توماس جيفرسون

توماس جيفرسون

ت + ت - الحجم الطبيعي

مؤلف هذا الكتاب هو المؤرخ ر.ب. بيرنشتاين المختص بتاريخ الولايات المتحدة الأميركية. وهو يقدم هنا صورة تاريخية دقيقة وموثقة عن أحد كبار الرؤساء الأميركيين: توماس جيفرسون.

ومعلوم أنه أحد الآباء المؤسسين للأمة الأميركية بالإضافة إلى جورج واشنطن، وبنيامين فرانكلين، وآخرين عديدين. وقد ولد توماس جيفرسون في ولاية فيرجينيا عام 1743 ومات فيها عام 1826 عن عمر يناهز الثالثة والثمانين.

وكان والده مزارعاً غنياً ولكنه مات مبكراً عام 1757 عندما كان عمر الرئيس المقبل أربعة عشر عاماً فقط. وكان توماس جيفرسون متفوقا في دراسته ويمارس تأثيراً كبيراً على زملائه في الصف.

وقد وصل إلى الجامعة بسهولة وأكمل دراسة القانون وأصبح محاميا عام 1767 وهو في الرابعة والعشرين من العمر. وبالتالي فتفوقه كان واضحاً منذ البداية. وكانت خصائص الزعامة متوافرة فيه.

ثم دخل معترك السياسة وأصبح نائبا عن منطقته عام 1769. وصعد بسرعة في سلّم المراتب حتى أصبح أحد زعماء المعارضة. وتزوج عندئذ من أرملة جميلة وغنية. وقد ساعده ذلك على مواصلة طريقه بكل نجاح.

وقد لعب دورا في حركة النضال ضد الاستعمار البريطاني. ومعلوم أن أميركا كانت آنئذ مستعمرة انجليزية. وقد نشر نصا بعنوان: لمحة مختصرة عن حقوق أميركا البريطانية. وفيه يطالب بالاستقلال. ولكن مطالبه كانت سابقة لأوانها.

ومعلوم أن هذا النص كان بمثابة المقدمة التمهيدية لإعلان الاستقلال. وقد برهن جيفرسون على أنه كاتب سياسي موهوب.

ثم يردف المؤلف قائلا: وفي عام 1775 انتخب توماس جيفرسون عضوا في مجلس الشيوخ عن ولاية فيرجينيا. ثم كلفوه بكتابة إعلان الاستقلال الشهير للولايات المتحدة الأميركية.

وقد أصبح هذا الإعلان بمثابة نص مقدس تماما كالدستور الأميركي. ولولا ثقافته الفلسفية والسياسية الواسعة لما استطاع كتابة نص ذي أهمية تاريخية من هذا النوع.

وفي السنوات التالية راح هذا الشاب الصاعد في عالم السياسة يكرس جهوده للقيام بإصلاحات راديكالية في ولاية فيرجينيا.

فقد حاول إلغاء النظام الإقطاعي إلى أقصى حد ممكن. كما دشن سياسة الإصلاح الديني وطالب بحرية الوعي والضمير فيما يخص المعتقدات. وقال بأن الحرية الدينية هي إحدى المكتسبات الكبرى للعصور الحديثة والعقلية التنويرية. وبالتالي فينبغي أن تسود أميركا بدلا من التعصب والإكراه في الدين.

وطالب بإلغاء التمويل الرسمي للكنيسة. وكان ذلك مقدمة للفصل بين الكنيسة والدولة. ولكنه لم يستطع تطبيق كل هذه الإصلاحات فورا. فقد لزمه نضال سنوات عديدة لكي يقنع الطبقة الأرستقراطية في ولاية فيرجينيا بضرورة تبني هذه المطالب الثورية وتكريسها.

وهذه هي مشكلة الرواد الكبار. فهم دائما يستبقون على عصرهم أو يأتون قبل الأوان، ولكنهم يمهدون الطريق.

