حسب تقديرات رسمية سيبلغ عدد سكان الوطن العربي حوالي 450 مليوناً عام 2015، مما يدل على أن العرب من أكثر شعوب الأرض نمواً، ومعدلات الولادة مرتفعة جداً، رغم جميع ظروف الحياة القاسية التي تعيشها دول بعينها، ورغم الشروط الصعبة للإيفاء بحاجة هذا العدد الهائل من البشر من الطعام والكساء والوظائف.
رغم ذلك الازدياد الهائل في عدد العرب إلا أن مطابعهم لا تقدم أكثر من ألف نسخة لكل كتاب جديد، وهو رقم مخجل بالنسبة لأمة في طريقها إلى نصف مليار.
لقد دأبت دور نشر عربية على طباعة ألف نسخة فقط، لأنها تدرك أن نصف هذا الرقم سيعود إلى مخازنها ليتكدس إلى جانب كتب أخرى، ولذلك تبدو المغامرة فاشلة وسط مجتمع لا يقرأ ولا يعقد صداقة مع الكتاب.
ولأن معايير القراءة غير واضحة عربياً سوى عزوف الناس عنها، فإن معياراً آخر يلعب دوره سلباً في هذا المجتمع العملاق، إذ تباع آلاف مؤلفة من كتب قليلة الشأن خالية المعنى، ويصل عدد طبعاتها إلى عشرين طبعة، وهي مرشحة للازدياد أكثر، خاصة عندما يكون الكتاب لإمرأة.
وعلى سبيل المثال فقط يجري السؤال المعتاد بين جيل الشبيبة: هل قرأت كتاب أحلام مستغانمي أو هل قرأت كتاب رجاء الصانع حتى من دون ذكر اسم الكتاب، إذ يكفي ذكر اسم الكاتبة ليفهم السؤال، وعموماً تلك الكتب تشبه بيضة الديك، إما إنها كتاب يتيم، أو كتاب يكرر سابقه.
فإذا كان مخجلاً أن العرب لا يطبعون أكثر من ألف نسخة لكتاب جديد، فإن الخجل الأكبر أن كاتبة مجهولة وناشئة أكثر شهرة من فاطمة المرنيسي، بل تكاد تكون مجهولة لقراء بيضة الديك، وهذا يدل على أن القراءة لا تتم بوعي ومعرفة بل أشبه بما تكون بغريزة القطيع.
مشكلة القارئ العربي إنه محكوم لعوامل عدة تجعله خارج رهان المعرفة، فإذا كان سعر الكتاب يقف حائلاً بينهما، فإن هناك عشرات الكماليات التي لا يقف سعرها حائلاً دون شرائها.
كما ان القراءة عربياً مرتبطة بمواسم معارض الكتب وليس بوفرة المكتبات، والمقارنة بين وجود مكتبة أو وجود مقهى شيشة تبدو ظالمة للطرفين، فالمكتبة هي فن المعرفة، لكن الشيشة هي فن إضاعة الوقت وقتل الزمن أو هدره، ناهيك عن الصيغ الاجتماعية التي لا تشجع على القراءة أو اقتناء الكتب.
وهناك ملايين المنازل العربية التي لا يوجد فيها دولاب للكتب، ولكن لا يخلو منزل عربي من تلفزيون ضخم يقابله شغف بالمحطات الفضائية ينهل منها الأبناء جميع أنواع الفاكهة التي تحرمها رقابة الكتب.
إن طباعة ألف نسخة من أي كتاب لأكثر من أربعمئة مليون شخص يدفع المرء إلى رثاء نفسه، لأن إسرائيل في الجوار تطبع عشرين ألف نسخة من كتاب مترجم، فما بالنا بالكتب العبرية أصلاً.
حقاً أمر يدعو للرثاء.