مؤلف هذا الكتاب عامر عبدالله الجميلي كاتب ومؤرخ وخطّاط عراقي، من مواليد الموصل في العام 1963 م. حصل على الدكتوراه في التاريخ والآثار القديمة عن أطروحته الموسومة: «المعارف الجغرافية عند العراقيين القدماء».

يعمل مدرسا في قسم الآثار بكلية الآداب في جامعة الموصل، ويشغل منصب أمين سر جمعية الخطاطين العراقيين في نينوى، له عدد من الدراسات المنشورة في تاريخ الخط العربي وتاريخ اللغات السامية وحضارة العراق القديم. يتضمن الكتاب مقدمة وخمسة فصول وخاتمة وملحقاً بالأشكال والعلامات والرموز المسمارية، ومسرد بالمصادر والمراجع العربية والأجنبية.

يبيّن الباحث في مقدمته أن العلماء العرب المسلمين تطرقوا في العصور الوسطى للكاتب وصنّفوا فيه كتبا كثيرة، حقق وطبع أغلبها مثل : «كتاب الكتّاب» لابن درستويه، و«كتاب الوزراء والكتّاب» للجهشياري، و«أدب الكاتب» للصولي، و«أدب الكتّاب» لابن قتيبة. إلا أن هذه الكتب وغيرها تطرقت للكاتب في العصور الساسانية والعربية الإسلامية،

أما ما كتب عن هذا الموضوع في بلاد الرافدين القديمة فقد جاءت إليه الإشارات عرضا في كتب الموسوعات والكتب العامة والمترجمة باستثناء ما كتبه الدكتور عامر سليمان والدكتورة بهية خليل. ومن هنا جاء اختياره لهذا الموضوع الذي يغطي من خلاله جميع العصور التي استمر فيها الكاتب يدون بالمسمارية بدءا من فترة تبلور ونضج الكتابة المسمارية في مراحلها الأولى، وحتى نهاية فترة السيطرة السلوقية.

و تحت عنوان «نشأة الكاتب» يتوقف الباحث في الفصل الأول عند المدلول اللغوي لكلمة «الكاتب» ثم يعرض مفهوم المصطلح في النصوص المسمارية فيشير إلى أن أقدم مصطلح سومري عبّر عن معنى الكاتب هو «أومبيساك» الذي ورد أحيانا بصيغة «أوبسك». إلا أن المصطلح الذي شاع في وقت لاحق هو «دب سار» وكان يطلق على الفرد الذي نال تعليما أو الذي أسند إليه عمل خاص وتسلّم مهام وظيفة في الدولة، وهو يقابل مفهوم الكاتب ومعناه في وقتنا الراهن.

وقد استمر استخدام هذا المصطلح في النصوص الأدبية في العصور اللاحقة. وبعد قيام الدولة الأكادية في حدود القرن الرابع والعشرين ق. م تبنّى الأكاديون نظام الكتابة المسمارية في تدوين لغتهم من خلال المكاتبات الرسمية والشخصية فظهر مصطلح جديد هو «طبشر» للتعبير عن كلمة كاتب، وتبعه مصطلح « ل ـ آبا » الآشوري الذي يترجم حرفيا إلى «رجل الألف باء » . كما ظهر مصطلح آخر في حدود القرن الخامس ق.م هو «سبير» أي كاتب الرق الذي يضاهي الكلمة العربية «سافر» إذ ورد في النصوص المكتشفة في موقع نفر أن «سبير كان كاتبا ومترجما لمختلف العمال المستخدمين في المدينة».

وبعدما يتوقف الباحث عند بداية الكتابة المسمارية ومراحل تطورها من الصورية إلى العلامات إلى الرمزية فالصوتية ( المقطعية )، يشير إلى دوافع تعلّم مهنة الكتابة ويرى أن النصوص المسمارية كانت تحضّ على تعلّم الكتابة، لما كان لها من أهمية كبيرة في حياة المجتمع آنذاك،

حتى أن الأسر الموسرة كانت توجه أولادها لينالوا قسطا من التعلّم والتثقيف ولكي يشغلوا الوظائف والمناصب الإدارية المرموقة. وكانت فرص التعليم ومعرفة فنون الكتابة في بلاد الرافدين حكرا على طبقة الأمراء والأغنياء والمتنفذين في المجتمع، وأبناء الكتبة، ولم تكن متاحة لبقية فئات المجتمع من الفقراء والعبيد إلا نادرا.

