عمل جان بيير فيليو مبعوثا للفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان لعدة سنوات. يحمل شهادة الدكتوراه في التاريخ ويتكلم اللغة العربية بطلاقة. عمل بعد ذلك في السلك الدبلوماسي وتنقل بعدة مناصب في الأردن وسوريا والولايات المتحدة الأميركية. كما عمل أيضا في مكتب وزير الداخلية الفرنسي الأسبق بيير جوكس ولدى رئيس الوزراء الأسبق ليونيل جوسبان. نشر العديد من المقالات حول قضايا الشرق الأوسط. وهذا هو كتابه المنشور الأول.
«ميتران وفلسطين»، كتاب يحاول فيه مؤلفه الإجابة على السؤال التالي: كيف أمكن لصديق معروف لإسرائيل، هو الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران، أن ينقذ الرئيس الفلسطيني الراحل ثلاث مرّات؟ وسؤال فرعي آخر هو: هل ينطوي هذا على تناقض في شخصية ميتران؟ إجابة مؤلف هذا الكتاب على السؤال الثاني هي صريحة وواضحة وتقول: لا.
ثم يضيف أن التطور الشخصي للمسيرة السياسية للرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران الذي انتقل من اليمين إلى اليسار مرورا بخوض تجربة المقاومة ضد الاحتلال الألماني لبلاده خلال الحرب العالمية الثانية قد انتقل أيضا بهدوء في موقفه حيال الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي من التأييد الكامل والشامل وغير المتحفظ في دعم إسرائيل إلى موقف متفهم أكثر فأكثر لحق الفلسطينيين المشروع في إقامة دولتهم المستقلة، وحيث أن هذا الموقف الجديد قد نضج (على نار هادئة)،
وكان فرانسوا ميتران قد عبّر عن قمة هذا التحول في الخطاب الشهير الذي ألقاه في شهر مارس من عام 1982 أمام الكنيست الإسرائيلي. وطالب فيه بوضوح بضرورة أن تعمل المجموعة الدولية من أجل قيام دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب الدولة العبرية.
ويؤكد مؤلف هذا الكتاب أن «ذلك الخطاب قد أرشد على مدى سنوات طويلة سياسة فرنسا حيال إسرائيل وكذلك حيال الفلسطينيين».
ولا ينسى المؤلف أن يشير مرورا إلى ما أسماه ب«اللحظة التاريخية» ذات القيمة الدلالية الكبيرة لزيارة فرانسوا ميتران إلى فلسطين إذ أنها المرة الأولى التي يقوم فيها رئيس دولة فرنسي إلى تلك المنطقة «الأرض المقدسة» منذ الزيارة التي قام بها لويس التاسع عام 1250.
وكان فرانسوا ميتران قد «اكتشف» عام 1972 المعاناة الكبيرة التي يعيشها اللاجئون الفلسطينيون في غزة. والتقى للمرّة الأولى الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات عام 1974. وكانت باريس في عهد فرانسوا ميتران هي أول محطة غربية حقيقية يتم فيها استقبال ياسر عرفات كممثل للشعب الفلسطيني من موقع رئاسته لمنظمة التحرير. ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب في القول إن ميتران، صديق إسرائيل، هو الذي فتح الآفاق الدبلوماسية للوصول إلى دولة فلسطينية مستقلة،
بالطبع إلى جانب دعوته المستمرة والملحّة لضرورة الاعتراف المتبادل بين الدولة العبرية ومنظمة التحرير الفلسطينية، ثم كانت باريس بعد عشرة أعوام من الخطاب الشهير الذي ألقاه ميتران أمام الكنيسيت عام 1982 هي المدينة التي تحقق فيها الاعتراف المتبادل «الذي سعى له ميتران» وذلك عندما تلفظ الرئيس عرفات بجملته الشهيرة التي تقول بتدمير إسرائيل في الميثاق الوطني الفلسطيني ووصفها أنها «في حكم اللاغية».
ويعود المؤلف إلى تحليل خطاب فرانسوا ميتران أمام الكنيست الإسرائيلي عام 1982 باعتباره منعطفا فعليا في موقف الرئيس الفرنسي آنذاك بل وفي معالجة القضية. لقد بدأ ميتران يومها الحديث أمام أعضاء الكنيست الإسرائيلي بالتساؤل التالي: «لا يمكنني أكثر من أي شخص آخر أن أحسم الأمر فيما يتعلق بمن يمثل هذا الشعب ومن لا يمثله.
ومثلا كيف يمكن لمنظمة التحرير الفلسطينية التي تتحدث باسم مقاتلين أن تأمل الجلوس حول طاولة المفاوضات طالما أنها تنفي ما هو جوهري بالنسبة لإسرائيل، أي حقها في الوجود وفي ضمان أمنها؟» ثم أضاف: وكذلك لا يحق لأحد أن يقرر الحدود والشروط والتي سيتم فرضها على الطرفين المعنيين انطلاقا من القرار 242 الصادر عن منظمة الأمم المتحدة. إن المفاوضين، هم وحدهم، يحق لهم تقرير ذلك».