والواقع أن توماس جيفرسون ساهم في نشر الأفكار الجديدة في أميركا، وهي أفكار تختلف كثيرا عما كان سائدا في انجلترا المحافظة إن لم نقل الرجعية. لقد كان متأثرا بالثورة الفرنسية ومبادئها وشعارها الشهير: حرية، مساواة، إخاء. ولهذا السبب عارض بقوة نظام الرق والاستعباد. وطالب بإيقاف المتاجرة بالسود الأفارقة.

وقال إنه لمن العيب على أميركا أن تستوردهم كما تستورد الحيوانات أو حتى السلع والبضائع التجارية. وأدان هذا الموقف المشبوه واللا إنساني. وأثبت جيفرسون بذلك أنه ابن التنوير حقا وأنه متشبع بفلسفة حقوق الإنسان وكرامته أيا يكن.

ثم أصبح توماس جيفرسون حاكما لولاية فيرجينيا بين عامي 1779 ـ 1781. ولكنه فشل آنذاك في صد هجمات الجيش الانجليزي. ولذا خسر منصبه كحاكم للولاية وعاد إلى مهامه في الكونغرس.

وعندئذ ساهم في توقيع معاهدة السلام النهائي مع انجلترا. وصوت على قانون هام يلغي التعامل بالجنيه الاسترليني ويحل الدولار محله. وبعدئذ أرسلته الحكومة إلى أوروبا كمبعوث رسمي للتفاوض مع جون أدامز وبنيامين فرانكلين من أجل عقد معاهدات التجارة مع انجلترا وفرنسا.

وفي عام 1785 عينه الكونغرس سفيرا فوق العادة في باريس. وهناك عاش سنوات سعيدا وأقام صداقات عديدة مع كبار فلاسفة التنوير وقادة الثورة الفرنسية المقبلة من أمثال: دلامبير، كوندورسيه، دوستدت دو تراسي.. الخ.

وكانت تلك الإقامة بمثابة تجربة مهمة وغنية في حياته على الأصعدة كافة من فلسفية وسياسية وإنسانية. ثم يردف المؤلف قائلا: في عام 1789 عاد توماس جيفرسون إلى أميركا لكي يصبح وزيرا للخارجية في حكومة جورج واشنطن. وعندئذ اختلف مع هاملتون أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة.

فقد كان من أنصار النزعة الفيدرالية المركزية، هذا في حين أن جيفرسون كان من أنصار الحكم اللا مركزي الذي يعطي حرية كبيرة للولايات المختلفة بالقياس إلى العاصمة واشنطن.

وعندئذ حصل التنافس بين كلا الرجلين في جميع المجالات. والواقع أن هاملتون كان من أنصار النظام الانجليزي الملكي المحافظ. هذا في حين أن جيفرسون كان من أتباع النظام الجمهوري التقدمي على الطريقة الفرنسية.

ومعلوم أن أميركا كانت آنذاك دولة صغيرة ناشئة، أما فرنسا وانجلترا فكانتا بمثابة القوتين العظميين على الأصعدة والمستويات كافة. وبالتالي فالولايات المتحدة كانت تقلدهما وتحذو حذوهما في شتى الميادين لكي تقوى ويشتد عودها كما يقال.

وهذه هي سنة التاريخ: فالمتأخر يقلّد دائما المتقدم. ثم تفوقت أميركا بعدئذ على أمها انجلترا وأصبحت القوة العظمى الوحيدة في العالم كما هو معلوم.

وقد أصبح توماس جيفرسون زعيما للحزب الجمهوري، في حين أن منافسه كان زعيما للحزب الفيدرالي. وقد حاول هذا الأخير قطع العلاقات مع فرنسا. ولكن جيفرسون تصدى لذلك بكل قوة. وهذا دليل على وجود صراع كبير في الإدارة الأميركية الوليدة بعد الاستقلال.

