مؤلف هذا الكتاب أشهر من نار على علم في فرنسا. إنه الكاتب جان دورميسون أحد أعمدة الفكر والسياسة في هذا البلد. وكان مسؤولا عن قسم الفلسفة والعلوم الإنسانية في اليونسكو سابقا، ورئيسا لتحرير جريدة «لوفيغارو» في فترة من الفترات. كما وانتخب عضوا بارزا في الأكاديمية الفرنسية.
وهو مقرب من اليمين الديغولي وكثيرا ما يتدخل في الشؤون السياسية الكبرى من خلال المقالات التي ينشرها في جريدة لوفيغارو المذكورة. وأحيانا يعطي النصائح للمسؤولين الكبار كشيراك وجيسكار ديستان.
ولكن جان دورميسون كاتب وأديب قبل كل شيء آخر، وربما كان آخر المطلعين الكبار على تاريخ الأدب الفرنسي. فهو مشبع به إشباعا. وربما كان يعرف عن راسين وكورنيه وموليير وفولتير وشاتوبريان وفيكتور هيغو وعشرات الآخرين أكثر مما يعرفونه عن أنفسهم!
وحلمه هو أن يدخل محراب الأدب، وأن يصبح خالدا فيه كما حصل لهؤلاء الكبار ولأمثالهم كبروست، أو ألبير كامو، أو سارتر، الخ... ولكنه يعترف بكل صدق بأنه لم يستطع تحقيق ذلك.
وفي هذا الكتاب الجديد الذي يتخذ شكل الرواية يستعرض جان دورميسون شريط حياته السابق بعد أن بلغ من العمر عتيا، ثمانين سنة. فقد ولد عام 1926 مثل جيسكار ديستان أو ميشيل فوكو ولكن فوكو مات منذ زمن طويل، أما هو فلا يزال حيا يرزق. وقد كان زميلا له في الجامعة عندما كانا تلميذين على مقاعد الدراسة.
ولكنه يعرف أن السنوات أصبحت محسوبة له بدقة، وأن عمره أصبح خلفه لا أمامه. ولذلك فإنه يحاول أن يستخلص النتائج والعبر من خلال استعراض ذكرياته وتاريخ حياته السابق بكل خيره وشره، بكل سلبياته وإيجابياته، وبكل إنجازاته وإحباطاته. هذا هو موضوع الكتاب الأساسي.
ولكي يستعرض الكاتب الأحداث الأساسية لحياته طيلة كل هذه السنوات فإنه يخلع على الكتاب صيغة الحوار بينه وبين فتاة شابة في عمر ابنته أو حفيدته تدعى كلارا، وهو يقدمها على أساس أنها صحافية تريد أن تستجوبه أو تجري مقابلات مطولة معه تمهيدا لنشرها في صحيفتها.
وهكذا، وعن طريق الحوار الحر والعفوي، يستطيع جان دورميسون أن يتحدث عن كل شيء: عن الحياة، والموت، وما بعد الموت، عن النجاح والفشل، عن الشخصيات التي تعرف عليها على مدار عمره المديد، عن الأدباء الكبار الذي يحبهم، عن السياسيين الذين التقى بهم، عن الحرب والسلم، عن العرب واليهود، عن الصراع بين العالم الإسلامي والغرب، عن حرب الجزائر، عن النظريات العلمية الحديثة، عن سارتر وآرون، الخ.
فهو يتحدث مثلا عن الخمسينيات من القرن العشرين وهيمنة جان بول سارتر على المسرح الثقافي الفرنسي ويقول: كان سارتر رائع الذكاء وكريما إلى أقصى الحدود.
وكنا نلتقي به في مقاهي السان جيرمان دوبري وسط العاصمة الفرنسية. كنا لا نزال شبابا في أول العمر ونحلم بتغيير العالم وكتابة أعظم المؤلفات. وبالتالي فشخصية سارتر كانت تسحرنا لأنه أبدع في كل المجالات: من فلسفة، ومسرح، ونقد أدبي، ومقالة سياسية، وكنا نحلم بأن نصبح مثله، بأن نرتفع إلى مستواه.
ثم يردف جان دورميسون قائلا: وكان سارتر يقدم نفسه كسقراط جديد هدفه تعليم الشبيبة وتثقيفها. كان يعتبر نفسه نبي العصور الحديثة أو قل: كان الآخرون يعتبرونه كذلك.
نقول ذلك على الرغم من أنه أخطأ كثيرا في مواقفه السياسية. فقد أيّد الاتحاد السوفييتي على طول الخط عندما كان لا يزال ستالينيا توتاليتاريا. وحقد على أميركا والمعسكر الغربي على طول الخط على الرغم من أنه كان يمثل معسكر الديمقراطية والحرية. ولذلك اختلفت معه لأن أصولي يمينية ولأني كنت مقربا من عدوه اللدود: ريمون آرون.
