الحقيقة الأولى الجديرة بتذكرها عندما يبدأ القارئ في قراءة الصفحات الأولى من هذه الرواية الرابعة عشرة لنادين غورديمر هي أن معظم أعمالها تشكلت من خلال النضال ضد نظام التفرقة العنصرية الذي كان سائداً في جنوب إفريقيا، والذي لعبت فيه دوراً بارزاً ومشرفاً.وهي في هذه الرواية تقدم شهادتها من جديد، ولكن على حقائق أخرى مختلفة هذه المرة، ففي جنوب إفريقيا القديمة كانت الحياة تشوهها النزعة العنصرية، أما في جنوب إفريقيا الجديدة فإن الحياة مصابة بعيب ربما كان قاتلاً، هو الفساد.
والرواية بهذا المعنى تتحدى نزعة التقدم إلى الأمام التي تنحي الماضي جانباً من دون غربلته والخروج منه بأقصى ما يستطاع من الدروس المستفادة وتصر على البدء من اليوم على أسس إنسانية وبيئية معاً. والشخصية المحورية في الرواية هي شخصية بول بانرمان، وهو ابن أبوين ليبراليين من بيض جنوب إفريقيا.
ويحمل عمله محمل الجد إلى أقصى حد، لكنه من النوع الذي يعيش لحظته، إلى أن يُجبر على إعادة النظر في مجمل حياته عندما يكتشف أنه مصاب بسرطان الغدة الدرقية. ومن ثم تُجرى له عملية جراحية وعلاج مكثف يغدو في نهايته خطراً على من يحيطون به، نظراً لما يصدر عنه من أشعة، لعدة أسابيع.
هكذا يضطر إلى مغادرة زوجته المحبوبة وابنه ليعود إلى دار أبويه حيث تبدأ رحلة إعادة النظر والتأملات. مع بدء الرواية، على نحو ما رأينا، نجد أن نادين غورديمر تصف مجموعة من الناس يجري خلق نوع من العادية المؤقتة والزائفة بينهم بجهد شاق.
والكثير من الكتابة المتدفقة في الرواية يبدو من منظور شخص لا يفتقر إلى الذكاء واللماحية، تعد وضعية الصدمة بالنسبة إليه حالة طبيعية مؤقتة من حالات الوجود. ولكن الآخرين، بطريقتهم المنفصلة، والذين يجري سبرغورهم في غمار السياق يعانون من الصدمة كذلك، الأمر الذي يضفي على الكتاب نغمته السردية النائية على نحو غريب، والتي في إطارها يتم اقتطاف الحديث المباشر، ولكن على الدوام باعتباره ذكرى مضت.
بهذا المعنى فإن «لتكن لك حياة» هي رواية من روايات الحياة الداخلية، فالقارئ يجد نفسه على الدوام في قصة ترويها شخصية رئيسية في الرواية لنفسه، أو في بعض الأحيان لنفسها. والنساء في الرواية، وبصفة خاصة «بيني» زوجة كول و«لندساي» أمه، يدركن بقوة أن لهن شخصيات ذات طابع عملي تتحرك في الدنيا بكفاءة وفعالية لتؤدي ما هو متوقع منها.
بينما الجوهر الداخلي لذواتهن منسحب بعمق، ويتعامل مع الألم الداعي للشعور بالعجز، والنابع من محاربة الرجل الذي يحببنه للموت. لسنا بحاجة إلى كثير من التأمل لكي ندرك أن حياة بول وبيني المشتركة تقوم على تجاذبهما، عملهما المميز، نجاحهما، حياتهما الجنسية الجيدة، وابنهما. ولكن عندما ينتزع بول انتزاعاً من اليومي والعادي والمألوف، فإنه يجد نفسه وقد عكف على تأمل كيف أنه هو وزوجته في حياتهما المهنية لهما اهتمامات متباعدة إلى حد التناقض.