وفي عام 1801 انتخب توماس جيفرسون رئيسا للولايات المتحدة الأميركية. وقد مارس مهامه الرئاسية بكل بساطة وبدون مراسيم احتفالية باهظة التكاليف.

وهذا ما زاد من شعبيته. وهولم يغير الموظفين الذين كانوا موجودين في البيت الأبيض قبل وصوله. ثم أعيد انتخابه مرة أخرى عام 1805. وكان بإمكانه أن ينتخب مرة ثالثة ولكنه رفض ذلك وعاد إلى منطقته الأصلية لكي يمضي ما تبقى له من سنوات العمر فيها مكرسا وقته للمطالعة والكتابة.

ثم يردف المؤلف قائلاً:

وهذا أكبر دليل على أنه لم يكن يرغب في المناصب من أجل المناصب وإنما من أجل خدمة بلاده. وهنا تكمن السمة الأساسية للقادة السياسيين الكبار. فديغول أيضا رفض الرئاسة بعد عام 1969 واستقال احتجاجا على فشل الاستفتاء الذي طرحه على الشعب الفرنسي.

وكان بإمكانه أن يبقى في الاليزيه حتى آخر لحظة من ولايته ولكنه فضل الاستقالة. أما اليوم فنلاحظ أن الرؤساء الصغار يحرصون على البقاء في مناصبهم بل والتجديد لهم بأي وسيلة إذا أمكن. ولكن ليس كل الناس ديغول أو توماس جيفرسون.

والواقع أن توماس جيفرسون هو أحد المؤسسين الكبار للولايات المتحدة الأميركية. وتجيء مرتبته من حيث الأهمية بعد المؤسس الأول جورج واشنطن.

وكان ذا نزعة عقلانية، تقدمية، ديمقراطية لا تنكر. ويبدو أنه تأثر بأفكار فلسفة التنوير والثورة الفرنسية. ولذلك حرص على الفصل بين الكنيسة والدولة وتسجيل ذلك في الدستور كمادة أساسية.

فقد كان يخشى من هيمنة الكنيسة الكاثوليكية ورجال الدين على مقاليد الحكم بشكل مباشر أو غير مباشر. ومعلوم أنه كان معاديا للاتجاهات الرجعية للبابا والفاتيكان ومحاكم التفتيش السيئة الذكر.

وبما أن معظم المهاجرين إلى أميركا كانوا من البروتستانتيين المضطهدين في أوروبا فإن نقمته كانت عارمة على التعصب الديني المسيحي الكاثوليكي البابوي الروماني. فتوماس جيفرسون من أصل بروتستانتي وإن لم يكن متقيدا بالشعائر والطقوس الدينية مثل غيره. والبروتستانتي لا يمكن أن يحب البابا والفاتيكان بأي شكل كان.

ولكن هذا لا يعني أن جيفرسون كان مع الإلحاد أو يريد فرضه على الدولة الجديدة. لا، أبدا. في الواقع انه كان مع العلمانية والحرية الدينية كبقية فلاسفة التنوير وقادته في العالم الأوروبي. فالنظام الذي أسسه كان يضمن للمواطن حرية التدين أو عدم التدين: أي حرية ممارسة الطقوس والشعائر الدينية أو عدم ممارستها على الإطلاق.

في الواقع أن جيفرسون كان عقلانيا صرفا، وكان ينكر بعض العقائد المسيحية الأساسية كالعقيدة القائلة بألوهية المسيح.

ولذلك كفّره الأصوليون والمحافظون التقليديون. ولكنه حظي باحترام الشعب الأميركي ليس فقط في عصره وإنما في كل العصور: أي حتى الآن.

* الكتاب:توماس جيفرسون

*الناشر: مطبوعات جامعة أوكسفورد 2006

* الصفحات : 253 صفحة من القطع الكبير

Thomas Jefferson

R. B. Bernstein

sserP ytisrevinU drofxO

sserP

طباعة Email