مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب والمترجم هاشم صالح والذي نذر جانباً من جهده لتقديم مشروع محمد أركون الفكري للقارئ العربي من خلال قيامه على ترجمة كل أعمال أركون تقريبا من الفرنسية الى العربية. وهو يكتب بانتظام في عدد من الدوريات والصحف العربية، وآخر كتبه معضلة الأصوليات الإسلامية.

وفي كتابه الذي نعرض له يقدم هاشم صالح القضية التي تشغل قدرا من اهتمامه بنوع من التفصيل ألا وهى التنوير الأوروبي في ضوء الرؤية الحاكمة لتفكيره بأن العرب والمسلمين إنما يعيشون المرحلة نفسها التي عاشها الغرب في القرون الوسطى بما يعني أننا متخلفون عن أوروبا الحالية بنحو ثلاثة قرون تمثل مساحة الفجوة التي يجب علينا شغلها.

وحسبما يشير هاشم صالح فإنه على مدار تأليفه الكتاب كان يخيل اليه أنه يعيش التاريخ مرتين المرة الأولى من خلال الصراع بين العقلانيين والأصوليين في أوروبا إبان العصور الخوالي والمرة الثانية من خلال نفس الصراع الجاري حاليا بين المثقفين التحديثيين والأصوليين الإسلاميين في كل أنحاء العالم العربي والإسلامي، والذين يمثلون هاجسا للمؤلف يبدون معه أساس كل المشكلات التي نواجهها.

في سياق استعراضه للقضية يعرض صالح لعقلية العصور الوسطى مشيرا الى هيمنة ما يسميه الوعى الأسطوري على الوعى التاريخي. وحسبما يشير فإن هذه العصور تشكل الفترة الوسيطة التي تفصل بين الحضارة اليونانية الرومانية وبين العصور الحديثة. وباستخدام لغة علماء الجيولوجيا

يشير الى أن أسفل طبقة من طبقات الفكر الأوروبي هي الطبقة اليونانية الرومانية التي امتدت منذ القرن الخامس قبل الميلاد - عهد سقراط الى القرن الخامس بعد الميلاد - تاريخ انهيار الحضارة الرومانية وانتصار المسيحية- ثم جاءت بعدها العصور الوسطى التي استمرت حتى سقوط الحضارة البيزنطية في الشرق على يد الأتراك عام 1453 بمعنى انها استمرت ألف سنة تقريبا. ثم جاءت بعدها طبقة الحداثة التي لا تزال مستمرة منذ أربعة قرون وحتى اليوم.

وفي عرضه لطبيعة عقلية العصور الوسطى يشير الى أنه كان يهيمن عليها العقيدة اللاهوتية المسيحية، وصورة الإنسان المتشائم الضعيف الخائف من ارتكاب الخطايا والذنوب في كل لحظة، والزهد في الحياة الدنيا واحتقارها واعتبارها دار العبور الى الحياة الحقيقية، حياة النعيم والخلود في الدار الآخرة.

وبمعنى آخر يقول صالح ان إهمال العلم والعقل قد سيطر على النصف الأول من القرون الوسطى المسيحية، غير أنه بدءا من القرن الثاني عشر وبتأثير من العرب والإغريق أدى زرع البذور الفلسفية الى اندلاع أزمة في الوعى المسيحي بين أولئك المستسلمين لليقينيات اللاهوتية والذين يفسرون كل شيء عن طريق تدخل القدرة الفوقية.

إزاء هذه الأوضاع ظهر القديس توما الأكويني الذي حاول التوفيق بين العقل والنقل وإن كان قد رجح في نهاية المطاف النقل. ووسط هذه الأجواء كانت هجمة الحداثة العربية على أوروبا في القرون الوسطى الأمر الذي اعتبر بمثابة غزو فكري على غرار التوصيف الذي نقدمه حاليا للتاثيرات الغربية على حياتنا العربية والإسلامية.

على هذا كانت القطيعة مع فكر العصور الوسطى ضرورة تاريخية وهي قطيعة يصفها الكاتب بأنها ليس قطيعة مطلقة أو عدمية وإنما قطيعة إيجابية واستيعابية. وهنا يقدم صالح استعراضا شاملا لتأثير ابن رشد في الفكر الغربي حتى تحول الى تيار متكامل كان له تأثير غير محدود على مسار هذا الفكر، الى الحد الذي أدى بالبعض الى القول بأنه كان الفيلسوف المسلم الأكثر تأثيرا على الحضارة الكونية.

ثم يتطرق المؤلف الى من يعتبرهم شخصيات نهضوية في مسار رحلة أوروبا نحو التنوير فيقدم لنا جانبا من تأثيرات بيترارك والذي يتفق الباحثون على التأريخ لعصر النهضة بشخصيته باعتبار ان التاريخ حسب الشهادات التي يقدمها المؤلف لم يشهد منذ حكماء الإغريق وآباء الكنيسة وحتى عصره مفكرا أكثر عمقا منه في النفاذ الى أغوار النفس الإنسانية..

ويقدم لنا صالح بيترارك الممزق بين الإيمان المسيحي والفلسفة اليونانية. ومن بيترارك يعرج المؤلف على الرموز الفكرية للنهضة مثل لورنزو فالا أحد أكبر النهضويين والإنسيين في القرن 15 وإيراسموس الشخصية التي جسدت مثل عصر النهضة والنزع الإنسانية، وكذا جيوردانو برونو الذي تم حرقه فاعتبر شهيد الأصولية المسيحية. كما يعرض لنا جانبا من المعارك التي خاضها هؤلاء في مواجهة الكنيسة والتفسيرات المتزمته للنصوص الدينية.