مصدر هذا التناقض أن بيني باعتبارها مسؤولة تنفيذية في مجال الإعلان تعمل مع القائمين بالاستغلال وتسهل عملهم. أما بول فإنه باعتباره باحثاً بيئياً معني في المقام الأول بهشاشة بيئة جنوب إفريقيا، وبصفة خاصة دلتا أوكوفانجو، التي حلت مشكلاتها بنجاح على امتداد ألوف السنين، ولكنها الآن تتعرض لخطر داهم.
جنوب إفريقيا هنا نموذج مصغر للعالم، حيث تعرض مشكلة عالمية في شكل مصغر وحاد. فهي قبل انتهاء التفرقة العنصرية احتفظت بمسابح نخبة صغيرة مبذرة. والجنوب إفريقيون السود اليوم يعرفون ما هي الحياة الرخية، وبالتالي من المستحيل سياسياً القول إنهم لا يمكنهم أن يحظوا بها، ولكن الطموحات قصيرة المدى لهؤلاء الناس تتصادم مع الحقائق الفيزيائية، ولكن ذلك لا يبدو واضحاً إلا لمجموعة محدودة ممن يحذرون من العواقب المأساوية من أمثال بول.
إذا كان سفر التكوين يشير إلى أن الفردوس سيكون مفقوداً على الدوام، وإلى أن الأخطاء لا سبيل إلى إصلاحها، وأن الأخ الأكبر قابيل سيقتل دوما هابيل. فإن هذه الرواية تحذر بعنفوان من أن الفردوس سيلحقه الدمار، وتعرب عن الأسف لأن الماضي لا فرار منه وأن سود جنوب إفريقيا لن يلحقوا بالكارثة قبل وقوعها.
محطات في مسيرة غورديمر
ـ ولدت الكاتبة الجنوب إفريقية نادين غورديمر في 20 نوفمبر 1923 في سبرنجز بجنوب إفريقيا، وهي ـ خلافاً للكثير من البيض ـ لاتزال تعيش هناك حتى اليوم.
ـ تلقت غورديمر تعليمها في مدرسة راهبات وأمضت عاماً في جامعة وايتووتر ستاند بجوهانسبرغ من دون أن تحصل على درجة علمية.
ـ صدرت مجموعتها القصصية الأولى في عام 1949 لتكشف النقاب عن العواقب السيكولوجية لمجتمع يعيش مقسماً على الصعيد العرقي وقامت روايتها (أيام الكذب) الصادرة عام 1953 إلى حد كبير على أساس حياة المؤلفة.
ـ في أعمالها الصادرة في الخمسينات والستينات درست غورديمر العلاقات بين السادة والخدم والبارانويا الروحية والجنسية المترتبة على النزعة الكولونيالة والنزعة الليبرالية الضحلة لمواطنيها البيض المترفين.
ـ حظيت غورديمر بالاعتراف الدولي المبكر بموهبتها، واعتباراً من عام 1948 أقامت في جوهانسبرغ وقامت بالتدريس في الولايات المتحدة في العديد من الجامعات في الستينات والسبعينات، وألفت العديد من الكتب وأنجزت العديد من الأفلام الوثائقية عن الوضع في جنوب إفريقيا في ظل النظام العنصري.
ـ حصلت غورديمر على العضوية الشرفية لأكاديمية الفنون والعلوم والعضوية الشرقية للأكاديمية والمعهد الأميركيين للفنون والآداب وعلى زمالة الجمعية الملكية البريطانية للأدب، وهي سفيرة نوايا حسنة لبرنامج التنمية التابع للأمم المتحدة.
ـ نالت غورديمر جائزة نوبل للأدب عام 1991 بالإضافة إلى خمس عشرة دكتوراه فخرية من جامعات أميركا، بلجيكا، جنوب إفريقيا، بريطانيا وكندا ومنحت وسام الفنون والآداب من طبقة كوماندر من الحكومة الفرنسية واختيرت نائبة لرئيس اتحاد الكتاب الدولي، وهي أيضاً مؤسسة مؤتمر جنوب إفريقيا للكتاب.
* الكتاب: لتكن لك حياة
* الناشر: فارا، ستراوس آند جيرو لندن 2005
* الصفحات: 187 صفحة من القطع الكبير
Get a Life
Nadine Gordimer
Farrar Straus and Giroux London 2005
P. 187
