00
إكسبو 2020 دبي اليوم

الاستعمار والاستعمار الجديد

الاستعمار والاستعمار الجديد

هذا الكتاب يضم بين دفتيه النصوص التي كتبها الفيلسوف الفرنسي الكبير عن الجزائر والاستعمار الفرنسي. وهي تصدر لأول مرة في اللغة الإنجليزية بعد أن ترجمت على يد باحثين اثنين هما عز الدين خضور وستيفن بروير.

والواقع أن نصوص سارتر عن هذه القضية الحساسة كانت قد نسيت أو أهملت في السنوات الأخيرة. وبالتالي فحسناً فعل هذان الباحثان إذ ترجماها إلى لغة شكسبير وقدما لها واعتنيا بها. ويمكن القول بأن سارتر المعروف بنضاله ضد الاستعمار والظلم والقهر كان قد كتب في الخمسينات من القرن الماضي، وفي عز الأزمة الجزائرية، عدة نصوص أساسية عن الموضوع. نذكر من بينها:

الاستعمار هو عبارة عن نظام متكامل. ثم صورة شخصية عن المستعمَر بفتح الميم كرد على نص البير ميمي صورة شخصية عن المستعمر بكسرها.

ومعلوم أننا لن نفهم نفسية الإنسان المستعمَر جيدا إلا إذا فهمنا نفسية الإنسان المستعمر بكسر الميم. فهناك علاقة جدلية بينهما.

ويمكن أن نذكر نصا آخر بعنوان قوي واستفزازي جدا هو: نحن جميعا قتلة ! هذا بالإضافة إلى نصوص أخرى عديدة. ويجدر بنا أن نتذكرها اليوم في الوقت الذي تتصارع فيه فرنسا والجزائر على قضية الاستعمار وتصفية الحسابات التاريخية بينهما.

ومعلوم أن الرئيس بوتفليقة يطالب بأن تعتذر فرنسا عن المجازر التي حصلت أثناء المرحلة الاستعمارية. ولكن فرنسا ترفض. والشيء الذي نكأ الجراح مؤخرا هو أن البرلمان الفرنسي صوت على قانون يشيد بالجوانب الإيجابية للاستعمار!

وقد اضطر إلى سحبه أو إلغائه بعد أن أثار ضجة كبرى في أوساط المثقفين والمؤرخين الفرنسيين أنفسهم. فقد أدانوه في معظمهم إلى درجة أن الرئيس جاك شيراك اضطر إلى شطبه. لقد صدم هذا القانون المثقفين الجزائريين وجرحهم في العمق مثلما صدم المثقفين الفرنسيين أو قسما كبيرا منهم.

فما الذي كان سيفعله سارتر لو أنه عاش وسمع بهذا القانون البشع؟ كان سينزل إلى الشارع حتما ويقيم الدنيا ولا يقعدها، وكان سيندد بنواب اليمين الفرنسي الذين صوتوا عليه.

يقول المفكر الفرنسي الكبير عن الظاهرة الاستعمارية ما يلي: أريد أن أحذركم من أكذوبة الاستعمار الجديد. فهي تقول بأنه يوجد مستعمر طيب ومستعمر شرير وأن سبب انتفاضة الجزائريين عائدة إلى المستعمر الشرير فقط.

هذا كلام خاطئ من أساسه. لماذا؟ لأن المسألة لا تتعلق بالأفراد أو الأشخاص المعزولين وإنما تتعلق بالنظام الاستعماري ذاته. فهناك نظام للاستعمار، نظام متكامل وهو المسؤول عن كل ما يحصل اليوم من مشاكل وصدامات.

في البداية لم يكن الفرنسيون يعرفون ماذا سيفعلون بالجزائر بعد أن احتلوها. فراحوا يجربون فيها كل الحلول. فتارة يرسلون إليها العمال العاطلين عن العمل لاحتلال أراضي الجزائريين واستغلالها، وتارة يرسلون إليها الفلاحين الأوروبيين من فرنسيين وإسبانيين لتشكيل شعب جديد هناك إلى جانب الشعب الجزائري، بل وربما الحلول محله. إنه استعمار استيطاني مجرم لا شرعية له على الإطلاق.

