يعمل جان بيير كابستان مديرا للأبحاث في المعهد القومي الفرنسي للبحث العلمي بجامعة السوربون. ويدير مركز الدراسات الفرنسية حول الصين المعاصرة في تايبيه وهونغ كونغ. سبق له نشر عدة مؤلفات من بينها:

«الصين ـ تايوان: «هل تقع الحرب؟» و«نظام تايوان وسياستها». أما المؤلف الثاني بونوا فيرمان فيحمل شهادة الدكتوراه بالعلوم السياسية ويدير معهد «ريكسي» في تايبيه عاصمة تايوان. قدّم العديد من الكتب من بينها: «الصين في مواجهة العولمة»، وقد صدر هذا الكتاب باللغة الصينية عام 2002 و«الاستيقاظ الديني في الصين». يتعاون بانتظام مع عدد من الدوريات الفرنسية.

يتفق الباحثون الإستراتيجيون اليوم على القول أن أحد بؤر التوتر الكبرى في القرن الحادي والعشرين تتمثل في أفق العلاقات الصينية ـ التايوانية، أو بدقة أكبر احتمال قيام الصين بمحاولة ضم تايوان أو «إعادة تايوان إلى الوطن الأم» كما يقول القاموس الرسمي الصيني.

هذا على الرغم من تأكيدات بكين المتكررة على أنها تريد النجاح في «صعودها السلمي» على المسرح العالمي. ولا شك أن عيون العالم كله ترتقب هذا الصعود الصيني خاصة على الصعيدين الاقتصادي والعسكري.

لكن هناك أيضا بالتوازي مع هذا صعود لمشاعر «الهوية التايوانية». مثل هذا الصعود «المزدوج» يهدد بوقوع مواجهة قد لا تبقى حدودها محصورة بالإطار الإقليمي.

ما يؤكده مؤلفا هذا الكتاب هو أن الخلاف الصيني ـ التايواني لا يقتصر على المسائل الحدودية العسكرية، ولكنه خلاف سياسي وإيديولوجي وثقافي أيضا.

إنه خلاف بين نظامين سياسيين واجتماعيين وبين منظومتين إيديولوجيتين متباينتين. فالصين، رغم توجهها نحو اقتصاد السوق منذ حوالي ربع قرن من الأمن، لا تزال متمسكة بالتوجه الاشتراكي، إلى هذه الدرجة أو تلك، بينما اختارت تايوان بكل وضوح توجها رأسماليا ليبراليا مع حياة ديمقراطية وانتخابات حرّة على مختلف المستويات.

إن هذا الكتاب يصف بشكل رئيسي سياق حالة النزاع القائمة وديناميتها على ضوء التطورات القريبة التي عرفها مجتمعا البلدين واقتصادهما مما أدّى إلى تباعد أكبر وكسر للحالة التي ظلّت قائمة لعدة عقود من الزمن، وبالتالي زادت المخاطر بنفس الوقت.

وإذا كان المؤلفان يؤكدان بالأحرى على تشاؤمهما فيما يخص مستقبل هذه المنطقة من العالم، وتحديدا بسبب الخلل الإستراتيجي الناجم عن حالة الازدهار التي يشهدها الاقتصاد الصيني منذ أكثر من عقدين من الزمن بواقع نمو سنوي يزيد عامة عن 10%، ولكن أيضا بسبب تعاظم المشاعر الوطنية في تايوان حيث تحظى القوى السياسية الداعية للاستقلال على أعلى نسبة في الأصوات خلال جميع العمليات الانتخابية التي عرفتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.

بهذا المعنى يرى المؤلفان أن خطر الحرب قادم في منطقة الشرق الأقصى على قاعدة مسار «متشدد» مزدوج في عاصمتي الصين وتايوان. ويؤكدان بنفس الوقت أن «أمل السلام» مرتبط أيضا هو الآخر بإرادة العاصمتين.

لكن الحرب والسلام، أي الوصول إلى مخرج سلمي لحالة الخلاف القائمة اليوم والمعلنة بشكل واضح على الصعيدين الدبلوماسي والقانوني في إطار الحالة الفريدة التي تتمتع بها تايوان بوجود واقع سيادي مع برلمان وانتخابات ورئيس وسياسة خارجية واتفاقات دولية وتمثيل دبلوماسي، ولكن دون الإعلان رسميا عن الاستقلال، إذ أن مثل هذا الإعلان قد يسرع من المواجهة.