وبعد أن ساهم في المقاومة ضد الاحتلال النازي بشكل ضعيف راح سارتر يشكل فلسفته الوجودية فور انتهاء الحرب العالمية الثانية. ثم انتقل بعدئذ إلى الماركسية أو قل إلى نوع من المصالحة بين الوجودية والماركسية.
وراح يقول بأن كل معاد للشيوعية هو شخص حقير أو كلب !وعندما كانوا يسألونه: من هو الدكتاتور أكثر، ستالين أم ديغول كان يجيبهم: ديغول! ولكن على الرغم من هذا العمى الإيديولوجي فإن سارتر يظل قمة من قمم الأدب الفرنسي في عصرنا الراهن. وقد كتب عن طفولته كتابا جميلا وناجحا جدا بعنوان: الكلمات.
ثم ألف كتابا ضخما في الفلسفة يدعى: الوجود والعدم. وقد لقي نجاحا منقطع النظير بعد الحرب العالمية الثانية لأنه أعطى الشبيبة الفرنسية التي خرجت محطمة بعد الحرب الأمل بمستقبل أفضل، أو الأمل بالقدرة على مواجهة الخيبات المدمرة.
ولكن كتابه مستعار من فلاسفة الألمان في الواقع: أي من كتب هوسيرل، وكارل ياسبرز، وهيدغر. وبالتالي فهو مقلّد أكثر مما هو مبدع. نقول ذلك على الرغم من أن مقدرته على اختراع المصطلحات الفلسفية الجديدة تدعو للإعجاب والدهشة. ولكن هل يمكن أن يرتفع فلسفيا إلى مرتبة هيدغر؟
ثم يتحدث المؤلف عن نهاية سارتر ويقول: لقد حشدت جنازة سارتر وراءها عشرات الآلاف من البشر عام 1980. وغصت شوارع باريس بالناس من أولها إلى آخرها: أي حتى الوصول إلى المقبرة في حي المونبارناس. ولا تضاهيها أي جنازة أخرى في التاريخ الحديث، اللهمّ إلا جنازة فيكتور هيغو قبل مئة سنة. فعندئذ هبت باريس كلها عن بكرة أبيها لكي تودعه.
وأما ما يخص الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي فيقول جان دورميسون ما يلي: لقد التقيت بسيدة فرنسية مهمة من أصل يهودي وقالت لي ما يلي: الشيء الذي يحزنني في الوقت الحاضر هو موقف الناس في الغرب تجاهنا. فقد تغير في السنوات الأخيرة ما عدا في أميركا لحسن الحظ. أما في ألمانيا، وفرنسا، وإسبانيا، وإيطاليا، فإن الجماهير أصبحت تنصرف عنا إلى حد كبير.
صحيح أن الشعوب الأوروبية لا تزال تتعاطف معنا عندما تحصل عملية انتحارية وتحصد عشرات الناس بين قتلى وجرحى في تل أبيب، أو نتانيا، أو القدس... ولكن الدعاية الفلسطينية فعلت مفعولها في أوروبا وأصبحت تجذب إلى قضيتها الكثيرين. وهذا شيء حديث العهد وما كان معروفا في الماضي. في السابق كانت الدعاية الإسرائيلية هي وحدها المهيمنة.
أما الآن فلا. وهذا ما يقلقني. وعندئذ يطرح عليها جان دورميسون هذا السؤال: ولكن أليس للفلسطينيين الحق في إقامة دولتهم على أرضهم؟ فتجيبه السيدة اليهودية قائلة: لهم الحق. ولكن نحن أيضا لنا الحق. فإسرائيل هي أرضنا منذ الأزل وإلى الأبد. ولكن العرب لا هدف لهم إلا استئصالنا ومحونا من الوجود. إنهم يحلمون بالقضاء علينا يوما ما.
وعندئذ يجيب دورميسون: المشكلة هي أنكم حتى لو انتصرتم على العرب ألف مرة، فإن الكلمة الأخيرة ستكون لهم. لماذا؟ لسبب بسيط: هو أنهم سوف يغمرونكم بالعدد من داخلكم ومن خارجكم. الديمغرافيا لصالح العرب يا سيدتي، ونحن لا نستطيع أن نفعل شيئا ضد الديمغرافيا أو التزايد السكاني. وإسرائيل سوف تغرق في بحر من العرب يوما ما لا محالة.
* الكتاب: عيد مليء بالدموع
* الناشر:روبير لافون ـ باريس 2006
*الصفحات: 364 صفحة من القطع الكبير
Une fête en larmes
Jean d'Ormesson
Robert Laffont- Paris 2006
p. 364

