هذه المقابلة أجراها مايكل مارش، محرر مجلة «فستفال نيوز» خلال فعاليات مهرجان براغ الذي أقيم في مارس الماضي وشهدت فعالياته مجموعة كبيرة من الأدباء العالميين، مع الروائية نادين غورديمر الفائزة بجائزة نوبل للأدب عام 1991، حيث تلقى الضوء على لمحات من روايتها الرابعة عشرة الصادرة مؤخراً تحت عنوان «لتكن لك حياة»، والتي أثارت الكثير من الجدل والخلاف، بالإضافة إلى تناول العديد من القضايا الأخرى المهمة، وفي صدارتها دور الكتابة والفن في مكافحة الطغيان والفساد والعنصرية. وفي ما يلي نص المقابلة:
منى مدكور
* في كتاب «أسطورة سيزيف»، يقول الأديب الفرنسي البير كامو إنه: «هناك مشكلة فلسفية واحدة خطيرة حقاً، وهي الانتحار» فهل ما خلص إليه كامو يبدو جلياً وواضحاً للعيان؟
ـ الانتحار ليس مشكلة فلسفية، وإنما هو مشكلة وجودية، فنحن لا تجري مشاورتنا حول ما إذا كنا نريد أن نولد من عدمه، ولكن أي شخص له الحق في أن يقرر امتداد عمره، أو عمرها.
* إلى أي حد يرتبط ما تقولينه برسم شخصية بول بانرمان، بطل روايتك الصادرة مؤخراً «لتكن لك حياة»؟
ـ لست أدري، ولا أريد أن أتدخل، بشأن الكيفية التي يقرأ بها كتاب من مختلف المدارس النقدية روايتي الرابعة عشرة هذه، ولكن من المهم أن ندرك طبيعة الورطة التي تستهل الرواية باطلاعنا عليها، فقد كان بول يعتقد أنه يفهم حق الفهم طبيعة مسار حياته، بالمحطات الممتدة مع هذا المسار من عمل وزواج.. الخ.
ولكنه بعد تشخيص حالته المرضية بأنها إصابة بسرطان الغدة الدرقية، وعقب إجراء جراحة عاجلة، خوض علاج بالأشعة يتركه خطراً على من حوله من الآخرين لبعض الوقت، يبدأ في طرح الأسئلة الأكثر أهمية في حياته والتي ربما تعنينا جميعاً، وتستدعي منا محاولات جدية للبحث عن إجابات وردود حقيقية عنها.
* ذهب فرانز كافكا إلى القول إن الاستنتاج الوحيد المعقول الذي توصل إليه في حياته «لم يكن الانتحار، وإنما فكرة الانتحار»، فهل نحن سجناء أفكارنا؟
ـ نحن، بالطبع، سجناء أفكارنا، ولكن ليس كل منا شديد التصميم إلى حد معاقبة النفس على نحو ما كان فرانز كافكا. وقد كتبت ذات يوم «رسالة من أبيه» لأضعها موضع المقابلة مع رسالة كافكا الشهيرة إلى أبيه. وأطروحتي الرئيسية هي أن فرانز كافكا لابد أنه كان مصدر إزعاج لكل من حوله في الدار قبل وقت طويل من حلول الوقت الذي كان ينبغي فيه ان ينضج ويبادر بمغادرة الدار.
* بالنسبة للروائي ميلان كونديرا فإن «نضال الإنسان ضد السلطة هو كفاح الذاكرة ضد النسيان»، فهل نحن بسبيلنا إلى أن نخسر هذه المعركة؟
ـ تعد هذه الرؤية من أكثر التصورات التي تم التوصل إليها صدقاً وعمقاً، والمعضلة المستمرة هي ضرورة أن نتذكر وألا نكرر الأفعال المجردة من الإنسانية ذاتها، من دون أن نظل إلى الأبد مشبعين بروح الثأر والانتقام. وهذا هو السر في أننا، في جنوب إفريقيا، قد بادرنا إلى تشكيل لجنة العفو والمصالحة. وقد يقال إنها نجحت إلى حد ما، وبالتالي فإنها جديرة بالمساندة على الرغم من القيود والضوابط المفروضة عليها. وأحسب أنه ليس هناك شيء من قبيل الغفران العلماني.
* في كتابك بعنوان «الكتابة والوجود» نظرت إلى بلادك، جنوب إفريقيا، باعتبارها بلاداً «معلقة على شروق الشمس» فهل برؤ الجرح؟
ـ شروق الشمس ليس جرحاً لكي يبرأ من عدمه، وهو في السياق الذي أشرت إليه قُصد به إيمان بمستقبل جديد، مستقبل يتجاوز القمع، ويعلو على النزعة العنصرية، ونحن منطلقون بصورة نشطة نحو هذا المستقبل.
* يقول مارسيل بروست: «لا تخف من المضي بعيداً للغاية، فالحقيقة تكمن فيما وراء» أليست هذه الحقيقة الكامنة بداخلنا شيئاً قابلاً للتدمير وهي بمثابة ثمرة لم تقطف من شجرة الحياة؟
ـ من المؤكد أن مارسيل بروست قصد الحقيقة التي نبقيها محتجبة، في خوف، بداخلنا، عن أنفسنا وعن الآخرين.
* هل نحن، باعتبارنا كتاباً «من ينتمي إلى لا مكان»؟
ـ لقد كتب إدوارد سعيد في سيرة حياته الذاتية الرائعة بعنوان «خارج المكان» إن كون المرء كذلك هو، بمعنى من المعاني، الطريقة الأسوأ للوصول إلى تفاهم أفضل بين الأفراد والأمم، حالة مفتوحة من التحقق في مواجهة الأقفاص الأحادية الخاصة بالقومية والثقافات المغلقة على أنفسها.