وفي النهاية استقر رأيهم على مصادرة الأراضي الغنية الصالحة للزراعة وإعطائها للأوروبيين الذين تكاثر عددهم آنذاك. هل تعلمون مثلا أن مساحة الأراضي التي كان يمتلكها المستوطنون الفرنسيون عام 1850 كانت لا تزيد عن 000 115 هكتار.

ولكنها تزايدت عام 1900 فأصبحت مليونا وستمئة ألف هكتار! ثم أصبحت عام 1950 أي عشية اندلاع الثورة الجزائرية مليونين وسبعمئة ألف هكتار... وكل ذلك تم على حساب السكان الأصليين: أي الشعب الجزائري. وأما الدولة الفرنسية فتمتلك لوحدها أحد عشر مليون هكتار، وهي عموما الأقل خصوبة. فأين هي الأخلاق في كل ذلك؟ أين هو العقل والضمير؟

ثم يردف جان بول سارتر قائلا:

وبالتالي فالنظام الاستعماري الذي ترسخ هناك تدريجيا أصبح يعرف ما يريد، إنه يريد الهيمنة على ثروات الجزائر وإذلال شعبها والتحكم بمصيره التاريخي.

وضمن هذا السياق لم يعد هناك أي معنى لوجود مستوطن جيد ومستوطن شرير لأن النظام كله استغلالي وشرير. وبالتالي فالنيات الفردية الطيبة لهذا الفرنسي أو ذاك لم تعد تغير في الأمر شيئا.

ينتج عن ذلك أن الشعب الجزائري ليس بحاجة إلى تحسين أوضاعه المعيشية فقط وإنما بحاجة إلى شيء واحد بالدرجة الأولى:التخلص كليا ونهائيا من هذا النظام الاستعماري البغيض الذي يخنقه خنقا. إنه بحاجة إلى استرجاع سيادته على أرضه ووطنه. فاحتلال الجزائر عام 1830 كان مناقضا لكل مبادئ حقوق الإنسان التي طالما تبجحت بها فرنسا!

إن الشعب الجزائري بحاجة إلى استرجاع لغته العربية التي سرقها منه الاستعمار منذ عام 1830 عندما اعتبرها لغة أجنبية على الجزائر وبالتالي فممنوع التعاطي معها أو استخدامها. لقد أرادوا محو الهوية اللغوية والتاريخية لشعب بأسره.

وبالتالي فالشعب الجزائري بحاجة إلى استرجاع كرامته على أرضه الوطنية، أرض آبائه وأجداده منذ مئات السنين.

هل تعلمون بأن البنى التحتية من طرق ومواصلات ومشاف ومدارس هي من حظ المستوطنين الأوروبيين في معظمها لا من حظ الجزائريين؟ وعندما حصلت هزة أرضية هناك مات من الجزائريين ألف وخمسمئة شخص أو أكثر، في حين لم يمت من الأوروبيين إلا أربعين شخصا! لماذا؟ لأن الأوروبيين حظوا بالعناية وفرق الإنقاذ فورا على عكس الجزائريين الأصليين.

فهؤلاء يعيشون في مناطق غير مخدومة، مناطق لا تصل إليها المواصلات ولا تحتوي على أي مستشفى أو مستوصف صغير. ومع ذلك فإن دعاة الاستعمار زعموا بأنهم ذهبوا إلى هناك لإدخال الشعب الجزائري في الحضارة وإخراجه من التخلف والبربرية الهمجية! هذا هو النظام الاستعماري البغيض الذي أسسناه هناك .

والذي يفتخر به بعضنا بكل وقاحة. ولو كنا آدميين نحترم الحقيقة لخجلنا من أنفسنا ولاعتذرنا للشعب الجزائري عما فعلنا به طيلة كل تلك السنين. فنحن قمنا باستغلاله لا بتحضيره، ولم نفكر إلا بأنفسنا وأنانيتنا ومصالحنا.