وإلى جانب تأكيد مؤلفي هذا الكتاب على الدور الحاسم لتعاظم النزعتين القوميتين باتجاهين معاكسين في الصين وفي تايوان فيما يتعلق بمستقبل الحرب والسلام في هذه المنطقة من العالم، فإنهما يركزان في تحليلاتهما على الدور الكبير الذي يلعبه العالم الخارجي وخاصة قوى ثلاث متمثلة في الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي واليابان.

وإذا كانت هذه القوى الكبرى الثلاث تبدي كلها تعاطفا كبيرا مع القضية التايوانية في مواجهة الصعود القوي للصين على المسرح الدولي عامة وعلى المسرح الإقليمي خاصة، فإن لكل من هذه القوى حساباتها الخاصة.

لا شك أن الجار الياباني يعيش حالة من القلق المتزايد بسبب تصاعد القوة الصينية لاسيما وأن هناك تاريخا طويلا من التناحر بين هذين البلدين الآسيويين. وكانت فترة الاستعمار الياباني للصين وما ارتكبه الجنود اليابانيون من أعمال قتل وتخريب في العديد من المدن الصينية، تعبيرا صارخا عنه.

ومن الملفت للأنظار أن يابان اليوم في ظل حكومة جونيشيرو كويزومي لا تلعب باتجاه التهدئة بل على العكس تشهد هي الأخرى تعاظم النزعة القومية اليابانية إلى حد الاحتفال «رسميا» بذكرى الجنود اليابانيين الذين قُتِلوا في الصين على اعتبار أنهم أبطال ضحّوا بحياتهم من أجل الأمة اليابانية.

هذا وقد تمّ تعديل عدد من النصوص التربوية اليابانية باتجاه تبجيل هؤلاء «الأبطال» مما أثار موجة من المظاهرات العارمة في الصين احتجاجا على ذلك.

وبالإضافة إلى التاريخ هناك أيضا الجغرافيا وقبلها المصالح الحيوية اليابانية، ذلك أن اليابان ترى في وضع الصين يدها على مضيق تايوان يعني السيطرة على الممر الرئيسي الذي تتزود بالطاقة من خلاله، خاصة حاملات البترول والغاز الطبيعي المسال من بلدان الشرق الأوسط التي تشكل المصدر الرئيسي لتزويد اليابان بالطاقة.

أما الولايات المتحدة الاميركية فإنها تنظر لصعود الصين الاقتصادي والعسكري كخطر على المعادلة الجيوستراتيجية العالمية، وتحديدا على موقعها كقوة عظمى وحيدة سائدة في عالم ما بعد الحرب الباردة.

وتلعب بلدان الاتحاد الأوروبي بالأحرى لعبة الدبلوماسية المزدوجة. فهي تؤكد من جهة على تأييد المسار الديمقراطي التايواني وعلى دعم التوجه الليبرالي الاقتصادي للجزيرة، لكنها تسعى من جهة أخرى إلى كسب ود السلطات الصينية وعينها على السوق الصيني الهائل الذي تحرص على الدخول إليه.

هكذا لا يتردد العديد من القادة الأوروبيين، وعلى رأسهم الفرنسي جاك شيراك في تحميل السلطات التايوانية مسؤولية التصعيد الإقليمي وتحذرهم بنفس الوقت من أي إعلان من طرف واحد لاستقلال بلادهم. وفي المحصلة يبدو الموقف الأوروبي عامة أكثر تشوشا وغموضا بالقياس إلى الموقفين الأميركي والياباني فيما يتعلق بـ «حدود الصين».

وعلى الرغم من الصورة المتشائمة التي يرسمها مؤلفا هذا الكتاب لمستقبل «المواجهة» الصينية ـ التايوانية، فإنهما يؤكدان في الصفحات الأخيرة على وجود بعض «الأوراق الرابحة» التي تعمل لصالح منظور السلام والاستقرار.

وتتمثل «الورقة الرابحة» الأولى في شكل التطور الاقتصادي والاجتماعي، وبدرجة أقل كثيرا السياسي، منذ نهاية الحقبة المادية، إذ أعلن خلفه ماوتسي تونغ وعلى رأسهم دينغ هسياو بينغ أنهم سيتوجهون ببلادهم نحو الاندماج في الاقتصاد العالمي.

* الكتاب: الصين تبحث عن حدودها: مواجهة الصين وتايوان

* الناشر:صحافة العلوم السياسية باريس2005

* الصفحات : 283 صفحة من القطع المتوسط

La Chine en quête de ses frontières

la confrontation Chine Taïwan

Jean Pierre Cabestan, Benoît Vermander

Presse de sciences poal

Paris 2005

P.283