا طويلا مما ساهم في توحيد التاريخ الإسلامي، إذ شكل إطارا لتنظيم الأحداث وترتيبها، ثم يدرس نشأة مفهوم النبوة في التاريخيات الإسلامية التي ميزت بين زمن النبوة وزمن النبي
كما برز ذلك في كتب التدوين عند ابن هشام وابن اسحاق كذلك يدرس الإشكالية الناجمة عن الربط بين نشأة مفهوم التاريخ وتكوين الأمة الإسلامية في الوعي التاريخي العربي، إضافة إلى دراسة تاريخ الهويات من خلال دراسة كتب التاريخ عند اليعقوبي والطبري وإشكالية زمن الهوية الناجم عن التمييز بين الهوية الرمزية والهوية التاريخية، والتي تطرح إشكالية أخرى تتعلق بالثابت والمتغير في الوعي العربي - الإسلامي وما كشف عنه مفهوم الهوية الخالصة والثابتة من إنتاج للذهنية الإسلامية الساعية إلى بسط الهيمنة الشرعية لتبرير السيطرة السياسية.
ومع الانتقال من كتابة السيرة النبوية إلى تدوين تاريخ الخلافة الراشدية حدث الانتقال من نمط تاريخي إلى نمط تاريخي آخر، وحدث الانقطاع بين الزمن الديني والزمن السياسي، وهو ما ظهر في أخبار البيعة وأخبار الردة والفتنة، وموقعة الجمل وموقعة صفين وموقعة كربلاء،
وعندما قام المؤرخون المسلمون بتدوين تلك الأخبار كانوا ينتجون المفاهيم الأساسية التي كونت البنية السياسية العربية والوعي التاريخي العربي بنظام الحكم، ولما برزت المذاهب الإسلامية وقام مؤرخوها بكتابة الزمن المذهبي ظهرت لا تاريخية هذا الزمن إذ إن الفكرة المذهبية لا تعرف التحول بعد أن نشأت المذهبيات الإسلامية تعبيرا عن هذا الاختلاف وعملت على ترسيخ التقليد وتحقيق الطاعة في حين أن الزمن الأصولي نجم عن النقل الأصولي للألوهية من الوجود إلى الماهية.
*الكتاب: نظام الزمان العربي
*الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت 2006
*الصفحات: 208 صفحات من القطع الكبير