وتحت عنوان «أصناف الكتبة» يبيّن الباحث في الفصل الثاني أن ظهور التخصصات في أصناف كتبة بلاد الرافدين يعود إلى عوامل عدة منها رغبة الطالب في التخصص بصنف معين، كما كان لقدرات الطالب وإلمامه بفن كتابة العلامات وأساليبها اللغوية في صنوف المعرفة أثره في التخصص في أحد أصناف الكتابة، فقد كان هؤلاء المتخصصون يبدأون دراستهم في سن مبكرة، وكان لكل حقل أدبي مفرداته الخاصة به، وكان الكاتب يعد متفوقا إذا ما أتقن تخصصه جيدا.

وقد تكون رغبة الطالب في الحصول على مكانة بارزة في المجتمع عاملا يدخل ضمن هذه الأهداف، وربما كانت الرغبة في تفضيل صنف معيّن على غيره سعيا وراء تحقيق دخل أعلى دافعا في الاتجاه لذلك الصنف، وكان أهم دافع في اتجاهات الطالب في هذا الاختصاص فضلا عن العوامل المتقدمة هو ظاهرة توارث المهنة واحتكارها داخل الأسرة الواحدة جيلا بعد جيل. ويشير الباحث إلى أن تعدّد التخصصات في فنون الكتابة كانت له أهميته الفائقة، وقد استلزمته الحاجة والضرورة في طبيعة الحياة اليومية لمجتمع بلاد الرافدين .

ومن أبرز أصناف الكتبة استنادا إلى مبدأ التدرج التاريخي في ظهورها، وتبعا لقدمها وأهميتها يذكر الباحث الأصناف التالية : «كاتب المعبد» و«كاتب الملك» و«كاتب القصر» و «كاتب البلاد» و«كاتب المدينة» و« الكاتب العسكري» و «كاتب القضاة »، و«كاتب العقد»، و«كاتب الاستخبارات والتقارير السرية» و«كاتب القياسات والمساحات»، و«كاتب العدّ »، و«كاتب الفلك والتنجيم والفأل»، و«كاتب التعويذات السحرية»، و«الكاتب المترجم»، و«كاتب الوصفات الطبية»، و«كاتب العلوم الكيماوية »، و« كاتب المعارف الجغرافية» و«كاتب المدّونات التاريخية »، و«الكاتب الأديب»، و «الكاتب الناسخ ».

وتشير بعض النصوص المسمارية إلى أن التعليم لم يكن مقتصرا على الذكور بل شمل الإناث أيضا إذ إنه كان بإمكان بعضهن التعلّم ليصبحن كاتبات متمرّسات فيما بعد. ومن أبرز كاتبات العصر الأكادي: « أنخيدونا » ابنة الملك سرجون الأكادي، التي تولت وظيفة الكاهنة العظمى، كما برزت في مجال الأدب كمؤلفة للقصائد التي تمدح الآلهة عشتار.

وحول مكانة الكاتب الاجتماعية يتوقف الباحث في الفصل الثالث عند منزلة الكاتب فيرى أن سائر الفئات الاجتماعية من فلاحين وتجار وصناع وغيرهم أبدوا احتراما كبيرا للكتبة، وقد جاءت هذه المكانة المرموقة من أهمية الدور الذي كانت تؤديه هذه الفئة آنذاك في حياة الأفراد كافة. ونظرا لأهمية مركز الطالب ودوره المرموق فقد دفع بعض الملوك والحكام بأبنائهم إلى الدراسة لمعرفة أسرار الكتابة وامتهان هذه الوظيفة مستقبلا.

