مؤلف كتاب «غوامض الصحاح» هو الإمام العالم الأديب صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي، المولود في «صفد» في «فلسطين» سنة 696 هجرية، حيث بدأ اشتغاله بالعلم والأدب وهو في العشرين من عمره.

وكان قبل ذلك قد اتجه إلى صناعة الرسم فمهر فيها، وذكر عن نفسه أن أباه لم يمكنه من الاشتغال حتى استوفى عشرين سنة، وطلب بنفسه، فأخذ عن شيوخه، وقد رحل في طلب العلم إلى «دمشق والقاهرة» وكانت له همة عالية في التحصيل، فأخذ عن عدد من شيوخ البلدين، فأخذ عنهم الحديث والمغازي والسّير والتاريخ، ويسيراً من الفقه.

عمل «الصفدي » في سلك وظائف الدولة، فكان كاتباً في الديوان ب«صفد »، ثم انتقل إلى القاهرة كاتباً في ديوان الإنشاء، وقد استمر هناك مدة طويلة، وهكذا قضى «صلاح الدين «حياته في العمل الوظيفي »، وكان يمضي سحابة نهاره في العمل الديواني، ثم يعود إلى مجالس العلم والمذاكرة، وإلى كتبه يقرأ ويجمع ويصنف وينشئ وينظم...

، وإن كتبه الكثيرة وموسوعته الهائلة في التراجم لتدلان أعظم دلالة على ما متّع به من صبر وجلد على متابعة الطلب، وعلى الجمع والتصنيف والتحرير، حتى أخر سني عمره.

ويشيد تاريخ تصنيف «غوامض الصحاح، ونفوذ السهم »إلى أنه صنفهما في سنة واحدة 757 هجرية. أي قبل وفاته بسبع سنين، وقد كان يسوّد الكتاب ثم يعيد تبييضه بخطه ثم يسمعه أو يقرؤه للتصحيح.

وصفه مترجموه بالخصال الحميدة وبالأمانة، وكان محبباً إلى الناس، حسن المعاشرة، جميل المودة، وقال عنه شيخه الحسيني: وكان إليه المنتهى في مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، ويدل سياق سيرته، أنه كان متواضعاً، فقد جلس في سني نضجه واكتماله، ليقرأ على «تاج الدين السبكي » كتاب « جمع الجوامع» في أصول الفقه.

ويكتبه بخطه، عاش الصفدي نحواً من سبعين عاماً، يعمل ويصنف وينثر الفوائد وينظم الشعر ومن هنا اتسمت ثقافته بالاتساع والإحاطة، وتدل مؤلفاته الكثيرة على نشاط جم وعلم غزير وصبر عجيب ،ليترك لنا قرابة سبعين كتاباً. أما كتابه «غوامض الصحاح » فهو واحد من أربعة كتب ألفها «الصفدي» حول «معجم الصحاح» .

والتي دارت في فلكه وهي :«حلي النواهد على ما في الصحاح من شواهد، غوامض الصحاح ، نجد الفلاح في مختصر الصحاح، نفوذ السهم فيما وقع فيه الجوهري من الوهم » والجوهري هو«الإمام إسماعيل بن حماد الجوهري » الذي ألف معجم صحاح العربية.

وكلمة غوامض الصحاح، لا تتجه إلى ما يسمى بغريب اللغة أو حوشيها، وإنما تتجه إلى غموض الاشتقاق وصعوبة رد الكلمة المذكورة إلى أصلها، وخاصة لدى من يتمرّس بالتصريف ويعرف شعابه ومسالكه، كما قرر «الصفدي » في مقدمته للكتاب ولذلك كان يذكر بعض تلك الغوامض ولا يذكر معناها، لأن معناها من الوضوح والشياع بحيث لا يخفى على أحد، لكن الغموض والصعوبة إنما هما في رد الكلمة إلى أصلها.

فالصفدي قرأ الصحاح واستخرج الأبنية التي وجد فيها غموضاً بالمعنى المذكور، وأعاد ترتيبها على نسق جديد، تغلّب فيه على الصعوبة التي تواجه من يجهل التصريف في رد تلك الأبنية إلى أصولها.

وليس معنى هذا أن كل بناء مما ذكره «الصفدي » كان معروف المعنى، فإن من تلك الأبنية ما يدخل في مجال الغريب، كالجحرمة والجذعمة.

لكن غرابة اللفظ لم تكن سبب الاختيار، وإنما غموض الأصل أو ما يشبه الغموض. ليس في الكتاب جديد من حيث المادة، وإنما الجديد فيه ترتيبه، فقد رتّب الصفدي تلك الأبنية بعد استخراجها بحسب أوائل الحروف، مع مراعاة الثواني والثوالث وما يليها.

ومن غير إعادة الكلمة إلى أصلها الثلاثي، فكلمة «الأترجة » أي الكبّادة وهي من أصل ـ سنسكريتي ـ تذكر في باب الهمزة، مع أن أصلها «ترج » فترتيب غوامض الصحاح، هو ترتيب هجائي يراعي أوائل الكلمات، دون النظر إلى الأصول وسواء أكانت ثلاثية أم رباعية أم خماسية، وقد وقع بعض الاضطراب في ترتيب بعض المفردات.

كتاب «غوامض الصحاح » ذكره صاحب «الدر المنتخب » ضمن مؤلفات الصفدي، كما ذكره «الزركلي » في الاعلام وقال: بخطّه ـ أي بخط المؤلف ـ رأيته في الاسكوريال، والكتاب يعود إلى سنة 757 هجرية وقد نسخ على يد مؤلفه في دمشق، وجاء في آخره:

وكتب مؤلفه الفقير إلى الله تعالى «خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي » بدمشق المحروسة في جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وسبعمائة والحمد لله حق حمده وصلاته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلامه، حسبنا الله ونعم الوكيل.