* في غمار قول الصدق، ألا يتخلى عنا المكان ذاته الذي نقيم فيه؟
ـ غالباً ما يحدث ذلك حقاً. وذلك يمكن أن يكون البرهان الوحيد على أننا نقول شيئاً ينتمي بشكل أو بآخر إلى الحقيقة.
* كتب جوزيف روث ذات مرة يقول: «ليست لي دار، بخلاف الحقيقة القائلة إنني أنا ذاتي دار». أين هي الدار حقاً؟
ـ الجسم دارنا الشخصية، أما اللغة فهي الدار التي نقيم فيها مع الآخرين.
* هل اللغة أو الجسم دارنا؟
ـ داري هي في إفريقيا. وهذا لغز، حيث ان داري اللغوية هي دار أوروبية!
* ما هو «الشعور بالتخلي أو الهجران» الذي شعرت به منذ انهيار الاتحاد السوفييتي؟
ـ إنني لم أقل إنني أنا ذاتي قد ساورني «شعور خاص بالتخلي أو الهجران» بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. ويبدو أنه من المستحيل طرح تصريح عام من دون أن ينسب إلى ذات المرء. لقد مثلت الشيوعية تصوراً لإيجاد عالم واحد، مع حسم القضايا المتعلقة بالسياسة والأخلاق والاقتصاد وفقاً لمقتضيات العدل الإنساني.
وهي لم يقدر لها النجاح على الأرض في الاتحاد السوفييتي، وأقماره الصناعية، ومن جديد تركنا حيث كنا بلا حلول لمشكلاتنا، عالماً مقسماً من دون ايديولوجية تقدم حلاً علينا متابعته. وهكذا فإن الشعور بالتخلي أو الهجران جاء من الفشل الممثل في الاتحاد السوفييتي. وكل ما جئنا به كايديولوجية جديدة لعالم واحد هو مفهوم العولمة، وهذا المفهوم تهيمن عليه حتى الآن الصفقات في التجارة بين الدول الغنية والدول الفقيرة.
* هل توافقين جوزيف روث وجورج أورويل على أن «الفرد يُهزم دائماً».
ـ لست أوافق على ذلك. وهذان الكاتبان يقدمان مثالاً على الحقيقة القائلة إن الفرد، المتألق والمفكر، ينتصر دوماً على الحياة التعسة وعلى الموت من خلال حقيقة كتاباته التي يُعاد اكتشافها بصورة دائبة.
* هل يتفاوض الفن حول ثمن الهزيمة؟
ـ لا. إنما الفن يكشف الطبيعة الحقيقية للهزيمة التي يمكن أن تفضي إلى الانكسار. إن الفن يتحدى الهزيمة من خلال حقيقة وجوده ذاتها، التي تمثل احتفاء بالحياة، على الرغم من كل محاولات تحقيرها وتدميرها.
* هل تتفقين مع هنري ميللر في أنك «يمكنك محاربة الشر، ولكن في مواجهة الغباء تخسر».
ـ إنني أميل إلى الاتفاق مع هنري ميللر فيما ذهب إليه، فعندما يمضي السلطة والغباء معاً تتعقد المشكلة على نحو قاتل.
* إننا نشهد اليوم، في العديد من مناطق العالم، ما عبرت عنه بالقول إنه «بيروقراطية خانقة، وبالتأكيد مأساة يتسم بها هذا القرن». فهل تشعرين بأن هذا الوضع سيتغير يوماً.
ـ بيروقراطية خانقة، أحسب أنها موجودة بدرجة أقل كثيراً في الأنظمة الديمقراطية، ولكنها موجودة بصورة وبائية في البلاد التي تناضل من أجل تحقيق الديمقراطية. ولكن على الأقل حيثما وجدت حرية الحديث، فإن الناس يمكنهم الاحتجاج على البيروقراطية، وفي بعض الأحيان يتوصلون إلى نتيجة لجهدهم. وعلى المرء ألا يتعب من محاوله جعل الاعتراضات تدوي في الأسماع وتسجل.
* عبر سيشلاو ميلوتش عن الورطة المتمثلة في أضيق ذرعاً بالطاغية، أضيق ذرعاً بالجمهورية ذات الادعاءات، ففي الأول أتوق إلى الحرية وفي الثانية أتوق إلى وضع نهاية للفساد» ترى أين نحن الآن؟
ـ إننا نتوق، مع الشاعر العظيم سيشلاو ميلوتش ، إلى وضع نهاية للفساد. حيث تبين أن ذلك أحد الشروط الضرورية لجعل الحرية متاحة للمزيد من الناس.
تتعدد أعمال الكاتبة الجنوب إفريقية الفائزة بجائزة نوبل للأدب نادين غورديمر ما بين الروايات ومجموعات القصص القصيرة ومجموعات المقالات والأعمال النقدية، ويمتد هذا العطاء غزيراً منذ نهاية الأربعينات حتى اليوم، وفيما يلي مختارات من أعمالها، مرتبة بحسب الترتيب الزمني للصدور:
ـ وجهاً لوجه (1949)
ـ أيام الكذب (1953)
ـ عالم الغرباء (1958)
ـ آثار أقدام فرايداي وقصص أخرى (1960)
ـ مناسبة للحب (1936)
ـ ليس للنشر (1965)
ـ ضيف الشرف (1970)
ـ عناق جندي (1980)
ـ شعب يوليو (1981)
ـ قصة إبني (1990)
ـ اقفز وقصص أخرى (1991)
ـ الكتابة والوجود (1995)
ـ السلب وقصص أخرى (2003)