وتتأكد مكانة الكتبة الاجتماعية والثقافية ممن يعتد بهم ليس في بلاد الرافدين فحسب، بل امتد الاهتمام بهم إلى الأقطار المجاورة، إذ تم استدعاء بعض الكتبة من بلاد الرافدين إلى عدد من تلك البلدان للقيام باستنساخ النصوص والتآليف الأدبية. ونظرا لأهمية الكتابة في بلاد الرافدين فقد عدّ مصدرها إلهيا، فهي هبة منحتها الآلهة للبشر لتيسير شؤونهم بها،

وحسب اعتقادهم فقد نسب لعدد من الآلهة شؤون الكتابة، وعدوّا أنصارا للكتبة ومنهم الإله نابو والآلهة نيسابا، واعتاد الكتبة على إيداع الهدايا النذرية والألواح المكتوبة التي تمجدها في معابدها التي سميت بـ « إيزيدا » كما أن بعض الملوك عملوا على تعلم فنون الكتابة والاطلاع على ما ورد في علاماتها من أسرار للإلمام بمعارفها، فضلا عن ذلك عدوا أنفسهم حماة لفن الكتابة والكتاب، وسادة لكل صنف من أصناف الكتبة، ويأتي في مقدمة أولئك الملوك الملك السومري « إنمر كار».

وتحت عنوان « أرشيفات الكتبة وأدوات الكاتب » يتوقف الباحث في الفصل الرابع عند حارات الكتبة التي كانت أشبه بمؤسسات تعليمية في بلاد الرافدين لتدريب من يرغب بتعلم الكتابة. وكانت تحرص وتسعى في الوقت نفسه على حفظ النصوص الأدبية والعلمية والدينة عن طريق جمعها واستنساخها من الرقم الأصلية وترجمة بعض النصوص القديمة، وكان يدير هذه الحارات جماعة من الكتبة أو كما كان يطلق عليهم إلى فترة قريبة ب« الكتاتيب ».

ويعدّ الطين من أبرز أدوات الكاتب في تلك الآونة حيث اعتمد عليه سكان بلاد الرافدين في تسجيل حصيلتهم الفكرية، فشكّلوا من هذه المادة رقما ذات أحجام وأشكال مختلفة حفظت لنا تراثا زاخرا. ثم يلي الطين القلم المدبّب، وهو الأداة التي استخدمها الكاتب لرسم الخطوط الدقيقة التي أعطت الأشكال دلالاتها والتي بلغت ما يقرب الألفي رسم،

وقد أثبت الفحص المجهري لبعض الرقم آثار قلم القصب بملاحظة طبعات شعيرات شظايا القصب فيها، وهذا يعني أن القلم الذي استعمل لتدوين هذه الرقم ربما كان ذا رأس مدبب كما استخدم القلم المدور المملوء، والقلم المدور الفارغ، والقلم المصنوع من الخشب، وأدوات الكتابة بالألوان، وأدوات الكتابة على الحجر، والأزاميل المعدنية،

وأدوات الكتابة على العاج والخشب، وأدوات الكتابة على المعادن، والمنقاش وأقلام الحز والطرق، وأدوات الكتابة على الجلود والبردي. وكان لكل قلم أو أداة من الأدوات السابقة وظيفته وخصوصيته وفرادة شكله بما يتناسب مع المادة الخام التي يدون عليها.

وفي الفصل الأخير يشير الباحث إلى ظهور الكاتب في عدد من الأعمال الفنية التي عكست الاهتمام البالغ الذي أبداه الملوك بمهنة الكتابة وتقدير مكانة الكاتب في المجتمع والاحتفاء بتخليد ذكراه. وتتنوع هذه الأعمال الفنية ما بين نقوش الأختام والتماثيل والمنحوتات البارزة والرسوم الجدارية التي تمثل بمجملها مشاهد طقسية وملكية فضلا عن مشاهد إحصاء غنائم العدو من قبل الكتبة أو نقل وتسجيل وقائع المعركة وغير ذلك.

نذير جعفر

الكتاب: الكاتب في بلاد الرافدين القديمة

الناشر: اتحاد الكتاب العرب دمشق 2005

الصفحات: 211 صفحة من القطع المتوسط