ومع ذلك فإنهم يصرون على الكذب ويزعمون بأننا ذهبنا إلى هناك لتحضيره كما يقول المنظّرون للحملات الاستعمارية! ولكننا زدنا شقاءه وعذابه وفقره وجهله وجوعه وحرمانه... هذا ما فعلناه بالشعب الجزائري أيها السادة.

وبالتالي فلا يوجد استعمار جيد واستعمار رديء. كل الاستعمار رديء وشرير وينبغي التخلص منه بأي شكل. ويحق للشعب الجزائري أن يثور وينتفض من أجل استرداد إرادته وهويته ولغته وسيادته.

ثم يردف جان بول سارتر قائلا:

هل تعلمون أنه بعد مئة وعشرين سنة على استعمار الجزائر لا يزال 80 بالمئة من هذا الشعب أميا لا يعرف القراءة والكتابة.

لقد حرمناه من تعلم لغته وفرضنا عليه فقط لغتنا ولكن حتى في لغتنا لا يزال أميا في أغلبيته الساحقة. ولم نكن حريصين أصلا على أن يتعلم ويخرج من حالة الجهل والتبعية لأنه لو خرج فسوف يثور علينا ويطالب بحريته.

فأين هو التحضير إذن؟ أين هي الحضارة التي حملناها معنا إلى هذا الشعب؟ كل هذا هراء وأكاذيب. فالنظام الاستعماري البغيض لا يهدف إلا إلى الاستغلال وإبقاء الشعب تحت نير الاحتلال.

ولكي يظل خاضعا مطيعا ينبغي أن يبقى جاهلا أميا لا يعرف مصلحته ولا يتجرأ على التمرد على أسياده. هذه هي حقيقة النظام الاستعماري أيها السادة وكل ما يقال عكس ذلك أضاليل.

اذهبوا إلى أحياء المستوطنين الأوروبيين تجدون كل وسائل الترفيه والخدمات العامة من مدارس، ومشاف، ووسائل نقل حديثة، ونظافة، وشوارع جميلة، الخ.

ولكن المسلمين الجزائريين، أي سكان البلاد الأصليين، محرومون من كل ذلك في غالبيتهم الساحقة. ثم يتحدثون لك بعدئذ عن فوائد الاستعمار وإيجابياته! هذا هو الكرم الحاتمي للاستعمار الفرنسي، ثم يستغربون بعدئذ ويتساءلون: لماذا يكرهنا الجزائريون؟ لماذا يثورون ويتمردون علينا؟

ثم يحمل جان بول سارتر حملة شعواء على الجيش الفرنسي ويقول: إنهم يمارسون التعذيب على أسراهم لكي يفشوا لهم بمعلومات عن المقاومة وجبهة التحرير الوطنية الجزائرية. إنهم يقمعون شعبا بأسره عن طريق استخدام كل وسائل التكنولوجيا العسكرية الحديثة.

إنهم يشوهون سمعة الجمهورية الفرنسية التي قامت على مبادئ التنوير والديمقراطية وحقوق الإنسان. لقد لطخوا سمعة فرنسا بالعار بسبب هذه الممارسات الوحشية اللاإنسانية.

وبالتالي فلم يعد أمام فرنسا إلا حل واحد إذا ما أرادت أن تحافظ على ما تبقى من سمعتها: أن تخرج من الجزائر فورا وتتركها لشعبها. فالجزائر ليست فرنسية. الجزائر للجزائريين ولهم وحدهم. وعلى المستوطنين أن يخرجوا من البلاد أيضا ويعودوا إلى بلادهم الأصلية فرنسا.

فكلما حاول الجيش الفرنسي حمايتهم زاد كره الجزائريين لهم ونقمتهم عليهم.

* الكتاب: الاستعمار والاستعمار الجديد

* الناشر: روتليدج ـ لندن2006

* الصفحات: 200 صفحة من القطع المتوسط

Colonialism and neo-colonialism

Jean Paul Sartre

Routledge-London 2006

P.200

طباعة Email