فوسط مناخ يتسم بالصراع على الفهم الصحيح والمستقيم للدين ظهر كتاب سبينوزا «مقالة في اللاهوت والسياسة» وهو الكتاب التأسيسي الذي يشكل قطيعة في تاريخ الفكر الغربي بل والبشري لأنه تجرأ على دراسة الأديان من وجهة نظر تاريخية بما جعله منه الكتاب الأول في تاريخ الغرب الذي ينزع القدسية حتى عن النصوص المقدسة، وهي الوجهة نفسها التي يكرس أركون، والذي يقوم صالح على ترجمة أعماله حسبما أشرنا، أغلب كتاباته ولكن على الناحية الإسلامية هذه المرة، ما يمكننا من استشراف أبعاد هذه النظريات حال تطبيقها في عالمنا الإسلامي.

من سبينوزا إلى فولتير الذي يشير اليه باعتباره منارة التنوير الأوروبي مشيرا الى ان تاريخ الفكر لم يعرف شخصا كرس حياته كلها لمحاربة التعصب الديني مثل فولتير وقد دشن بذلك أسلوبا جديدا للمثقف المنخرط في القضايا العامة، المثقف الذي لا يقف مكتوف الأيدي أمام الفظائع التي ترتكب باسم الدين والدين الحق من ذلك براء.

لقد انتهى الصراع الذي استغرق قرونا بترنح البنيان الضخم للأصولية المسيحية على وقع الضربات الفلسفية ثم تهاوى وانهار في نهاية المطاف. ففلاسفة التنوير كانوا يريدون أن يعيدوا للفلسفة قيمتها من أجل أن يصبح العقل هو سيد الموقف وليس تراث الأقدمين الذي يفرض نفسه من فوق بهيبته القدسية التي رسخها الزمن المتطاول او القرون العديدة. وبإسقاط التجربة الأوروبية على تجربتنا يقرر صالح أن من يعتقدون أن الأصولية الإسلامية المتعصبة،

حسب توصيفه، سوف تصمد الى أبد الدهر هم واهمون، فعاجلا أم آجلا سوف تسقط هي الأخرى بفعل عوامل تحررية داخلية وخارجية ولكن بعد صراع مرير وطويل. غير أن صالح وفيما يبدو نوع من التوازن في التناول يشير الى المأزق الذي آلت تطورات تجربة التنوير من خلال استعراضه لوضع الدين في عصر ما بعد الحداثة.

وهو الأمر الذي يدلل عليه باعتراف هابرماس وتأكيده على ان الحداثة وصلت الى مأزق أو طريق مسدود وعلى هذا اخترع مصطلحا ناجحا جدا، حسبما يشير المؤلف، للتعبير عن هذا المأزق هو الظلمة الجديدة أو العتمة الجديدة. وهنا يقدم لنا تصور تفصيلي لرؤية هانز كونغ وهو أستاذ في نفس الجامعة التي درس فيها في أواخر القرن الثامن عشر هيغل.

المهم أن مخلص رؤية هانز، حسب الكتاب، تتمثل في أن الحداثة الأوروبية أو الغربية بترت الجوانب الروحية أو الدينية التي تشكل الطبقات العميقة من الواقع واكتفت بدراسة الجوانب المادية أو الظاهرية من الواقع وهنا تكمن النزعة الإختزالية للحداثة، مشيرا - هانز وليس هاشم صالح - الى أن عصر ما بعد الحداثة يرهص بالعودة الى الإيمان من جديد، وفي هذا فهو يشير الى تجربة هوركهايمر أحد مؤسسي مدرسة الحداثة بعد أن جرب كل الإتجاهات العقائدية والماركسية والنقدية

حيث راح يدعو الى العودة الى الإيمان بالله وغلا فلا يوجد أي معنى للحياة يتجاوز الأكل والشرب والجنس .. فالإيمان هو الذي يضفي على حياتنا معنى يتجاوزها، وإلا فإنها تصبح مثل حياة الحيوان : أكل وشرب وتناسل.. وهو الأمر الذي ادى به الى الإنتهاء في نهاية المطاف الى العودة الى الإيمان الديني على طريقة الصوفية.

ويرصد صالح الحالة نفسها من القلق بشأن مستقبل الحداثة التي تعد إمتدادا للتنوير والنهضة من خلال مقولة لأندريه مالرو يقوله فيها ان القرن الحادي والعشرين سوف يكون روحيا أو دينيا او أنه لن يكون .. فهل سيعود الغرب الى الإيمان بعد طول غياب، بعد أن شبع من الماديات والشهوات بل وأغرق فيها؟. هذا هو السؤال المطروح على العصر المقبل.. عصر ما بعد الحداثة ولكن هذا التدين الجديد تدين ما بعد الحداثة يختلف عن كل ما سبقه ويتجاوزه إنه إيمان بحجم العالم إيمان يتجاوز كل الإنغلاقات والعصبيات الضيقة حسبما يصفه المؤلف.

مصطفى عبد الرازق

* الكتاب: مدخل إلى التنوير الأوروبي

* الناشر: دار الطليعة للطباعة والنشر بيروت 2005

* الصفحات: 264 صفحة من القطع الكبير