ويؤكد جان بيير فيليو في كتابه أن «فرانسوا ميتران قد احتفظ حتى حرب يونيو 1967 ـ حرب الأيام الستة حسب التسمية الشائعة ـ برؤية مجرّدة تماما حيال الشرق الأوسط. وقد تركزت تلك الرؤية على اعتبار إسرائيل دولة ديمقراطية وعلمانية وسط منطقة يزدهر فيها الاستبداد والتعصب». وكانت تلك الرؤية هي السائدة في الغرب كله الذي كان يرى في إسرائيل رأس جسر لحضارته ولقيمه الديمقراطية في منطقة معادية بالتعريف لهذه الحضارة، هذا بالإضافة إلى علاقاتها الوطيدة مع الاتحاد السوفييتي الذي كان يمثل آنذاك الخصم «الشيوعي» الذي يحاول بسط نفوذه خاصة إلى منطقة «البحار الدافئة» حيث توجد أهم الاحتياطات النفطية في العالم.
كان موقف فرانسوا ميتيران حتى تلك الفترة مشبعا بالإيديولوجية المعادية للعرب من جهة وبالتعاطف مع اليهود على قاعدة التجربة المريرة التي عاشوها في ظل النظام الهتلري. لكن ميتران كان يمتلك أيضا حس الواقع ولا يتشبث أبدا بأية فكرة قد تبدو أنها خاطئة ولا تجد ترجمتها في هذا الواقع.
هكذا كانت زيارته إلى مخيمات اللاجئين في غزة عام 1972 نقطة انعطاف حقيقية إذ أدرك الحقيقة الأخرى للتاريخ، وأن الشعب الفلسطيني، على غرار الشعب الإسرائيلي، مقتلع من جذوره. كانت تلك الزيارة إلى المخيمات بمثابة «صدمة» حقيقية بالنسبة لرؤية فرانسوا ميتران للصراع القائم في منطقة الشرق الأوسط بين الفلسطينيين والإسرائيليين، إذ لم يعد «الإسرائيلي» هو الضحية وحده وإنما أصبح الفلسطيني ضحية أيضا.
على قاعدة مثل ذلك التطور في رؤية فرانسوا ميتيران للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي تطور أيضا مفهومه لمسيرة السلام في هذه المنطقة من العالم. لقد تكوّنت لديه قناعة راسخة أن لا سلام في الشرق الأوسط بدون منظمة التحرير الفلسطينية وبدون رئيسها التاريخي ياسر عرفات.
وقد ذهب ميتران خطوة متقدمة أخرى في تعاطفه مع الفلسطينيين أثناء حصارهم الشهير في بيروت عام 1982 من قبل الدبابات الإسرائيلية بقيادة أرييل شارون. ووصف ذلك الحصار آنذاك أنه مثل الحصار الذي ضربه الألمان النازيون على بعض المناطق الفرنسية. الأمر الذي لم يمر دون إثارة ضجة حقيقية كبرى في وسائل الإعلام الفرنسية الخاضعة لتأثير مجموعات الضغط اليهودية وكذلك لدى الجالية اليهودية الفرنسية ذات النفوذ المعروف على مركز القرار السياسي الفرنسي.
ولم يكتفِ فرانسوا ميتران بإطلاق التعليقات المنددة بحصار الفلسطينيين في بيروت وإنما قرن قوله بالفعل إذ أن ياسر عرفات قد خرج مع مقاتليه من بيروت إلى تونس آنذاك في ظل حماية الجنود الفرنسيين وعلى سفن فرنسية.
هكذا أنقذ فرانسوا ميتيران، صديق إسرائيل التاريخي، خصمها الأكثر ضراوة بما مثّله كرمز للشعب الفلسطيني وسعيه إلى نيل حقوقه المشروعة. كذلك أنقذ فرانسوا ميتران الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات أثناء الحصار الذي كان مضروبا عليه وعلى رجاله في شمال لبنان خلال عام 1983.
ومثل المرّة السابقة عمل فرانسوا ميتران على إنقاذ «شرف الفلسطينيين». وفي المرّتين، الأولى في بيروت والثانية في طرابلس بلبنان، اتخذ الرئيس الفرنسي قرارا شجاعا، كما يصفه المؤلف، وذلك نظرا للسياق الدولي الذي تمّ في إطاره اتخاذ مثل تلك القرارات.
أما المرة الثالثة التي أنقذ فيها ميتران الرئيس عرفات فيحددها المؤلف في عام 1989، وكان «إنقاذا سياسيا» هذه المرّة، إذ عندما كان الرئيس الفلسطيني محاصرا وموضع انتقادات شديدة عنيفة استقبلته باريس بمراسم رئيس دولة حقيقي.
* الكتاب:ميتران وفلسطين
صديق إسرائيل الذي أنقذ ياسر عرفات ثلاث مرات
* الناشر: فايار ـ باريس 2005
* الصفحات: 365 صفحة من القطع المتوسط
Mitterrand et la Palestine
l'ami d'Israël qui sauva par trois fois Yasser Arafat
Jean-Pierre Filiu
Fayard - Paris 2005
p.365
